من آثار تعيين رواة الأسانيد

روى عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن عبدالله بن عباس، أن الناسَ في أول ما كان الحج كانوا يتبايعون بمنى، وبعرفة، وبسوق ذي المجاز، وبمواسم الحج، فخافوا البيعَ وهم حُرُم، فأنزل الله -عز وجل-: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ في مواسم الحج.
قال: فحدثني عُبَيد بن عُمَير، أنه كان يقرؤها كذلك.

وهذا الحديث يدور على عطاء بن أبي رباح، وقد رواه عنه غيرُ واحد، هُم: ابن أبي ذئب، وحجاج بن أرطاة، وطلحة بن عمرو، وابن جريج. واختلفوا عن عطاء في سياقِهِ إسنادًا ومتنًا.

واختَلَف أصحابُ ابن أبي ذئب عنه:

فما سبق هو -في الجملة- رواية: حماد بن مسعدة، وأبي بكر الحنفي، وآدم بن أبي إياس، وعباد بن صهيب.

وخالفهم ابن أبي فديك، فرواه عن ابن أبي ذئب عن عبيد بن عمير -مباشرةً-، مُسقِطًا منه عطاءً، وروايته عند أبي داود في السنن (1735)، وابنه في المصاحف (193)، كلاهما عن أحمد بن صالح المصري عنه.

ودوران طرق الحديث الأخرى -على اختلافها- على عطاء يؤكد أنَّه هو مخرج الحديث، وأنَّ رواية ابن أبي فديك غير محفوظة، بل هي وهمٌ منه، أو تقصيرٌ من ابن أبي ذئب، وأنَّ الصوابَ روايتُه عن عطاء عن عبيد بن عمير، لا عن ابن أبي ذئب عن عبيد.

إلا أن ابن أبي فديك قال في آخر الحديث: «قال ابن أبي ذئب: فحدثني عبيدٌ أنه كان يقرؤها في المصحف»، فجعله من حديث ابن أبي ذئب عن عبيد بن عمير، مباشرةً، وأكد ذلك بصيغة السماع: «حدثني».

وإذْ لم يدرك ابنُ أبي ذئبٍ عبيدَ بنَ عمير الليثي -وهو الراوي المشهور الذي ينصرف إليه إطلاق «عبيد بن عمير»-، فقد أشكل هذا التصريحُ بسماعه منه على بعض العلماء، فأجابوا بأن عبيد بن عميرٍ هذا رجلٌ آخرُ غيرُ الليثي:

قال الحافظ أحمد بن صالح المصري -راوي الحديث عن ابن أبي فديك-: «هذا عبيد بن عمير: مولى أم الفضل، هم ثلاثة إخوة: عمر، وعبدالله، وعبيد. عمر وعبدالله روى عنهما القاسم بن عباس»[1].

وتابع أحمدَ بنَ صالح في ذلك تلميذُه: أبو بكر بن أبي داود، فقال: «ليس هو عبيد بن عمير الليثي، هذا هو عبيد بن عمير: مولى أم الفضل، ويقال: مولى ابن عباس»[2].

وترجم الخطيب البغدادي في المتفق والمفترق لعبيد بن عمير الليثي، ثم لعبيد بن عمير -مولى بني هاشم-، واستند في افتراقهما على هذا الحديث، وأخرجه في ترجمة الثاني من طريق ابن أبي داود، ونقل كلامه[3].

وقال المزي: «ويؤيد قولَ أحمد بن صالح ومَن تبعه: إنه ليس بعبيد بن عمير الليثي؛ قولُه في الحديث: «­قال ابن أبي ذئب: فحدثني عبيد…»، فإن ابنَ أبي ذئب لم يدرك عبيدَ بن عمير الليثي»[4].

والواقع أن نظرةً في اختلاف الرواة عن ابن أبي ذئب توضِّح بجلاءٍ أن الحديث إنما هو حديث عطاء عن عبيد بن عمير، وأن ابن أبي ذئب أحدُ رواته عن عطاء، وقد قَصَّر في رواية ابن أبي فديك -فقط- فأسقَطَ عطاءً، أو وَهِمَ عليه ابنُ أبي فديك في ذلك، ثم وَهِمَ عليه أيضًا في تسمية قائل: «فحدثني عبيد»، فإن عبادَ بن صهيب، وحمادَ بن مسعدة، وآدمَ بن أبي إياس، ثلاثتَهم ساقوا العبارةَ عن ابن أبي ذئب، فقالوا: «قال: فحدثني عبيد»، بلا تعيين قائل، ولم يقل أيٌّ منهم -كما قال ابن أبي فديك-: «قال ابن أبي ذئب».

