معلومٌ أن الحافظ الذهبي (673-748هـ) -رحمه الله- وضع ذيلًا على كتابه «العبر»، إذْ كان فرغ أواخرَ سنة 715هـ من تأليف الكتاب الأصل؛ انتهاءً بآخر حوادث سنة 700هـ، ثم إنه ذيَّل عليه لاحقًا إلى آخر حوادث سنة 740هـ.
وهذا الذيلُ مشهورٌ متداول، وقد نصَّ القدماءُ على حاله وضعًا وأولًا وآخرًا، وتناولوه نَسْخًا ومطالعةً ونقلًا، ثم ذيَّل عليه من حوادث سنة 741هـ فصاعدًا الحافظان: شمس الدين الحسيني (ت765هـ) -أحد تلامذة الذهبي-، وزين الدين العراقي (ت 806هـ)، وغيرُهما، بل صرَّح العراقيُّ بأنه وقع له ذلك الذيلُ بخط الذهبي نفسِه[1]، وتجوَّز بعضهم فأطلق اسم «العبر» على الأصل وذيله معًا، وكل ذلك يُثبت نسبةَ «الذيل» إلى الذهبي بلا تردد[2].
إلا أنه لَفَتَ الأنظارَ قبل سنوات وجود ترجمتَين منقولتَين عن كتابٍ للذهبي مرتَّبٍ على السنين، وهما ترجمتا الشيخ الفقيه أحمد ابن جبارة المرداوي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وذلك في وفيات سنة 728هـ. نقل هاتين الترجمتين الشيخُ شهاب الدين أحمد بن محمد ابن المهندس الحنبلي المقدسي (744-803هـ)[3] على ظهر نسخةٍ من كتاب «الاجتماع والافتراق في مسائل الأيمان والطلاق» لابن تيمية، وصرَّح بنسبتهما إلى الذهبي قائلًا في مُفتتح نقله: «قال الذهبي -رحمه الله- في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة:…»، بل صرَّح بأنه نقلهما عن خط الذهبي قائلًا في المختَتَم: «نقـ[ـلـ]ـه من خط مصنفه…»[4].
وليست هاتان الترجمتان بهذا النص في أيٍّ من كتب الذهبي المعروفة على هذا النمط.

ثم لَفَتَ نظري -وقلَّبتُ نُسَخَ «العبر» الخطية- أن منه نسخةً تستمرُّ مادَّةُ الكتاب فيها بعد حوادث سنة 700هـ دون فصلٍ ولا انقطاع، وذلك إلى آخر سنة 730هـ، وهي نسخةٌ مكّيةٌ قديمة، مؤرَّخة في 18 شوال، سنة 758هـ، أي بعد وفاة الذهبي بعشر سنواتٍ فقط.

وبمقابلة مادَّة هذا التذييل (701-730هـ) بـ«ذيل» الذهبي المعروف (701-740هـ)، اتَّضح جليًّا أن المحتوى غيرُ متطابق، وأننا أمام نصوصٍ جديدةٍ وُصِلَت بكتاب «العبر» للذهبي في نسخةٍ متقدِّمةٍ منه، وأن ترجمتي ابن جبارة وابن تيمية المذكورتين آنفًا إنما نُقلتا عن هذا «الذيل» الجديد.
ومن الملحوظ أن ناسخ هذا «الذيل» قيَّد خاتمتَه في وسط وجه الورقة الأخيرة، إلا أنه حصل بعده قطعٌ متعمَّدٌ -فيما يبدو- للورقة، ثم رُقعت بورقةٍ فارغةٍ كُتبت عليها عبارةٌ توهم انتهاء الكتاب، لكنَّ ظهرَ الورقة كشف أن الناسخَ لم يكتفِ بكتابة التذييل المذكور (701-730هـ)، بل عاد إلى «ذيل» الذهبي المعروف (701-740هـ)، فشرع في نَسخِه مباشرةً، وبقي منه في ظهر الورقة قطعةٌ صغيرةٌ تتضمَّن شيئًا من وفيات السنة الأولى[5].

إضافةً إلى ما سبق، فقد وقفتُ من المجلد الثاني من «العبر» على نسخةٍ قيّمة، حرَّرها بخطه الشيخ البحَّاثة شهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن خليفة ابن الحسباني (٧٤٩-٨١٥هـ)، ونقل عقب وفيات سنة 700هـ قيدَ فراغ الذهبي من الكتاب، ثم كتب بعده:
«قال كاتبه أحمد ابن الحسباني: وقفتُ على ذيلَين كبيرٍ وصغير، فالصغير إلى آخر سنة ثلاثين وسبعمائة، والكبير إلى آخر سنة أربعين وسبعمائة، فأضفتُهما معًا، وجعلتُهما ذيلًا واحدًا، وأسقطـ[ـتُ] ما تداخَلَ منهما، وذكرتُ مقصودَ الذيلين، لا أُخِلُّ من ذلك بشيء…».

وسرعان ما اتَّضح أنه يقصد بـ«الذيل الصغير»: ذلك التذييلَ الجديدَ (701-730هـ) الذي وقفتُ عليه في النسخة المذكورة أعلاه، وأما «الذيل الكبير» فهو الذيل المعروف المنشور (701-740هـ).
وكما وعد ابن الحسباني صنع، فقد كَثُرت في الورقات التالية إلحاقاتُه وتتميماتُه، واجتهد في تنفيذ الخطَّة العلمية التي رسمها، وكان ربما أعياه الإدماج أحيانًا، فكتب عبارة أحد الذيلين متنًا، وعلَّق عبارةَ الآخر حاشيةً مصدَّرةً بنحو: «وقال في الذيل الآخر»، أو: «وقال في الذيل الصغير»، أو: «وقال في الذيل الكبير».

