ما زال مُذ أقدم الأزمنة أذانُ الحج حاديًا يحدو أهلَ الاستسلام والطاعة، فيُقْدِمُهم راجلين وعلى ظهور الضوامر من كل فجٍّ عميق، ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله -جل في علاه-.
وإنَّ من أعظم المنافع في المناسك لَمنفعةَ العلم، وإنْ كان أهلُ العلم وطلابُه لَيستثمرون رحلة الحج غاية الاستثمار في التفقُّه في الدين، وسماع الحديث، وتعلية السند، ولقيا الأشياخ.
وكان أصحابُ الحديث -بأثَر اختصاصهم- مِن أتقن أولئك تقييدًا وضبطًا، وأكثرهم حرصًا على إثبات مسموعاتهم ومقروءاتهم، وذلك لمعرفتها وحصرها أولًا، ثم لتثبيت حقّهم في روايتها عن شيوخهم الذين تلقَّوها عنهم، حتى أضحتْ مُقيَّداتُهم مصدرًا زاخرًا بالتفاصيل العلمية والتاريخية، وأثْرَتْ أنواعًا من التآليف في فنِّهم وفي غير فنِّهم، كتراجم الرجال، ومعاجم الشيوخ، وفهرسات الكتب، وكتب الرحلات، وموسوعات البلدان والخطط.
لقد كان مِن أشهر وسائل المحدثين في ضبط مروياتهم ما عرفوه بـ«الأثبات»، والثَّبَت في جوهره أشبهُ بدفترِ سجلَّاتٍ خاص، أو بمسوَّدات تأسيسية، وليس هو بمصنَّفٍ مرتَّبٍ مُعَدٍّ للنشر، وفيه يقيِّد صاحبُه -أو يُقَيَّدُ له- ما سمع وما قرأ مجلسًا مجلسًا، محقِّقًا وقتَ ذلك زمانًا، وموضِعَه مكانًا، وقد يزيد بذكر الحضور أو بعضِهم أحيانًا، ويلتزم التقييدَ غالبًا بُعَيْد كل مجلسٍ، أو في مدةٍ قصيرةٍ لا تتجاوز أيامًا على الأكثر.
وإذن، فيمكن لنا أن نَعُدَّ تلك «الأثبات» وثائقَ تاريخيةً ناطقة، تنقل صورةً مباشرةً أو شبهَ مباشرةٍ عن:
- (ما) وقع في مجلس الرواية من القراءة والسماع.
- و(من) شهد ذلك المجلس من الشيخ والقرَّاء والسامعين.
- و(أين) و(متى) عُقد المجلس بدقة.
إذ إن هذه المعلوماتِ تُكتَب غالبًا قُرب وقت الحدث كما سلف.
عُرف مِن أعيان المحدِّثين الدمشقيين أوائلَ القرن الثامن الهجري، الشيخ المحدِّث أمين الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد الواني الحنفي (684-735هـ)، الذي كان إلى جانب عمله مؤذنًا بالجامع الأموي في دمشق، مِن أبرز مرتادي مجالس السماع والرواية وقُرَّائها، ومن المعتنين بضبطها وتقييدها، قال فيه صاحبُه الذهبي -وهو أكبر منه بإحدى عشرة سنة-: «كان من أنبَهِ الطلبة، وأجودهم نقلًا»، وقال: «وله عملٌ كثيرٌ في هذا الشأن، وكتابةٌ وتخاريج»، ووصفه بـ«الفقيه المحدث، المفيد الرحال، شرف المحدثين».
وقد سمع ابن الواني الحديث في صغره، ثم طلبه بنفسه من بلوغه السادسةَ عشرة (700هـ) إلى أوقاتٍ متأخرةٍ من حياته، وكانت له «أثباتٌ» حافلةٌ تدلُّ على ما قاله الذهبيُّ من نباهته وجودة نقله وضبطه.
وصل إلينا من هذه الأثبات مجلدٌ واحد، كتب عنوانَه صاحبُه الذهبيُّ نفسُه، وهو يغطي مسموعاتِ ابن الواني فيما بين أول سنة 705هـ، إلى أثناء سنة 716هـ، وقد تخلَّلت هذه السنواتِ رحلاتُه المتعددةُ من دمشق إلى شمالها (حمص، حماة، حلب) وغربها (بعلبك، القدس، الخليل)، وإلى مصر وما في طريقها، كما تضمَّن هذا المجلدُ مسموعاتِه في الرحلة إلى بيت الله الحرام.

رحل ابن الواني في سبيل الحج رحلتين:
الأولى: حَجَّة الإسلام عام 705هـ، وكان يومئذٍ في الحادية والعشرين من عُمره، وقد خرج فيها مع الركب الشامي في طريقهم المعروف جنوبًا، مرورًا بالمدينة المنورة، وعاد على طريقهم كذلك.

الثانية: حَجَّة عام 715هـ، وهي حَجَّةٌ خرج فيها مبكرًا من دمشق في 28 جمادى الأولى قاصدًا مصر، ثم توجَّه مبكرًا أيضًا رفقةَ عسكرٍ مجرَّدٍ غادر القاهرةَ مستهلَّ شعبان من تلك السنة، وسلك فيها معهم طريق الساحل برًّا[1]، إلا أنه عاد على درب الركب الشامي.

ومن الملحوظ أن مسموعاتِ ابن الواني في حَجَّته الأولى كانت محدودةً بالنسبة إلى نظيراتها في الحَجَّة الثانية، خصوصًا وقد مكث في الثانية قبل موسم الحج مدةً طويلة، إذ دخل مكةَ منتصف شهر رمضان، واتصلت سماعاتُه فيها حتى عودته.

وقد كان ابن الواني في هذه التقييدات -كما عُرف عنه- ضابطًا مجوِّدًا، وكان أحرصَ ما يكون على ضبط ظرف السماع إلى جانب ضبط السماع، فكان يقيد اليوم والتاريخ والمكان بالتفصيل، وصار «ثبته» بسبب ذلك مصدرًا أصيلًا ومبكرًا نسبيًّا لذكر جملةٍ من المراحل التي يتوقَّف فيها ركب الحج، وللمُدَد التي يتطلَّبها قطعُ الطريق فيما بينها، وللمواضع المكية والمدنية التي كانت تُعقد فيها مجالس العلم، بل للمواضع المشابهة في كافة البلدان التي دخلها[2]، فضلًا عمَّا في ذلك من توضيح نهمة طلبة الحديث وهمَّتهم، وقراءتهم على الشيوخ حتى في أيام السفر المرهقة، وفي أثناء أداء المناسك في الأيام الفاضلة والمشاعر الشريفة.
ولإبراز نموذجٍ للإثراء التاريخي والجغرافي من التراث الحديثي، وسُهْمةً في المجال البُلداني في وطن التراث والتاريخ المملكة العربية السعودية، وخصوصًا في المنطقتين الغربية والشمالية الغربية منه، فقد استخرجتُ ما ورد في «ثبت ابن الواني» من المواضع الحجازية، وأثبتُّها كما وردت بنص صاحب الثبت، ورتَّبتُها في صيغةٍ مجدولةٍ بحسب تواريخ المجالس المعقودة فيها، دون أن أكرِّر الموضعَ إن تكرَّر السماعُ فيه، وإنما أذكر جميعَ التواريخ في خانةٍ واحدة، مع بيان رقم الورقة من الأصل الخطي في جميع ذلك.
والله ولي التوفيق.
أولًا: الحَجَّة الأولى 705هـ:
| الموضع (نص ابن الواني) | التاريخ | الورقة |
| ذات حج | الخميس 5/ 11/ 705هـ | 29ب، 31أ |
| تبوك | الأحد 8/ 11/ 705هـ | 29ب، 31أ |
| العلا | الأحد 15/ 11/ 705هـ | 31أ |
| هدية | ليلة الجمعة 20/ 11/ 705هـ | 31أ |
| حرم رسول الله ﷺ / الحرم الشريف بطيبة | الاثنين 23/ 11[3]/ 705هـ | 30أ |
| تجاه الكعبة المعظمة | الاثنين 7/ 12/ 705هـ | 30أ |
| مسجد الخيف بمنى | الجمعة 11/ 12/ 705هـ | 30أ، 30ب |
| منى | السبت 12/ 12/ 705هـ – بعض أيام التشريق 705هـ | 30ب |
| باب الصفا | ليلة الاثنين 14/ 12/ 705هـ | 30ب |
| الحرم الشريف | الاثنين 14/ 12/ 705هـ | 30ب |
| منزل [الشيخ]، والحرم | الاثنين 14/ 12/ 705هـ | 31أ |
ثانيًا: الحَجَّة الثانية 715هـ:
| الموضع (نص ابن الواني) | التاريخ | الورقة |
| أيلة، على شاطئ البحر الملح | الخميس 14/ 8/ 715هـ | 192ب |
| الينبع | الجمعة 7/ 9/ 715هـ | 192ب |
| بطن مر الظهران من وادي الجموم | الجمعة 14/ 9/ 715هـ | 192ب |
| مكة [دخولها] | بكرة السبت 15/ 9/ 715هـ | 192ب |
| المسجد الحرام، تجاه الكعبة المشرفة | الجمعة 21/ 9/ 715هـ، الجمعة 5/ 10/ 715هـ، الجمعة 19/ 10/ 715هـ، الجمعة 26/ 10/ 715هـ، الجمعة 3/ 11/ 715هـ، الثلاثاء 29/ 11/ 715هـ | 192ب، 193أ، 194ب، 195أ، 195ب |
| منزل [الشيخ] بمكة | الأحد 23/ 9/ 715هـ إلى الخميس 27/ 9/ 715هـ، الثلاثاء 2/ 10/ 715هـ، الثلاثاء 16/ 10/ 715هـ، الخميس 18/ 10/ 715هـ، الخميس 25/ 10/ 715هـ، السبت 27/ 10/ 715هـ، الجمعة 10/ 11/ 715هـ، الاثنين 21/ 11/ 715هـ | 192ب-193أ، 193ب-194أ، 194ب، 195أ، 195ب |
| رباط السدرة | الأربعاء 26/ 9/ 715هـ | 193أ |
| جوف الكعبة المشرفة | الجمعة 28/ 9/ 715هـ | 193أ |
| حجر إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام- | الأحد 30/ 9/ 715هـ | 193أ |
| بيت خديجة أم المؤمنين | الاثنين 8/ 10/ 715هـ | 193ب |
| مولد النبي ﷺ | الاثنين 8/ 10/ 715هـ | 193ب |
| مولد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- | الاثنين 8/ 10/ 715هـ | 193ب |
| مختبأ النبي ﷺ من المشركين كفار قريش | الاثنين 8/ 10/ 715هـ | 193ب |
| دار الخيزران[4] | الاثنين 8/ 10/ 715هـ | 193ب |
| الحجون، تحت عقبة المعلا | الجمعة 12/ 10/ 715هـ | 193ب |
| تجاه الكعبة المشرفة، مما يلي باب الندوة | الجمعة 12/ 10/ 715هـ، الجمعة 10/ 11/ 715هـ | 193ب، 195أ |
| منزل [الشيخة] بدرب العجلة بمكة | الأربعاء 17/ 10/ 715هـ | 194أ |
| علو جبل أبي قبيس، ونحن ننظر الكعبةَ والمسجدَ الحرام | الخميس 18/ 10/ 715هـ | 194أ |
| مقام إبراهيم، أمام الكعبة | الأحد 4/ 12/ 715هـ | 195ب |
