معنى كلام ابن المديني في سويد بن سعيد

السؤال:

ورد في «تاريخ بغداد» (10/ 317):
أخبرني الأزهري، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان الصفار، قال: أخبرنا محمد بن عمران الصيرفي، قال: حدثنا عبد الله بن علي ابن المديني، قال: سئل أبي عن سويد الأنباري، فحرك رأسه وقال: ليس بشيء، وقال: الضرير إذا كانت عنده كتب فهو عيب شديد، وقال: هذا أحد رجلين: إما رجل يحدث من كتابه، أو من حفظه، ثم قال: هو عندي لا شيء، قيل له: فأين حفظه ثلاثة آلاف؟ قال: فهذا أيسر، يكرر عليه.

وفي «تاريخ دمشق» (72/ 341):
أخبرنا أبو منصور بن خيرون، أنا- وأبو الحسن بن سعيد، ثنا- أبو بكر الخطيب، أخبرني الأزهري، أنا عبد الله بن عثمان الصفار، نا محمد بن عمران الصيرفي، نا عبد الله بن علي بن المديني قال: سئل أبي عن سويد الأنباري فحرك رأسه وقال: ليس بشيء، وقال الضرير : إذا كانت عنده كتب فهو عيب شديد، وقال هذا أحد رجلين: إما رجل يحدث من كتابه أو من حفظه، ثم قال: هو عندي ولا شيء، قيل له: فأين حفظه ثلاثة آلاف؟ قال: فهذا أشد، يكرر عليه.

أشكل علي كلام ابن المديني، لو تكرمتم بإيضاحه، جزاك الله خيرا.


الجواب:

راجعت بعض نسخ التاريخين، مع أن النسخ لا تفيد كثيرا في موضع دقيق كهذا، ولكن رأيت النص في نسخة قديمة من تاريخ بغداد، مكتوبة في القرن السابع، وكانت بيد الحافظ إبراهيم الصريفيني يصححها ويتممها، فجاء فيها:

“قيل له: فإنه يحفظ ثلاثة ألف؟ قال: فهذا أَشَرّ، يكرر عليه”.

وهذه أحسن قراءات النص فيما يظهر لي، على أن قوله: “فإنه يحفظ” مساو في المؤدى لقوله: “فأين حفظه”، وكذلك “أشرّ” فهي بمعنى “أشد”، لكن يظهر أن رسمها بالراء هو سبب تحريفها إلى “أيسر”.

وبعد فمعنى النص:

  • أن ابن المديني أخذ على سويد نكارة حديثه، فقال أولًا إنه “لا شيء”.
  • ثم حاول تفسير وجود المناكير في حديثه، وهو نوع إعذارٍ وتبرئةٍ لسويد، فقال: “الضرير إذا كانت عنده كتب فهو عيب شديد”، أي: أن المناكير تُدخَل عليه، وليست منه، لأنها تُقرأ عليه ويُمرّها دون انتباه، لا أنه هو الذي يبتدئ التحديث بها من حفظه.
  • ثم ذكر أن الرجل لا يكون محدثًا إلا إما من كتاب أو من حفظ، وأظنه هنا يشير إلى أن سويدًا يعتمد على كتبه، وقد بدأ كلامه بهذا: “الضرير إذا كانت عنده كتب”، فكأنّه يقول: لا مفر لسويد من الكتب.
  • وهنا أُورِدَ عليه أن سويدًا يحفظ ثلاثة آلاف حديث، وإذا كان كذلك فليس كل حديثه معتمدًا على الكتب، وهذا استشكالٌ للاعتذار المذكور.
  • وجواب ابن المديني في معناه احتمالان:
    الأول: أنه يقول: “هذا أشرّ”، أي: أنه إن كان يعتمد على حفظه فينقطع الاعتذار له حينئذ، ولا يتحمل عهدة المناكير إلا هو، ولا يوجد إدخال عليه أصلًا، وإنما يكون حفظه سيئًا وحديثه منكرًا من الأصل. وعلى هذا تكون عبارة “يكرِّر عليه” منفصلة عما سبق، ومعناها: أن ابن المديني لم يفتأ يكرر نقد سويد وتضعيفه من كل جهة.
    الثاني: أنه يقول: “هذا أشرّ، يكرَّر عليه”، أي: أنه إن كان يحدث من حفظه فهذا يقتضي ضرورةً مراجعتَه لمحفوظه، ولا بد أن تكون المراجعة من الكتب التي أدخلت فيها المناكير، فتُقرأ عليه المناكير وتُكرَّر عليه حتى يضبطها وهو يظن أنه يضبط حديثه، وهذا أسوأ من أن يعتمدَ على الكتب دون حفظ، ويُمِرَّ المنكر دون تيقظ. ثم يثبُتُ هنا أنه لم يكن حافظًا من الأصل، لأنه لا يفصل حديثه مما أدخل فيه، ويحفظ الجميع على أنه حديثه.
    لعل أحد هذين الاحتمالين هو المراد، والثاني أقرب، والله أعلم.


أضف تعليقًا