ومع أن عمل ابن الحسباني يفيد -صراحةً وضمنًا- نسبةَ الذيلين إلى الذهبي، فقد نقل في نهايتهما تصريحًا آخَر بذلك، فقيَّد في حاشيةٍ بآخِر النسخة:
«وجدتُ في آخِر الذيلين ما صورته: “قرأتُ الذيلين، كلاهما تأليف الحافظ أبي عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، في مجالس آخرها ثامن ذي الحجة، سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. وكتب: حمزة بن عمر بن أحمد الهكاري”. نقلته مختصرًا، وكتب: أحمد ابن الحسباني الشافعي».

ولم يتبيَّن، نظرًا لاختصار هذا القيد، هل كانت القراءةُ على الذهبي نفسِه، أم كانت قراءةَ مطالعةٍ فحسب، علمًا بأن حمزة الهكاري من تلامذة الذهبي، وقد دلَّتنا الطباق والنُّسَخ المتعددة على أنه نشط في مجالسه العلمية سماعًا وقراءةً خلال سنتَي 742-743هـ، وهي تواريخُ مقاربةٌ لتاريخ قراءة الذيلين المثبت أعلاه[6].
ثم أخيرًا يظهر أنه وقعت للحافظ السيوطي نسخةٌ من «الذيل الصغير»، فقد رأيتُه نقل نصوصًا هي فيه حصرًا دون «الكبير» المعروف، ونَسَبها صراحةً إلى الذهبي في «العبر» -على التجوُّز في إدماج الذيل بالأصل-، كما في «حسن المحاضرة» (1/422، 2/301)، و«الحاوي» (1/146).
تلك كانت القراءةَ الخارجيةَ لتوثيق نسبة النص، وهي المتعلقةُ بهيئةِ وصوله إلينا، وصفةِ نقل الناقلين عنه، ونسبةِ الناسبين إياه.
وقد تبيَّن إذن أن «الذيل الصغير» وصل إلينا متَّصلًا بأصل «العبر» دون فصلٍ في نسخةٍ، ووصل إلينا أيضًا ممزوجًا بـ«الذيل الكبير» في نسخةٍ أخرى، وقد نسبَهُ إلى الذهبي: حمزة الهكاري -تلميذه-، وابن المهندس -بنقل نصَّين منه عن خطه-، وابن الحسباني، ثم نَقَل السيوطيُّ نصوصًا منه باعتبارها من «عِبَر» الذهبي.
إلا أن هذه القراءة لا تغني عن النقد الداخلي، الذي يتضمَّن فحصَ النص وتتبُّعَه تتبُّعًا دقيقًا، للتحقُّق من وجود أية إشاراتٍ أو قرائن تؤكد تلك النسبة أو تنفيها.
وقد قرأتُ «الذيل الصغير» قراءةً متأمِّلةً مُقارِنة، وخلصتُ منها إلى ما يلي:
أولًا:
جاء سياقُ الحوادث والوفيات من أول الذيل سنة 701هـ إلى آخر سنة 715هـ مطابقًا لما يقابلها من كتاب «دول الإسلام» للحافظ الذهبي نفسِه، وليس فيها اختلافٌ سوى في زيادةِ بعض العبارات، وزيادةِ أحداثٍ ووفياتٍ يسيرة، هي:
- 704هـ: «وفي سادس عشر جمادى الأولى، عُقد مجلس لنجم الدين ابن خلكان، وانفصل على أن كلامه من السوداء»، وهذا ملخَّصٌ من كلام البرزالي في «المقتفي لتاريخ أبي شامة» (4/186).
- 711هـ: «وفيها: الشيخ موسى الشرواني، الملقن قبالة باب الخطابة الجامع(؟)، وكان صالحًا مباركًا حسن البشر… -رحمه الله-، وفيها: توفي الشيخ القدوة شمس الدين محمد الدباهي البغدادي، وكان سيدًا من السادات، له كلام حسن في التصوف -رحمه الله-»، وهاتان الترجمتان ملخَّصتان من البرزالي (4/459-460، 467).
- 713هـ: «وفيها: توفي الشيخ المقرئ المجيد تقي الدين أبو بكر المعروف بالمقصاتي، ناب في الإمامة والخطابة بجامع دمشق، وكان رجلًا صالحًا، جاوز الثمانين -رحمه الله-»، وهو ملخَّص من البرزالي (5/66).
- 715هـ: «وفي ثاني جمادى توفي الفقيه ناصر الدين ابن العلاني الحراني الحنبلي، جاوز الخمسين -رحمه الله-. وفي سادس جمادى الآخرة توفي بهاء الدين عبد السيد، [ديان] اليهود، الطبيب، وكان قد أسلم هو وأولاده وحسن إسلامه»، وهو ملخَّص من البرزالي (5/161) سوى قوله: «هو وأولاده».
ثانيًا:
توجد في السنوات اللاحقة (716-730هـ) من «الذيل» عباراتٌ تَنسِب الفعلَ إلى المؤلف، وهي كما يلي:
- 717هـ: «وبلغنا بعد ذلك أن سوتاي مسك الحرامية…»، وهذه عبارة البرزالي في «المقتفي» (5/281) ملخَّصةً.
- 718هـ: «ولما قدم علينا الشيخ تاج الدين الأفضلي التبريزي…»، وهي عبارة البرزالي كذلك (5/310) ملخَّصةً.
- 720هـ: «بلغنا أنه وصل إليهم من خزائن دمشق…»، ولم أقف على صاحب هذه العبارة.
