المواضع الحجازية في رحلتَي حج ابن الواني الدمشقي (ت 735هـ)

ما زال مُذ أقدم الأزمنة أذانُ الحج حاديًا يحدو أهلَ الاستسلام والطاعة، فيُقْدِمُهم راجلين وعلى ظهور الضوامر من كل فجٍّ عميق، ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله -جل في علاه-.

وإنَّ من أعظم المنافع في المناسك لَمنفعةَ العلم، وإنْ كان أهلُ العلم وطلابُه لَيستثمرون رحلة الحج غاية الاستثمار في التفقُّه في الدين، وسماع الحديث، وتعلية السند، ولقيا الأشياخ.

وكان أصحابُ الحديث -بأثَر اختصاصهم- مِن أتقن أولئك تقييدًا وضبطًا، وأكثرهم حرصًا على إثبات مسموعاتهم ومقروءاتهم، وذلك لمعرفتها وحصرها أولًا، ثم لتثبيت حقّهم في روايتها عن شيوخهم الذين تلقَّوها عنهم، حتى أضحتْ مُقيَّداتُهم مصدرًا زاخرًا بالتفاصيل العلمية والتاريخية، وأثْرَتْ أنواعًا من التآليف في فنِّهم وفي غير فنِّهم، كتراجم الرجال، ومعاجم الشيوخ، وفهرسات الكتب، وكتب الرحلات، وموسوعات البلدان والخطط.

لقد كان مِن أشهر وسائل المحدثين في ضبط مروياتهم ما عرفوه بـ«الأثبات»، والثَّبَت في جوهره أشبهُ بدفترِ سجلَّاتٍ خاص، أو بمسوَّدات تأسيسية، وليس هو بمصنَّفٍ مرتَّبٍ مُعَدٍّ للنشر، وفيه يقيِّد صاحبُه -أو يُقَيَّدُ له- ما سمع وما قرأ مجلسًا مجلسًا، محقِّقًا وقتَ ذلك زمانًا، وموضِعَه مكانًا، وقد يزيد بذكر الحضور أو بعضِهم أحيانًا، ويلتزم التقييدَ غالبًا بُعَيْد كل مجلسٍ، أو في مدةٍ قصيرةٍ لا تتجاوز أيامًا على الأكثر.

وإذن، فيمكن لنا أن نَعُدَّ تلك «الأثبات» وثائقَ تاريخيةً ناطقة، تنقل صورةً مباشرةً أو شبهَ مباشرةٍ عن:

  • (ما) وقع في مجلس الرواية من القراءة والسماع.
  • و(من) شهد ذلك المجلس من الشيخ والقرَّاء والسامعين.
  • و(أين) و(متى) عُقد المجلس بدقة.

إذ إن هذه المعلوماتِ تُكتَب غالبًا قُرب وقت الحدث كما سلف.


عُرف مِن أعيان المحدِّثين الدمشقيين أوائلَ القرن الثامن الهجري، الشيخ المحدِّث أمين الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد الواني الحنفي (684-735هـ)، الذي كان إلى جانب عمله مؤذنًا بالجامع الأموي في دمشق، مِن أبرز مرتادي مجالس السماع والرواية وقُرَّائها، ومن المعتنين بضبطها وتقييدها، قال فيه صاحبُه الذهبي -وهو أكبر منه بإحدى عشرة سنة-: «كان من أنبَهِ الطلبة، وأجودهم نقلًا»، وقال: «وله عملٌ كثيرٌ في هذا الشأن، وكتابةٌ وتخاريج»، ووصفه بـ«الفقيه المحدث، المفيد الرحال، شرف المحدثين».

وقد سمع ابن الواني الحديث في صغره، ثم طلبه بنفسه من بلوغه السادسةَ عشرة (700هـ) إلى أوقاتٍ متأخرةٍ من حياته، وكانت له «أثباتٌ» حافلةٌ تدلُّ على ما قاله الذهبيُّ من نباهته وجودة نقله وضبطه.