| الموقف الأعظم عرفات / الموقف الأعظم بعرفات المشرفة | يوم الجمعة عرفة 9/ 12/ 715هـ | 195ب، 196أ |
| منى | الاثنين 12/ 12/ 715هـ، الثلاثاء 13/ 12/ 715هـ | 196أ |
| خليص | الجمعة 16/ 12/ 715هـ | 196ب |
| رابغ، بين الحرمين | الأحد 18/ 12/ 715هـ | 196ب |
| بدر | الثلاثاء 20/ 12/ 715هـ | 196ب |
| قرية الصدر(؟)[5]، من وادي الصفراء | الأربعاء 21/ 12/ 715هـ | 196ب |
| ذي الحليفة، ميقات أهل المدينة | السبت 24/ 12/ 715هـ | 196ب |
| الروضة الشريفة، بين قبر رسول الله ﷺ ومنبره | السبت 24/ 12/ 715هـ | 196ب، 197أ |
| منزل [الشيخ] بالمدينة النبوية | السبت 24/ 12/ 715هـ، الاثنين 26/ 12/ 715هـ | 197أ، 197ب |
| مسجد رسول الله ﷺ / المسجد النبوي | السبت 24/ 12/ 715هـ، ليلة الأحد 25/ 12/ 715هـ، ليلة الاثنين 26/ 12/ 715هـ، الاثنين 26/ 12/ 715هـ، الثلاثاء 27/ 12/ 715هـ | 197أ، 197ب |
| مسجد قباء | الأحد 25/ 12/ 715هـ | 197أ |
| قبة العباس بالبقيع | الأحد 25/ 12/ 715هـ | 197أ |
| قبة عثمان بن عفان[6] | الأحد 25/ 12/ 715هـ | 197أ |
| هدية، من منازل الحاج | 1/1/ 716هـ | 197ب |
| العلا | الثلاثاء 5/ 1/ 716هـ، الأربعاء 6/ 1/ 716هـ | 197ب |
| ذات حجّ[7] | الجمعة 15/ 1/ 716هـ | 198أ |
[1] ساق البرزالي في تاريخه «المقتفي» (5/167، 171-172) خبر هذه التجريدة نقلًا عن ابن الواني نفسه، فذكر أنه كان فيها بعض الأمراء والجند والعرب نحو الثلاثمائة، ومعهم بعض الحجاج من أهل القاهرة والمغاربة وغيرهم، وكان غرض تجريدهم نصرة الشريف رميثة بن أبي نمي على أخيه حميضة في ولاية مكة. وانظر: «نزهة المالك والمملوك» (ص226)، «نهاية الأرب» (32/225)، «شفاء الغرام» (4/1911)، «إتحاف الورى» (3/153-154).
[2] أفادني أحد فضلاء المعتنين بتاريخ بيت المقدس أن «الثبت» انفرد بمسمًّى لموضعٍ في المسجد الأقصى، لم يعرف في غيره مع التتبُّع.
[3] في الأصل في موضعين: «شوال»، وهو سهو ظاهر، فقد سبقت عدَّة سماعاتٍ في ذي القعدة، ثم إن 23 شوال لا يوافق يوم الاثنين، ويوافقه 23 ذي القعدة.
[4] فرَّق ابن الواني بين هذا الموضع وسابقه.
[5] كذا في الأصل، مع ما يشبه النقطة فوق الصاد، وفوقها ما يبدو شيئًا ممحوًّا يمكن قراءته على بُعد: «لصفرا». ولم أتبيَّن هذه القرية على جهة الجزم، ويحتمل أنها «صُدَار» المذكورة في «الأنساب» (8/282) و«معجم البلدان» (3/397)، فقد مال السمهودي في «وفاء الوفا» (4/104) إلى أنها «الصدارة»، وهذه ذكر البلادي في «معجم معالم الحجاز» (5/992) أنها أعلى وادي الصفراء، وسميت «الصدارة» لأنها صدر الوادي، وتسمى اليوم «السدارة». ويحتمل أن الصواب: «الصفراء»، وهي القرية المسماة باسم الوادي، واسمها اليوم: «الواسطة».
[6] كتبها ابن الواني سهوًا: «عثمان بن عثمان».
[7] ضبطها ابن الواني بتشديد الجيم.

أضف تعليقًا