وعليه، فيكون قائلُ ذلك: عطاءَ بنَ أبي رباح، لأنه هو مَخْرَجُ الحديث عن عبيد، قال مغلطاي: «فهذا كالتصريح بأن قائلَ ذلك هو عطاء، بغير شكٍّ ولا مرية»[5].

ولذا ناقش ابنُ عساكر قولَ أحمد بن صالح، فقال: «المحفوظ رواية عطاء، عن عبيد بن عمير الليثي المكي، فأما عبيد بن عمير -مولى ابن عباس-، فغير مشهور. ولم يُدرك ابنُ أبي ذئب عبيدَ بنَ عمير الليثي. فلعلهما اثنان رويا الحديث -إن صحَّ قولُ ابن صالح-»[6].

ولا يخفى ما في كلام ابن عساكر من تشكُّكٍ في صحَّة قول أحمد بن صالح، وما في الاحتمال الذي احتمله من أن اثنين باسمٍ واحدٍ رويا الحديث من بُعدٍ وتكلُّف[7].

ويؤيد قولَ ابن عساكر: «فأما عبيد بن عمير -مولى ابن عباس- فغير مشهور» أني لم أجد عنه روايةً في غير هذا الحديث، ولم أجد من ترجم له أو ذكره قبل أحمد بن صالح، وإنما المعروف عبدالله بن عمير، وقد أخرج له مسلم في صحيحه[8]، وبه كان أبوه عميرٌ يُكنى[9].

ومع نَصرِ المزي للقول بأن عبيد بن عمير هو مولى ابن عباس -أو أم الفضل-، فقد قال: «ويحتمل أن يكون ابنُ أبي فديك وَهِم في إسقاطِهِ عطاءً من الإسناد»، ولم يُجِب عن هذا الاحتمال القوي، بل اكتفى بأن «القول الأول أولى وأقوى»[10]، ولا شكَّ أن هذا الاحتمال -من واقع أسانيد الحديث- هو الأولى والأقوى، ولو سُلِّم بأن إسقاط عطاءٍ لم يكن وهمًا من ابن أبي فديك، فنسبتُهُ عبارةَ: «فحدثني عبيد» إلى ابن أبي ذئب وهمٌ محقَّق، سببُه سقوطُ عطاءٍ في روايته.

ومما قد يشير إلى رأي الإمام أبي داود في هذه العبارة من حديث ابن أبي فديك: أنه اختصر متنه في السنن، وأحال إلى متن حماد بن مسعدة، فقال: «أن الناس في أول ما كان الحج كانوا يبيعون…، فذكر معناه إلى قوله: «مواسم الحج»». وتنبيهه الأخير في غاية الدقة، فإنه بقي من المتن عبارة: «قال ابن أبي ذئب: فحدثني عبيد…»، ولكن أبا داود حذفها من رواية ابن أبي فديك، وأوقف سياقه عند ما قبلها، هذا مع أنه وقف عليها -جزمًا-، إذ روى هو وابنُه حديثَ ابن أبي فديك عن شيخٍ واحد، وسماعهما -على الأغلب- سماعٌ واحد، وقد ساق ابنُه العبارةَ في روايته.

وعلى ذلك، فعبيد بن عمير في رواية ابن أبي ذئب شيخٌ لعطاء بن أبي رباح لا غير، وهو عبيد بن عمير الليثي المكي.


[1] تهذيب الكمال (15/384، 19/226) -وهكذا وقع في الموضعين: «عمر»، وروايته أخرجها أبو داود (3161) عن أحمد بن صالح، وفيها: «عمرو»-، وقد اختصر أبو داود ما نقله المزي عن أحمد بن صالح في موضع تخريجه لهذا الحديث، فقال عند ذكر عبيد بن عمير: «قال أحمدُ بنُ صالح كلامًا معناه أنه مولى ابن عباس».

[2] المصاحف (ص343).

[3] المتفق والمفترق (3/1585).

[4] تهذيب الكمال (19/227).

[5] إكمال تهذيب الكمال (9/98).

[6] الإشراف على معرفة الأطراف [1/196أ].

[7] وقد ذهب المزي في تهذيب الكمال (19/227) إلى هذا الاحتمال، قال: «فإن عبيد بن عمير الذي روى عنه عطاءٌ هو الليثي، ولم يدركه ابن أبي ذئب، والذي روى عنه ابنُ أبي ذئب مشافهةً آخر، والحديث عند ابن أبي ذئب بالإسنادين جميعًا، ولفظ الروايتين يختلف كما أن إسنادهما مختلف». وفي استناده إلى اختلاف اللفظين نظر، لأنه اختلافٌ يسيرٌ لا يقتضي تغايُرَ الراوي.

[8] تهذيب الكمال (15/384).

[9] المصدر نفسه (22/381).

[10] المصدر نفسه (19/227).



أضف تعليقًا

اكتشاف المزيد من د. محمد بن عبدالله السريع

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة