السؤال:
ألاحظ أن الموفق ابن قدامة يعزو كثيرا من الأحاديث للأثرم ، مع أن الحديث موجود في السنن الأربعة أو بعضها ومسند أحمد.
وأكبر ظني أن الموفق كان عنده نسخة من سنن الأثرم، والله أعلم.
ففي الكافي -مثلا- عند كلامه على شرط الوقت عزا ثلاثة أحاديث للأثرم.
واثنان منها رواها أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، والثالث في مسند أحمد، ولم يعزها إليها.
فعلى هذا يُرجى أن مخطوطة الكتاب موجودة؛ لأن وجود نسخة عند الموفق يدل على أمرين: بقاء الكتاب إلى زمان الموفق وأنه لم يتلف قبل ذلك. والأمر الثاني: وجود نسختين لسنن الأثرم في غالب الظن؛ لأن الأثرم في بغداد والموفق في دمشق، فلعله إذا ذهبت إحدى النسختين تبقى الأخرى.
فما رأيكم؟
الجواب:
الأمل بالله كبير، لكن من جهة الواقع والتاريخ:
- لا نكاد نشك أن الموفق اطلع على سنن الأثرم، وسنن سعيد، كاملين.
- والموفق عاش حياته كلها في زمن لم تكن المصائب التاريخية الكبرى قد بدأت، وأظهرها غزوات التتار المتعددة على العالم العربي من أول العراق إلى آخر فلسطين، خلال القرن السابع، والقرن الثامن وأول التاسع، ثم بعد القرن العاشر جاءت مصيبة الضعف الشديد والظلام العلمي إن صح التعبير، وتفرق التراث إلى بلدان صارت مقابر له.
- المشكلة أن بيننا وبين زمن الموفق مفاوز من الزمان فُقدت فيها مئات أو آلاف الكتب، فوجود الكتاب في وقت الموفق ليس على أي حال قرينة مقرّبة لوجوده اليوم، بل حتى لو وجد في أوقات متأخرة بعد وقت الموفق، مع الأسف، انظر مثلا إلى المكتبة العظيمة التي اطلع عليها مغلطاي، أو ابن حجر، أو غيرهما.
- يحتمل (وفيه نظر) أن ناسخ القطعة المطبوعة باسم “سنن الأثرم” هو ابن عروة صاحب “الكواكب الدراري” (ت 837هـ)، فهذا إن صح يدل على وجود “سنن الأثرم” أو بعضها على الأقل إلى وقت أقرب بكثير، وخط النسخة في الجملة أقرب عهدًا من زمن الموفق.
- والحقيقة أني لا أؤيد الربط القوي بين وجود الكتاب في زمن ما، ووجوده اليوم، فقد وقفنا على كتب لم يقف عليها بعض المتأخرين كالحافظ ابن حجر مثلا، والعكس معروف، فلا يلزم من شهرة الكتاب في وقت وجوده في وقت آخر ولو قرب منه.
- ما زالت هناك مكتبات غير مفهرسة، أو غير تامة الفهرسة، ومكتبات خاصة، وبلدان منزوية أو منغلقة على نفسها، وما زال التراث زاخرا والخزائن ملأى والاكتشافات تترى، وليس على الله عزيز، ولكني أفضّل الواقعية إلى أن ترى بعينك، حتى لو سمعت بأذنك.
أضف تعليقًا