- 720هـ: «فلما ورد الشيخ محمد المالقي من الحج سألناه عن ذلك…، كتب لنا بخطه…»، وهي عبارة البرزالي كذلك (5/452) ملخَّصةً.
- 721هـ: «ونقلتُ من خط بدر الدين ابن العزازي»، وهي عبارة البرزالي ملخَّصةً، وقد نقلها ابن حجة في «ثمرات الأوراق» (2/207) عن الصفدي عن البرزالي، وإن نقلها السيوطي في «حسن المحاضرة» (2/301) عن الذهبي في «العبر» -كما مرَّ التنبيه عليه-.
- 726هـ: «نقلتُ ذلك من فوائد عفيف الدين ابن المطري»، ولم أقف على هذه العبارة لأحد، لكنَّ للبرزالي نقولًا معروفة عن كتبٍ كتبها إليه المطري -كما في «شفاء الغرام» (1/451، 2/297، 329) و«العقد الثمين» (2/222، 390، 3/153، 207، 4/437) و«ذيل التقييد» (1/143) كلها للتقي الفاسي-، أما الذهبي فنقل مرارًا عن المطري سماعًا.
- 728هـ، في ترجمة ابن تيمية: «وجدتُ بخط الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني»، وهي عبارة البرزالي -كما في «العقود الدرية» (ص448) و«البداية والنهاية» (18/298)-، وللذهبي نحوها بلفظ «قرأتُ» في «معجم شيوخه» -كما في «ذيل طبقات الحنابلة» (4/496-498)- وفي «الدرة اليتيمية» (ص312/ضمن الجامع).
ثالثًا:
وقع فيما بعد المنقول عن «دول الإسلام» قضيةٌ جرت للذهبي نفسه، إذْ جاء في أول حوادث سنة 719هـ: «وفيه(؟): باشر الإمام شمس الدين الذهبي مشيخة الحديث بالتربة الصالحية، عوضًا عن الشريشي»، وهي عبارة البرزالي (5/344) ملخصةً، لكن البرزالي جعلها آخر السنة الماضية 718هـ.
وكذلك جاء في حوادث السنة نفسِها: «وفيه باشر الشيخ جمال الدين المزي -شيخنا- مشيخة دار الحديث الأشرفية»، وهذا ذكره البرزالي (5/346) دون كلمة «شيخنا»، وذكره معها ابن كثير في «البداية والنهاية» (18/181)، لكنهما ذكراه في آخر السنة الماضية 718هـ أيضًا.
وقد اتَّضح لي أن ثمة خطأً في موضع عنوان «سنة تسع عشرة وسبعمائة» من هذا «الذيل»، وأن محلَّه بعد ذكر مباشرة المزي الأشرفية.
وكما هو ملاحظ، فإن النقل عن البرزالي غالبٌ جدًّا في هذا «الذيل»، سواء فيما زاده على المنقول من «دول الإسلام» (701-715هـ)، أو في النصوص المنسوبة إلى المؤلف فيما بعد ذلك (716-730هـ).
ولأجل ذلك، فقد تتبَّعتُ الأحداثَ والوفياتِ المقيَّدةَ في الذيل واحدًا واحدًا، وقابلتُها بما يوافقها في الموجود من «المقتفي» للبرزالي، وهو مقدار خمس سنوات (716-720هـ)، فتبيَّن لي أن هذه السنوات بأسرها عبارة عن منتقًى ملخَّصٍ من «المقتفي»، وأن كل ما ذُكر فيها موجودٌ على التوسُّع والتفصيل في كتاب البرزالي، ولا يزيد هذا الذيل على البرزالي شيئًا يُذكر البتة، سوى عبارةٍ وردت في إحدى حوادث سنة 720هـ، حكاها البرزاليُّ بتفاصيلها في «المقتفي» (5/442-443) عدا قوله هنا: «وكان السلطان أحسن إليهم، ورسم لهم بأموال كثيرة، بلغنا أنه وصل إليهم من خزائن دمشق ألف ألف درهم، وخمسمائة ألف درهم»، ولعلها عبارةٌ كانت في بعض نسخ «المقتفي» دون بعض.
ثم نظرتُ في بعض منقولات المؤرخين عن القسم الغائب من «المقتفي» إلى نهاية سنة 730هـ، فوجدتُ أشياءَ منه في هذا «الذيل» بانتقاءٍ وتلخيصٍ أيضًا.
رابعًا:
توجد في أثناء الذيل كله -سواء ما كان من «دول الإسلام» للذهبي أو ما بعده- جُمَلٌ مضافة داخلَ الكلام، مميَّزةً بعبارة: «يقول الكاتب» أو نحوها، وسأسردها هنا، مع توضيح موقف ابن الحسباني من كل جملةٍ في نسخته التي أدمَجَ فيها الذيلَين الصغيرَ والكبير:
- 711هـ، في ترجمة موسى الشرواني: «يقول الكاتب: وعليه ختمتُ القرآن في سنة ثماني وسبعمائة». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «يقول المؤلف: وعليه ختمتُ…»
- 716هـ، في ترجمة الكاتب نجم الدين ابن البصيص: «يقول الكاتب: كتبتُ عليه قليلًا». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال المؤلف: كتبتُ…».
- 716هـ، في ترجمة المقرئ تقي الدين الموصلي: «يقول الكاتب: قرأتُ عليه قصيدة الشيخ الإمام عز الدين عبدالرزاق المحدث الرسعني الحنبلي في ظاءات القرآن، التي سماها: “درة القاري”». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال المؤلف: قرأتُ…».
- 720هـ، في ترجمة شمس الدين محمد ابن سباع الصائغ: «يقول الكاتب: ولي منه سماع، وعليه اشتغال». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال المؤلف: ولي منه…».
- 721هـ، في ذكر إخراب كنيسة القرائين اليهود: «يقول الكاتب: أولُ ما أُخرب فيها وكان مبدأَها: بيتٌ صغير، ثم وسّع، ثم كبرت، وكانت في دربٍ يقال له: درب الفواخير، غالب أهله اليهود، والمسلمون غافلون عنها». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال الذهبي: وأول ما أخربتُ فيها، وكان مبدؤها بيتًا صغيرًا، ثم وسّعت…».
- 722هـ، في ذكر هدم أبراج مدينة أياس[7]: «يقول الكاتب: وكنتُ ممن حضر هدم هذه الأبراج، ونقلتُ الحطب وغيره، فنُقبت من أسفلها…». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال الذهبي المؤلف: وكنت ممن حضر…».
- 724هـ، في ذكر خسوف القمر: «يقول الكاتب: وكنتُ مُصيفًا في قرية حجرة(؟)، فصليتُ بالجماعة صلاة الخسوف». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال الذهبي: وكنت مصيفًا في قرية حجيرا…».
- 724هـ، في ترجمة علاء الدين ابن العطار -صاحب النووي-: «يقول الكاتب: عُدتُه في مرضه، وخدمتُه، وسمعتُ عليه أجزاء من تصانيفه، وأجاز لي روايتها». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال الذهبي: عُدتُه…».
- 726هـ، في ذكر قتل ناصر ابن الهيتي على الزندقة: «وصحب النجم ابن خلكان، المحلول عن دين الإسلام، المفطر في رمضان، الشارب الخمر عند أهل الكتاب، شهد عليه كاتب هذا الكتاب بهذا العنوان، وشرب معه قبل الإسلام، فلله الحمد على الهداية للسلام. وكان ابن الهيتي هذا قد صحب…». وقعت في نسخة ابن الحسباني: «… الشارب الخمر عند أهل الكتاب، شهد عليه بذلك، وكان الهيتي هذا قد صحب…».
- 726هـ، في ترجمة كمال الدين ابن قاضي شهبة: «يقول الكاتب: قرأتُ عليه “الجرجانية” في النحو -رحمه الله-، وكان يعتكف شهر رمضان بكماله في الجامع». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال الذهبي: قرأتُ عليه…».
- 727هـ، في ترجمة شرف الدين عبدالله بن عبدالحليم ابن تيمية -أخي شيخ الإسلام-: «يقول الكاتب: صليتُ معه المغرب، وكان يومًا شديد البرد، فقال لي: صليتُ هذه الصلاة -المغرب- بوضوء الصبح. وكان لي منه -بحمد الله-حظًّا وافرًا(؟) -رحمه الله-، وكان يحيي العشر الأخير من رمضان، ويصلي الصبح بوضوء عشاء الآخرة». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال الذهبي: صليت معه ليلةً المغرب…».
- 728هـ، في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية: «يقول الكاتب: حضرتُ مجالسه، وكتبتُ من مصنفاته، وما رأت عيناي مثله، ولا رأى مثل نفسه، وكان لي منه النصيب الوافر -رحمه الله وغفر له-». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال الذهبي: حضرتُ…».
- 729هـ، في ترجمة مجد الدين الحراني الحنبلي: «يقول الكاتب: قرأتُ عليه أكثر “المقنع” -رحمه الله-». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال الذهـ[ـبي]: قـ[ـر]أ[ت…]…».
- 730هـ، في ذكر خروج ركب الحج الشامي: «يقول الكاتب: فكنتُ ممن حجَّ في هذا العام -ولله الحمد-». وقع أولها في نسخة ابن الحسباني: «قال الذهبي: وكنتُ فيمن…».
ومن الملحوظ أن ابن الحسباني نقل أوائلَ هذه العبارات منسوبةً إلى «المؤلف» -هكذا مجملًا-، ثم صار يصرح باسم الذهبي فيها، حتى غلب ذلك على نقله.
والذي لا أرتاب فيه: أن هذه العبارات ليست للحافظ الذهبي، وأنه لا يمكن بشهادة الواقع والتاريخ والحال أن تصدر عنه، وذلك لأمور:
1- صرَّح صاحب العبارات بأنه لم يكن مسلمًا، وأنه كان يشرب الخمر قبل إسلامه مع ابن الهيتي، وأنه شهد عليه بأنه كان يشرب الخمر مع أهل الكتاب، وهذا لا يمكن قطعًا أن يكون هو الحافظ الذهبي، بل من الواضح أنها عباراتُ رجلٍ من الكتابيين الذين كان ابنُ الهيتي يشاركهم شربَ الخمر، ثم إنه أسلم وحسُن إسلامه، واشتغل بالعلم والكتابة والتأريخ.
ويظهر أن ابن الحسباني استشكل هذه العبارات، واستبعد صدورها عن الذهبي، ورجَّح أنها مقحمة، فحذفها من نسخته المدمجة بالذيل الكبير.
2- قال صاحب العبارات في ترجمة موسى الشرواني: «وعليه ختمتُ القرآن في سنة ثماني وسبعمائة». وتقديم الجار والمجرور يشعر بالحصر والاهتمام، فكأنها أول ختماته، أو هي ختمته الوحيدة، ولعله أراد ختمةَ حفظٍ مجردٍ، لا بالقراءات.
أما الحافظ الذهبي، فكان في سنة 708هـ يبلغ من العمر 35 سنة، وكان يومئذٍ شيخًا مقرئًا متقدمًا في علم القراءات وغيره.
ولم نقف عند الذهبي على ترجمةٍ للشرواني المذكور أصلًا، وغايةُ ما ذكره البرزاليُّ في سيرته أنه مع صلاحه واشتغاله بالعلم كان «ملقّنًا» في جامع دمشق، فليس هو من العلماء الكبار الذين يتلقَّى عنهم مثلُ الذهبي بعد تقدُّمه العلمي في هذا العمر المتأخر في الطلب، وإنما يأخذ عنه الصغارُ والمبتدئون والعامةُ غالبًا.
3- ذكر صاحب العبارات أنه حجَّ سنة 730هـ، والمعروف أن الذهبيَّ حجَّ باكرًا سنة 698هـ. وقد نصَّ المؤرخون على أن ركب حاج الشام في موسم سنة 730هـ عاد إلى دمشق يوم 26 محرم، سنة 731هـ[8]، ووقفتُ على طبقة قراءةٍ لكتاب «المعجم اللطيف» على مؤلفه الذهبي، مؤرخةٍ بيوم الثلاثاء 10 محرم من تلك السنة، وذلك في الجامع المظفري بصالحية دمشق[9]، و لم يكن الذهبيُّ ليُسمِع ثَمَّ لو كان مع الحجاج يومئذٍ.
4- ذكر صاحبُ العبارات أنه قرأ على مجد الدين الحراني الحنبلي «أكثر “المقنع”»، وكان قبل ذلك ذكر أن الحرانيَّ -فيما يقال- «أقرأ “المقنعَ” مائة مرة»، فهذا شيخٌ حنبلي مُعتنٍ بتدريس متنٍ حنبلي، ولم يكن الذهبيُّ حنبليَّ المذهب حتى يقصد إلى دراسة فقه الحنابلة على أهله.
5- ذكر صاحب العبارات في ترجمة المقرئ تقي الدين الموصلي أنه قرأ عليه «درة القاري» في ظاءات القرآن للرسعني، لكنَّ الذهبيَّ لم يُشِر إلى ذلك في ترجمة الموصلي من كتابه «معرفة القراء الكبار» (3/1491)، مع أن ذلك أَولى ما يُذكر فيه لارتباط موضوعه، وإنما ذكر هناك أنه سمع منه «تاريخ داريا» فحسب.
6- قال صاحب العبارات في ترجمة العلاء ابن العطار: «عدتُه في مرضه، وخدمتُه، وسمعتُ عليه أجزاء من تصانيفه، وأجاز لي روايتها»، وهذا لا يقوله الذهبيُّ في أخيه من الرضاعة، وابنُ العطار هو الذي استجاز للذهبي وأبيه، والذهبيُّ هو الذي خرَّج لابن العطار معجمًا، والواقع أن العبارات المذكورة تشير في الجملة إلى قلة خلطةٍ ومعرفةٍ بين الرجلين.
7- ذكر صاحب العبارات أنه حضر فتح أياس سنة 722هـ، ولم يعرف عن الذهبي المشاركة في ذلك.
وهذه الأمورُ الآخذُ بعضُها بزمام بعض، ما بين أدلةٍ واضحة، وقرائن قوية، تفيد إفادةً لا يُداخلها شكٌّ بأن هذه العبارات ليست للحافظ الذهبي، وأن ابنَ الحسباني قد وَهِم في نسبة ما نسبَهُ منها إليه، وأَوْهَم في نسبة ما نسبَهُ منها إلى «المؤلف» الذي يفيد سياقُه أنه الذهبي.
وعند التأمُّل في هذه العبارات، وما ساق صاحبُها فيها من سيرته وأحواله، فإننا نجد فيها -صراحةً أو ضمنًا- ما يلي:
- أنه رجل كان من أهل الكتاب، ثم أسلم.
- وأنه ختم القرآن سنة 708هـ، وهي ختمته الأولى أو الوحيدة ترجيحًا، وهذا يفيد أن إسلامَه لم يكن بعيدًا عن ذلك الوقت.
- وأنه تفقَّه على مذهب الحنابلة، وقرأ أكثر «المقنع» على المجد إسماعيل الحراني، وصحب شيخ الإسلام ابن تيمية وأخاه شرف الدين عبدالله.
- وأنه عُني بالكتابة والنَّسخ، ونَسَخ من مصنفات ابن تيمية.
- وأن له شيوخًا في علوم القرآن وغيرها، كالتقي الموصلي، والعلاء ابن العطار.
- وأنه ملاحِظٌ للجانب التعبُّدي عند بعض شيوخه، كاعتكاف الكمال ابن قاضي شهبة، وقيام الشرف ابن تيمية وكثرة صلاته.
- وأنه عرف أحوالَ اليهود ومبتدأَ أمر كنيسهم في حيٍّ هُم غالبُ أهله.
- وأنه حضر فتح أياس سنة 722هـ، وحجَّ سنة 730هـ.
ومجمل هذه الأمور، خصوصًا أوائلها، لا تُشير -فيما وجدتُ- إلا إلى شخصٍ واحد، هو الشيخ الصالح جمال الدين داود بن أبي الفرج الطبيب (674-737هـ).
وهذا الشيخ ترجم له البرزالي، فذكر أنه «أسلم إسلامًا جيدًا، وأقبل على الاشتغال بالعلم والنَّسخ والعبادة»[10]، وذكر بعض منسوخاته الحديثية، كالبخاري، وجمع الصحيحين، وذكر الذهبيُّ أنه «أسلم سنة إحدى وسبعمائة، وحفظ القرآن، وتفقَّه وتعبَّد، وسمع من جماعة، ونسخ كتبًا وأوقفها، وكان تقيًّا مخلصًا»[11]، ونصَّ يوسف ابن عبدالهادي ابن المبرد على أنه «كان نصرانيًّا، ثم أسلم على يد الشيخ ابن تيمية»[12]، ولعله أخذ ذلك من قول الذهبي في حوادث سنة 701هـ: «وأسلم بدمشق دَيَّانُ اليهود العالمُ عبدُالسيد وبنوه، وأسلم معه نسيم الدباغ وأولاده، والعابد جمال الدين داود الطبيب»[13]، وإسلامُ عبدالسيد المذكور على يد ابن تيمية مشهور، وذكر غيرُ واحد أنه أسلم على يديه بعد إسلامه جماعةٌ من اليهود[14]، ففي النفس شيءٌ من كون داود بن أبي الفرج كان نصرانيًّا، والأقوى أنه كان يهوديًّا.
وقد كان لداود ارتباطٌ ظاهرٌ بالحافظ الذهبي، فإنه حين ألَّف كتابًا في «الطب النبوي» نقل فيه فصلًا في أحكام السَّماع عن مؤلَّفِ الذهبي فيها، وحلَّاه بـ«الشيخ الإمام العالم المحدث الحافظ»، وحين نَسَخ «مختصر السيرة النبوية» لابن شيخ الحزاميين، قدَّمه إلى الذهبي، فخطَّ عليه بيده إسنادَه إلى ابن إسحاق في سيرته.

وقد وصل إلينا من منسوخات داود المتطبب أشياءُ منها: مجلداتٌ من «المغني» لابن قدامة، ونسخةٌ من «غريب القرآن» لابن عُزيز السجستاني، و«المجرد» في غريب الحديث للموفق البغدادي -وقرأه على الحافظ المزي سنة 717هـ-.
ووصل إلينا اختصارُه لـ«مناقب عمر بن الخطاب» و«مناقب عمر بن عبدالعزيز»، كلاهما لابن الجوزي.
وكلُّ ذلك يشير إلى ما ذكره مؤرِّخوه من اشتغاله بالعلم والنَّسخ والكتابة، وعنايته خصوصًا بعلوم القرآن والسنة، وفقه الحنابلة، والتاريخ.
كما أن عنايتَه بعبادة بعض أشياخه مناسبةٌ لتعبُّده هو وتقواه، ومعرفتَه بأحوال اليهود مناسبةٌ لكونه كان -في الأظهر- يهوديًّا.
وبمجموع ما سبق، فإنه يترجَّح لي ترجُّحًا قويًّا أن داود بن أبي الفرج المتطبب المذكور هو صاحب العبارات المضافة في «الذيل» إلى «الكاتب»، والمنسوبة إلى الذهبي خطأً في نسخٍ لاحقة.
إذا كان الحال كذلك، فهل وقع الخطأ في نسبة «الذيل الصغير» كلِّه إلى الذهبي؟ أم هو له، لكن أُقحمت فيه العباراتُ المذكورةُ فحسب؟
ينبغي قبل البحث في ذلك تقرير أمورٍ ثلاثة:
- يُستبعد من محل البحث ما وقع من تأريخ السنوات (701-715هـ)، فهذا -كما مرَّ- منقول عن كتاب «دول الإسلام» الثابتِ للذهبي دون شك، سوى جُمَلٍ أُدرجت فيه هنا، سبق بيانُها، وبيانُ كونها ملخَّصةً عن «تاريخ البرزالي».
- تختلف منهجيةُ ما نُقل من «دول الإسلام» وما بعده جميعًا، عن منهجية تأليف «العبر» التي تَفصِل الحوادثَ عن الوفيات، وتبدأُ بالأولى فالثانية، إذْ من الواضح أنه لا نظرَ إلى ذلك في هذا «الذيل الصغير»، فالحوادث والوفيات فيه مدمجةٌ متداخلة.
- لا يظهر فيما بعد المنقول عن «دول الإسلام» نَفَسُ الحافظِ الذهبي، المعروفُ في عباراته المحكمة الجامعة المتينة، وفي نَقَداته ونظراته، وفي اختياراته للأحداث والوفيات، بل في دقة المعلومات وصحَّتها، وسيأتي لذلك مزيد توضيح.
والذي تحصَّل لي، بعد طول تأمُّل، أن في هذا «الذيل» احتمالين اثنين:
الأول:
أن يكون الذهبيُّ أراد استكمال «العبر» في مرحلةٍ ما، فوجد أنه قد فرغ من تأليف «دول الإسلام»، وجاوز فيه «العبرَ» إلى حوادث سنة 715هـ -وهذه هي المرحلة الأولى من تأليف «دول الإسلام»[15]، وسنةُ 715هـ هي السنة التي ألَّف فيها أصل «العبر» كما سبق-، فعمد إلى تذييل «العبر» بما ألفه من «دول الإسلام»، ثم تمَّمه وكمَّله بتلخيصٍ مجرَّدٍ من «تاريخ البرزالي» -والتلخيصُ للذهبي عادة-، وذلك إلى سنة 730هـ.
ثم إنه عاد لاحقًا فألَّف «الذيل الكبير» من حيث انتهى «العبر»، وعلى طريقته ومنهجه، وبقلمه المستقل عن التلخيص المجرَّد.
وهذا الاحتمال يساعد في فهم نسبةِ الذيلين جميعًا إلى الذهبي، بل نقلِ شيءٍ من «الصغير» عن خطه، كما سبق عن حمزة الهكاري، وابن المهندس المقدسي، فإنهما قد يكونان وقعا على التلخيص المذكور بخط الذهبي، فظنَّاه كتابًا أصيلًا له.
ويتفرَّع عن ذلك أن تكون نسخةُ الذهبي أو بعض فروعها وقعت إلى أحد عصرييه، فنسخها مع إدراج العبارات المشار إليها آنفًا فيها، أو ألحقها في نسخة الذهبي بخطٍّ يشبه خطه، فتداولها النسَّاخ بعدهُ مقحمةً في الكتاب، ووقعت لابن الحسباني فنسب غالبَها إلى الذهبي.
وأقوى ما يُشكل على هذا الاحتمال أمران:
- أنه يَرِد في حوادث سنة 719هـ -وصوابه 718هـ كما سبق- خبرٌ عن الذهبي بصيغة «باشر الإمام شمس الدين الذهبي مشيخة الحديث…»، وليس من عادة الذهبي أن يحفل بأخبار نفسِه ومتولَّياته، فضلًا عن أن يُبقيَ وصفَ نفسِه بـ«الإمام».
- ما سبق من عدم ظهور نَفَس الذهبي في هذا «الذيل»، فضلًا عن أن فيه إشكالاتٍ وأغلاطًا تخالف ما عند الذهبي نفسِه، أو يُستبعد صدورُها منه في جودة فهمه وتحرِّيه، ومن ذلك:
- جعل وفاة نصر المنبجي في ربيع الآخر سنة 719هـ، وهذا مخالف لتأريخ الذهبي نفسه في «ذيل العبر» (6/107) و«تكملة السير» (30/186) بأنه توفي في جمادى الآخرة، وهو الصواب[16].
- جعل وفاة أحمد ابن جبارة المرداوي في جمادى الآخرة سنة 728هـ، وإنما هي في رجب -كما أرَّخه الذهبيُّ نفسُه في «معجم شيوخه» (1/96)-.
- جعل وفاة شيخ الإسلام ابن تيمية في شعبان أو شوال سنة 728هـ[17]، وإنما هو في ذي القعدة -كما عند الذهبي نفسه في «الذيل الكبير» (6/157-158) و«الدرة اليتيمية» (ص323) ومواضع أخرى-.
- جعل منع ابن تيمية من فتوى الحلف بالطلاق في جمادى الآخرة سنة 718هـ، وقد حدد البرزالي (1/104) ذلك بـ«مستهل جمادى الأولى».
الاحتمال الثاني:
أن يكون «الذيل الصغير» تتمَّةً تمَّم «العبرَ» بها بعضُ معاصري الذهبي، فنقل فيها ما تحصَّل له من «دول الإسلام»، ثم لخَّص الباقيَ من «تاريخ البرزالي»، ولعله هو الذي أدخَلَ في أثناء ذلك بعض مشاهداته وأحواله منسوبةً إلى نفسِه.
وإذن فلا يبعد أن يكون هذا المتمِّمُ الملخصُ هو داود بن أبي الفرج المتطبب، المشارُ آنفًا إلى عباراته المدرجة في النص، خصوصًا وهو يجيز لنفسه إدخال كلامه في أثنائه، ويصف نفسَه في أحد المواضع بـ«كاتب هذا الكتاب».
بل يُلحظ أن ابن الحسباني نقل أوائلَ عباراته -كما مرَّ- بنحو: «قال المؤلف»، والظاهر أنه وجدها أولًا كذلك فنقلها كما هي، ثم صار يفسِّر المؤلف بالذهبي -وفق ما اعتقده-. وكذلك نقل ابن المهندس قوله في آخر ترجمة ابن تيمية: «قال المصنف». وعبارةُ «قال المؤلف» ونحوها من لازمات داود المتطبب في كتابه «الطب النبوي»، ردَّدها فيه مرارًا، وهي ثابتةٌ في نُسَخٍ قديمةٍ منه.
ويحتاج هذا الاحتمال إلى الجواب عن نسبة مَن نسب «الذيلَ» كلَّه إلى الذهبي:
فأما حمزة الهكاري، فنصُّه الذي وصل إلينا مختصرٌ اختصارًا شديدًا، إذ نقل ابن الحسباني منه كلماتٍ منتقاةً لا تكفي في دراسته، بل قد يكون ابن الحسباني هو الذي أدرج النسبةَ الصريحةَ فيه بناءً على ظنه أن الذهبي هو مؤلف الذيلين كليهما. ثم قد يكون الهكاريُّ وجد في مكتبة الذهبي نسخةَ «العبر» التي ذيَّلها غيرُه، وكان الذهبيُّ قد أضرَّ يومئذ، فلم يجرِ تحريرُ النسبة على وجهه.
وأما ابن المهندس المقدسي، فقد وقع في آخر نقله بعضُ المحو والانقطاع، وليس الذي بينه وبين ذِكر خط المصنف بمتَّصل، فالأمر باقٍ على الاحتمال في مقصوده، ثم إنه يجوز أنه اشتبه عليه الخط، أو اعتمد على غيره، فنسب الجميع إلى الذهبي.
ومما يلاحظ هنا: ما مرَّ بيانه من أن ناسخ نسخة «الذيل الصغير» قد شرع بعد نهايته في كتابة «الذيل الكبير»، فلا يبعد أن الذيلين كانا في النسخة الأصل متَّصلَين، وكان «الذيل الكبير» آخرَهما، لتأخُّر تأليفه كما هو واضح، فنظر بعضهم إلى ذلك، وظنَّ أنه والذي قبله كليهما للذهبي.
وما زال في الاحتمالين بعض التجاذب، إلا أن للاحتمال الثاني قوةً ظاهرة، إذْ لم يبقَ مع الأول إلا اجتهاداتٌ مستشكلةٌ في النسبة والنقل، تخالف القرائنَ العلميةَ في المادة التاريخية نفسها، ولا تكاد تصمُد أمام دلالتها القوية.
من مترتبات هذا البحث ونتائجه:
- أن الذهبي لم يؤلف «الذيل الصغير» على الأرجح، وأن هذا «الذيل» لا يعدو أن يكون نقًلا من «دول الإسلام» في نصفه الأول إلى سنة 715هـ، وتلخيصًا من تاريخ البرزالي «المقتفي» في نصفه الثاني إلى سنة 730هـ.
- بناءً على أن ما بين سنتَي 715-720هـ في هذا «الذيل» مطابقٌ مع انتقاءٍ واختصار للموجود من «المقتفي» للبرزالي، فيمكن أن يترجَّح بغلبة الظن أن ما بعد ذلك (721-730هـ) ملخص من البرزالي كذلك، وهو قدر ما زال متواريًا من «المقتفي».
- يعاد تحرير ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، المنسوبةِ إلى الذهبي، على النحو الآتي:
- المرجَّح أنها ليست للذهبي، وأنها ملخصَّة عن «تاريخ البرزالي»، باستثناء العبارة الأخيرة.
- يصوَّب آخر نصِّ الترجمة كما يلي: «ونهيًا عن المنكر، وكثرة [تصانيف]. يقول المصنف: حضرتُ [مجالسه]، وكتبتُ من مصنفاته. وما رأت عيناي مثله، ولا رأى مثل نفسه. وكان لي منه النصيب الوافر….».
- قوله: «حضرتُ مجالسه…» فما بعده ليس من كلام الذهبي، وإنما هو لملخِّص «الذيل»، الذي يظهر أنه داود بن أبي الفرج المتطبب.
والله -تعالى- أعلم، وهو ولي التوفيق.
[1] «الذيل على ذيل العبر» (ص29).
[2] أورد محققُه الأستاذ رشاد عبدالمطلب في مقدمته (6/6) نصًّا نقله النعيميُّ في «الدارس» (1/141) عن الذهبي، وفيه قوله: «وقد ذكرتُ في الذيل الذي كتبتُه سنة أربع وأربعين…»، وجزم المحقق بأنه يقصد «ذيل العبر»، وتابعه د. بشار عواد في «الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام» (ص160)، مع أن الأمر محتملٌ كما هو واضح، فللذهبي ذيول على كتبٍ أخرى، بل إن النصوص التي أشار الذهبيُّ إلى أنه ذكرها في «الذيل» ليست موجودةً في «ذيل العبر» أصلًا. وسيرد في حاشيةٍ لاحقةٍ التنبيه على دليلٍ آخر في هذا الصدد.
[3] وقفنا له على خطوطٍ أخرى تطابق خطَّ الترجمتين المنقولتين، وتُحَقِّق أنه كاتبُهما، ومنها هذا الخط:

[4] انظر: «التعريف بمخطوطة نفيسة لرسالة الاجتماع والافتراق في مسائل الأيمان والطلاق لشيخ الإسلام ابن تيمية» للشيخ علي العمران (بحث منشور في مجلة الدارة، السنة 37، العدد 1، محرم 1432هـ، 45-70)، مقدمة تحقيق «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية» (ص84).
[5] تقابل في المطبوع (6/16-18).
[6] وهذا القيد يدلُّ بوضوحٍ على أن «ذيل العبر» للذهبي كان مكتملَ التأليف سنة 743هـ أو قبلها، وأنه لم يكن مقصودًا للذهبي في قوله المنقول عنه -كما مرَّ أوائلَ البحث-: «الذيل الذي كتبتُه سنة أربع وأربعين…».
[7] هي مدينة (يومورتاليك) جنوب تركيا حاليًّا.
[8] انظر: «تاريخ حوادث الزمان وأنبائه» للجزري (2/453).
[9] انظر: «ست رسائل للذهبي» (ص62).
[10] «تاريخ حوادث الزمان وأنبائه» للجزري (3/966).
[11] «المعجم المختص» (ص95).
[12] «الجوهر المنضد» (ص38).
[13] «ذيل العبر» (6/15-16).
[14] انظر: «المقتفي» (4/91)، «تكملة سير أعلام النبلاء» (30/11)، «البداية والنهاية» (18/10، 18/148).
[15] انظر: «دول الإسلام» (2/249-251).
[16] ولذا حذف ابنُ الحسباني الشهرَ في دمجه بين الذيلين! وقد أرَّخ ابنُ الوردي في «تاريخه» (2/260) وفاةَ المنبجي في ربيع الآخر كما وقع في هذا «الذيل»، وقد لاحظتُ أنه يتابعه في أشياءَ تأريخًا وعبارة، ومنها بعض المستشكلات الآتية، فكأنه اعتمد عليه.
[17] سبب هذا التردد أن العبارة معطوفة على تراجم أخرى، ونصها: «وفي شعبان: قبض على تمرتاش بن جوبان، ثم مات في شوال. وفيه: مات المعمار المعلم ناصر المعروف بناطور السماء. وفي ليلة الاثنين العشرين منه: مات الشيخ الإمام…». وقد نقل ابن المهندس الترجمة، فقال: «وفي هذه السنة في ليلة الاثنين والعشرين(!) من شعبان: مات الشيخ الإمام…»، وأما ابن الحسباني في دمجه بين الذيلين، فكتب عبارة «الذيل الكبير»، وفيها: «ومات بقلعة دمشق ليلة الاثنين [في] العشرين من ذي القعدة»، وعلَّم على «ذي القعدة»، وكتب في الحاشية برمز نسخة: «شوال». فاتَّضح أن كل واحدٍ من الرجلَين فهم من السياق شهرًا يعود إليه الضمير في قوله: «العشرين منه». ومرجع الإشكال: أن المنتقي ينقل المعطوف وقد حذف المعطوف عليه، وهو سبب الإشكال في بعض التواريخ السابقة أيضًا.

أضف تعليقًا