وصل إلينا من هذه الأثبات مجلدٌ واحد، كتب عنوانَه صاحبُه الذهبيُّ نفسُه، وهو يغطي مسموعاتِ ابن الواني فيما بين أول سنة 705هـ، إلى أثناء سنة 716هـ، وقد تخلَّلت هذه السنواتِ رحلاتُه المتعددةُ من دمشق إلى شمالها (حمص، حماة، حلب) وغربها (بعلبك، القدس، الخليل)، وإلى مصر وما في طريقها، كما تضمَّن هذا المجلدُ مسموعاتِه في الرحلة إلى بيت الله الحرام.

رحل ابن الواني في سبيل الحج رحلتين:

الأولى: حَجَّة الإسلام عام 705هـ، وكان يومئذٍ في الحادية والعشرين من عُمره، وقد خرج فيها مع الركب الشامي في طريقهم المعروف جنوبًا، مرورًا بالمدينة المنورة، وعاد على طريقهم كذلك.

الثانية: حَجَّة عام 715هـ، وهي حَجَّةٌ خرج فيها مبكرًا من دمشق في 28 جمادى الأولى قاصدًا مصر، ثم توجَّه مبكرًا أيضًا رفقةَ عسكرٍ مجرَّدٍ غادر القاهرةَ مستهلَّ شعبان من تلك السنة، وسلك فيها معهم طريق الساحل برًّا[1]، إلا أنه عاد على درب الركب الشامي.

ومن الملحوظ أن مسموعاتِ ابن الواني في حَجَّته الأولى كانت محدودةً بالنسبة إلى نظيراتها في الحَجَّة الثانية، خصوصًا وقد مكث في الثانية قبل موسم الحج مدةً طويلة، إذ دخل مكةَ منتصف شهر رمضان، واتصلت سماعاتُه فيها حتى عودته.

وقد كان ابن الواني في هذه التقييدات -كما عُرف عنه- ضابطًا مجوِّدًا، وكان أحرصَ ما يكون على ضبط ظرف السماع إلى جانب ضبط السماع، فكان يقيد اليوم والتاريخ والمكان بالتفصيل، وصار «ثبته» بسبب ذلك مصدرًا أصيلًا ومبكرًا نسبيًّا لذكر جملةٍ من المراحل التي يتوقَّف فيها ركب الحج، وللمُدَد التي يتطلَّبها قطعُ الطريق فيما بينها، وللمواضع المكية والمدنية التي كانت تُعقد فيها مجالس العلم، بل للمواضع المشابهة في كافة البلدان التي دخلها[2]، فضلًا عمَّا في ذلك من توضيح نهمة طلبة الحديث وهمَّتهم، وقراءتهم على الشيوخ حتى في أيام السفر المرهقة، وفي أثناء أداء المناسك في الأيام الفاضلة والمشاعر الشريفة.

ولإبراز نموذجٍ للإثراء التاريخي والجغرافي من التراث الحديثي، وسُهْمةً في المجال البُلداني في وطن التراث والتاريخ المملكة العربية السعودية، وخصوصًا في المنطقتين الغربية والشمالية الغربية منه، فقد استخرجتُ ما ورد في «ثبت ابن الواني» من المواضع الحجازية، وأثبتُّها كما وردت بنص صاحب الثبت، ورتَّبتُها في صيغةٍ مجدولةٍ بحسب تواريخ المجالس المعقودة فيها، دون أن أكرِّر الموضعَ إن تكرَّر السماعُ فيه، وإنما أذكر جميعَ التواريخ في خانةٍ واحدة، مع بيان رقم الورقة من الأصل الخطي في جميع ذلك.

والله ولي التوفيق.

الموضع
(نص ابن الواني)
التاريخالورقة
ذات حجالخميس 5/ 11/ 705هـ29ب، 31أ
تبوكالأحد 8/ 11/ 705هـ29ب، 31أ
العلاالأحد 15/ 11/ 705هـ31أ
هديةليلة الجمعة 20/ 11/ 705هـ31أ
حرم رسول الله ﷺ / الحرم الشريف بطيبةالاثنين 23/ 11[3]/ 705هـ30أ
تجاه الكعبة المعظمةالاثنين 7/ 12/ 705هـ30أ
مسجد الخيف بمنىالجمعة 11/ 12/ 705هـ30أ، 30ب
منىالسبت 12/ 12/ 705هـ – بعض أيام التشريق 705هـ30ب
باب الصفاليلة الاثنين 14/ 12/ 705هـ30ب
الحرم الشريفالاثنين 14/ 12/ 705هـ30ب
منزل [الشيخ]، والحرمالاثنين 14/ 12/ 705هـ31أ
الموضع
(نص ابن الواني)
التاريخالورقة
أيلة، على شاطئ البحر الملحالخميس 14/ 8/ 715هـ192ب
الينبعالجمعة 7/ 9/ 715هـ192ب
بطن مر الظهران من وادي الجمومالجمعة 14/ 9/ 715هـ192ب
مكة [دخولها]بكرة السبت 15/ 9/ 715هـ192ب
المسجد الحرام، تجاه الكعبة المشرفةالجمعة 21/ 9/ 715هـ، الجمعة 5/ 10/ 715هـ، الجمعة 19/ 10/ 715هـ، الجمعة 26/ 10/ 715هـ، الجمعة 3/ 11/ 715هـ، الثلاثاء 29/ 11/ 715هـ192ب، 193أ، 194ب، 195أ، 195ب
منزل [الشيخ] بمكةالأحد 23/ 9/ 715هـ إلى الخميس 27/ 9/ 715هـ، الثلاثاء 2/ 10/ 715هـ، الثلاثاء 16/ 10/ 715هـ، الخميس 18/ 10/ 715هـ، الخميس 25/ 10/ 715هـ، السبت 27/ 10/ 715هـ، الجمعة 10/ 11/ 715هـ، الاثنين 21/ 11/ 715هـ192ب-193أ، 193ب-194أ، 194ب، 195أ، 195ب
رباط السدرةالأربعاء 26/ 9/ 715هـ193أ
جوف الكعبة المشرفةالجمعة 28/ 9/ 715هـ193أ
حجر إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-الأحد 30/ 9/ 715هـ193أ
بيت خديجة أم المؤمنينالاثنين 8/ 10/ 715هـ193ب
مولد النبي ﷺالاثنين 8/ 10/ 715هـ193ب
مولد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-الاثنين 8/ 10/ 715هـ193ب
مختبأ النبي ﷺ من المشركين كفار قريشالاثنين 8/ 10/ 715هـ193ب
دار الخيزران[4]الاثنين 8/ 10/ 715هـ193ب
الحجون، تحت عقبة المعلاالجمعة 12/ 10/ 715هـ193ب
تجاه الكعبة المشرفة، مما يلي باب الندوةالجمعة 12/ 10/ 715هـ، الجمعة 10/ 11/ 715هـ193ب، 195أ
منزل [الشيخة] بدرب العجلة بمكةالأربعاء 17/ 10/ 715هـ194أ
علو جبل أبي قبيس، ونحن ننظر الكعبةَ والمسجدَ الحرامالخميس 18/ 10/ 715هـ194أ
مقام إبراهيم، أمام الكعبةالأحد 4/ 12/ 715هـ195ب
الموقف الأعظم عرفات / الموقف الأعظم بعرفات المشرفةيوم الجمعة عرفة 9/ 12/ 715هـ195ب، 196أ
منىالاثنين 12/ 12/ 715هـ، الثلاثاء 13/ 12/ 715هـ196أ
خليصالجمعة 16/ 12/ 715هـ196ب
رابغ، بين الحرمينالأحد 18/ 12/ 715هـ196ب
بدرالثلاثاء 20/ 12/ 715هـ196ب
قرية الصدر(؟)[5]، من وادي الصفراءالأربعاء 21/ 12/ 715هـ196ب
ذي الحليفة، ميقات أهل المدينةالسبت 24/ 12/ 715هـ196ب
الروضة الشريفة، بين قبر رسول الله ﷺ ومنبرهالسبت 24/ 12/ 715هـ196ب، 197أ
منزل [الشيخ] بالمدينة النبويةالسبت 24/ 12/ 715هـ، الاثنين 26/ 12/ 715هـ197أ، 197ب
مسجد رسول الله ﷺ / المسجد النبويالسبت 24/ 12/ 715هـ، ليلة الأحد 25/ 12/ 715هـ، ليلة الاثنين 26/ 12/ 715هـ، الاثنين 26/ 12/ 715هـ، الثلاثاء 27/ 12/ 715هـ197أ، 197ب
مسجد قباءالأحد 25/ 12/ 715هـ197أ
قبة العباس بالبقيعالأحد 25/ 12/ 715هـ197أ
قبة عثمان بن عفان[6]الأحد 25/ 12/ 715هـ197أ
هدية، من منازل الحاج1/1/ 716هـ197ب
العلاالثلاثاء 5/ 1/ 716هـ، الأربعاء 6/ 1/ 716هـ197ب
ذات حجّ[7]الجمعة 15/ 1/ 716هـ198أ

[1] ساق البرزالي في تاريخه «المقتفي» (5/167، 171-172) خبر هذه التجريدة نقلًا عن ابن الواني نفسه، فذكر أنه كان فيها بعض الأمراء والجند والعرب نحو الثلاثمائة، ومعهم بعض الحجاج من أهل القاهرة والمغاربة وغيرهم، وكان غرض تجريدهم نصرة الشريف رميثة بن أبي نمي على أخيه حميضة في ولاية مكة. وانظر: «نزهة المالك والمملوك» (ص226)، «نهاية الأرب» (32/225)، «شفاء الغرام» (4/1911)، «إتحاف الورى» (3/153-154).

[2] أفادني أحد فضلاء المعتنين بتاريخ بيت المقدس أن «الثبت» انفرد بمسمًّى لموضعٍ في المسجد الأقصى، لم يعرف في غيره مع التتبُّع.

[3] في الأصل في موضعين: «شوال»، وهو سهو ظاهر، فقد سبقت عدَّة سماعاتٍ في ذي القعدة، ثم إن 23 شوال لا يوافق يوم الاثنين، ويوافقه 23 ذي القعدة.

[4] فرَّق ابن الواني بين هذا الموضع وسابقه.

[5] كذا في الأصل، مع ما يشبه النقطة فوق الصاد، وفوقها ما يبدو شيئًا ممحوًّا يمكن قراءته على بُعد: «لصفرا». ولم أتبيَّن هذه القرية على جهة الجزم، ويحتمل أنها «صُدَار» المذكورة في «الأنساب» (8/282) و«معجم البلدان» (3/397)، فقد مال السمهودي في «وفاء الوفا» (4/104) إلى أنها «الصدارة»، وهذه ذكر البلادي في «معجم معالم الحجاز» (5/992) أنها أعلى وادي الصفراء، وسميت «الصدارة» لأنها صدر الوادي، وتسمى اليوم «السدارة». ويحتمل أن الصواب: «الصفراء»، وهي القرية المسماة باسم الوادي، واسمها اليوم: «الواسطة».

[6] كتبها ابن الواني سهوًا: «عثمان بن عثمان».

[7] ضبطها ابن الواني بتشديد الجيم.



أضف تعليقًا

اكتشاف المزيد من د. محمد بن عبدالله السريع

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة