لا يكاد ينقضي العجب من وفرة الإرث العلمي للعلامة الفقيه المؤرخ تقي الدين أبي بكر بن أحمد بن محمد بن عمر ابن قاضي شُهبة (779-851هـ) -رحمه الله-، خصوصًا في مجال التاريخ والتراجم، وسواء بابتداء التأليف، أو بالانتقاء، والنقل، والتحشية، وغير ذلك، قال ابنه في ترجمته (1/29/مقدمة تاريخه): «ولزم الكتابةَ، وكتب الكثيرَ بخطه، بلغ ما كتبه بخطه نحوَ مائة مجلدة، منها ما هو نَسْخ، ومنها -وهو الأكثر- تأليفٌ له»، أما السخاوي فقال في ترجمته من «الضوء اللامع» (11/23): «وكتب بخطه الكثير، بحيث لو قال القائل إنه كتب مائتَي مجلد، لم يتجاوز».
لقد اشتُهرت لابن قاضي شهبة تواليفُ تاريخيةٌ متعددة، أبرزها: «الإعلام بتاريخ الإسلام»، و«ذيل تاريخ ابن كثير وغيره»، و«مختصر الذيل»، وهذا الأخير هو المعروف المنشور باسم «تاريخ ابن قاضي شهبة».
وقد ساق المحقق المتقن د. عدنان درويش -رحمه الله- هذه المصنفاتِ ونُسَخَها في مقدمة تحقيقه لآخرها «التاريخ»، التي كتبها باللغة الفرنسية، وذكر بعدها نقلًا عن السخاوي أن ابن قاضي شهبة اختصر هذا «التاريخ» الذي هو «مختصر الذيل» في مجلد واحد، ورجَّح أن «مختصر مختصر الذيل» هو المحفوظ في مكتبة أحمد الثالث بقصر طوبقبوسراي في إسطنبول، برقم (2918)، ووصفه بأنه ناقص الأول، وأنه يبدأ بتأريخ سنة 741هـ.
وقد كنتُ، قبل اطلاعي على كلام د. درويش، وقفتُ على النسخة المذكورة رأسًا، وهي تقع في 225 ورقة ذات وجهين [149-373]، بمسطرةٍ تعادل 25 سطرًا في كل وجه، وتبيَّن لي ابتداءً أنها تأليفٌ لابن قاضي شهبة لا غير، وذلك لقرائن أبرزها:
أولًا: أنه ذكر أقاربه، وانتسب إليهم، فترجم [189ب] لجده محمد بن عمر ابن قاضي شهبة، وقال: «جدي»، وأشار إليه في موضع آخر [242أ] بقوله في أحد المترجمين: «وأخذ عن جدي» -وهي عبارته في «تاريخه» (3/481)-، وترجم [211ب] لعمه يوسف بن محمد، وقال: «عمي»، وترجم [214ب] لأبيه أحمد بن محمد، وقال في ترجمته: «قال لي القاضي شمس الدين ابن الأخنائي: لا أعرف بين [حلب وغزة] في زمن والدك من هو أكرم منه».
ثانيًا: أن عبارات هذا الكتاب، وعبارات «تاريخ ابن قاضي شهبة» المجزوم بنسبته إليه، تكاد تتطابق في كثيرٍ من المواضع، حتى في الصياغات الخاصة والاستنتاجات والتقييمات التي لا ينقلها ابن قاضي شهبة عن غيره، وكأنَّ هذا الكتاب ملخصٌ من ذاك.
ثالثًا: وجود خط ابن قاضي شهبة نفسِه على النسخة، وخطُّه متميزٌ مشهورٌ لا يتمارى فيه عارفان، وعملُه في النسخة عملُ مؤلف، لا ناسخٍ أو مُطالع، فهو يضيف ويحذف، ويصوِّب ويقدِّم ويؤخِّر.

هذا ما يتعلق بتعيين مؤلف الكتاب.
وأما تعيين الكتاب نفسه:
فلم يستَبِن لي أن هذا الكتاب مختصرٌ من «تاريخ ابن قاضي شهبة»، كما ذهب إليه د. عدنان درويش، وفسَّر به كلام السخاوي، بل الأظهر أنه كتابٌ مستقلٌ عن «التاريخ»، وذلك لأمورٍ منها:
أولًا: أن في هذا الكتاب ما ليس في «التاريخ» من الأحداث والأشخاص والكلام في التراجم، وذلك فيما يتوافقان فيه من السنوات، وسأذكر نماذجَ منها في آخر هذه المقالة -بإذن الله-. والأصل أن المختصر -خصوصًا في اصطلاح المتأخرين- لا يزيد على أصله، بل ينقص عنه.
ثانيًا: أن هذا الكتاب لا يوافق «تاريخ ابن قاضي شهبة» في بدايته، وإن ظنَّ د. درويش ذلك، ولعل هذا ما أوقعه في الإشكال.
بيان ذلك: أن هذا الكتاب يبدأ -جزمًا- بأحداث سنة 765هـ، لا بسنة 741هـ التي بها بدأ «تاريخ ابن قاضي شهبة»، ومطلع هذا الكتاب واضحٌ للغاية في ذلك، إذْ أولُه ورقةٌ فارغةُ الوجهِ بلا عنوان [149أ]، ثم في أعلى ظهرها [149ب]: «بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. سنة خمس وستين وسبعمائة». وتفريغُ وجه الورقة، مع البداءة بالبسملةِ والاستعانةِ في ظهرها، دلائلُ ظاهرةٌ على أن هذا مفتتحُ الكتاب، وأنه لم يسقط منه قبل ذلك شيء، خصوصًا وما قُدِّر سقوطُه (741-764هـ: 24 سنة) أقلُّ من نصف الموجود، ويبعد جدًّا أن تجيء البسملة في أثنائه.

يضاف إلى ذلك أن هذا الكتاب ينتهي في وفيات سنة 816هـ، مجاوزًا سنة 808هـ التي انتهى إليها «تاريخ ابن قاضي شهبة»، لكن قد يقال هنا: إن ابن قاضي شهبة -كما ذكر ابنه في ترجمته (1/31)-كَتَبَ من «تاريخه» كراريس بعد سنة 808هـ، فتكون الزيادةُ منها، وإن لم يكن ذلك بظاهر.
ثالثًا: أن منهجية تصنيف هذا الكتاب مغايرةٌ بعضَ المغايرة لـ«تاريخ ابن قاضي شهبة»، وذلك في أمرٍ عُني به وضبطه هنا، وهو ترتيبُ الوفيات زمنيًّا من أول السنة إلى آخرها، وجَعلُ من لم يتعيَّن شهرُ وفاته آخرَ وفيات كل سنة، خلافًا لمنهجه في «تاريخه» الذي رتَّب فيه المترجمين على أسمائهم وفق حروف المعجم، والأصل أن مجرد الاختصار لا يقتضي تغيير المنهج.
فما هذا الكتاب إذن؟
تتبدَّى ملامح الكتاب إذا نظرنا إلى متضمَّنات المجلد الخطي الذي يضمُّه، إذ هو واقعٌ في مجموعٍ يحتوي على الكتب التالية:
الأول: «دول الإسلام» للحافظ الذهبي [1-131أ].
الثاني: ذيل «العبر» للحافظ أبي المحاسن الحسيني [131أ-148أ].
الثالث: كتاب ابن قاضي شهبة [149ب-373ب].
وقد حصل في الكتابَين الأوَّلَين إشكالٌ يطول بيانه، أدى بالناسخ إلى ظنِّ أن الكتاب الأول هو «العبر» للذهبي[1]، ويبدو أنه لأجل ذلك ألحق به «ذيلَه» للحسيني، واضطرَّ لاقتطاع أول أربع سنوات من «الذيل» (741-744هـ)، لأن الذهبي حرَّرها في «دول الإسلام» دون «العبر»، فلم يوردها الناسخ في «ذيل الحسيني».
وناسخُ الكتابين الأولين هو نجم الدين عبدالكريم بن محمد بن عبدالكريم ابن السنجاري، وقد قيَّد فراغه من نَسخِهما في العشر الوسط من شهر ربيع الأول، عام 832هـ، وقيَّد نجاز مقابلته لهما بالعشرين من شهر جمادى الأولى، من السنة نفسها.

والذي يظهر لي أن ثمة صلةً بين هذه الكتب جميعًا، وأن الكتابين الأولين نُسِخَا بغرض تأسيس الثالث عليهما، واستكمالهما به، وذلك بقرائن متعاضدة:
أولًا: يبدو أن ثمة رابطًا بين السنجاري وابن قاضي شهبة، فقد وجدتُ طبقةَ سماعٍ دمشقيةً لكتاب «مسند الدارمي»، كان المسمع فيها: الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد ابن الصلاح الأموي، الشهير بابن المحمرة، وأُرِّخَت بيوم الأربعاء رابع شهر شعبان، سنة 833هـ. وهذا الشيخ من أقران ابن قاضي شهبة المعروفين (يكبره باثنتي عشرة سنة)، وقد نقل عنه ابنُ قاضي شهبة غيرَ مرة في هذا الكتاب. كما يحتمل أن نسخة «معجم شيوخ الذهبي» التي انتقى منها ابن قاضي شهبة مكتوبةٌ بخط السنجاري نفسِه.
فمن القريب إذن أن يكون السنجاريُّ معروفًا بالنسخ وسرعته وجودته -وهذا ما يظهر من خطه وكتابته-، فكلَّفه ابنُ قاضي شهبة بنَسخ الكتابين الأولين ليبنيَ عليهما الثالث.
ثانيًا: يتَّصل الكتابان الثاني والثالث دون انقطاعٍ يُذكر، إذ لم يقع بينهما إلا صفحتان فارغتان: ظهر الورقة [148]، ووجه الورقة [149] التي هي بداية الكتاب الثالث.
ولا يُلحظ البتة أي تغيُّر في نوع الورق وحجمه، والمسطرةُ في الكتب الثلاثة مسطرةٌ واحدة، وحدود كتلة النص متطابقة، بل تبيَّن لي أن بداية الكتاب الثالث مكتوبةٌ في الكراس نفسِه الذي كُتبت فيه أواخر الكتاب الثاني، إذ يبدأ الكراس بالورقة [140] وينتهي بالورقة [149]، فالكتابان منسوخان في أوراقٍ متلازمةٍ مترابطة، ولا يوجد ما يشير إلى إقحامٍ للكتاب الثالث في النسخة، أو تجليدٍ لاحقٍ له، أو نحو ذلك.
ثالثًا: من الواضح أن الكتاب الثالث يبدأ من عند نهاية الكتاب الثاني على جهة الموالاة والمباشرة، ويسلك منهجه ومنهج أصله «العبر» في ترتيب الأحداث فالوفيات، وفي الاختصار وعدم التطويل في الجملة.
ويمكن من خلال ما سبق استنتاج أن الكتاب الثالث تتمةٌ للكتابين الأولين، فيكون ذيلًا ألَّفه ابن قاضي شهبة، متمِّمًا به «ذيل العبر» للحسيني، مبتدئًا بالسنة التي انتهى إليها «ذيل الحسيني» في عامة نُسَخِه، وهي سنة 765هـ، وإن كان تأريخ السنتين الأخيرتين فيه (763-764هـ) ليس للحسيني على التحقيق[2].
ومما يُستأنس به على ذلك -فوق ما سبق-: أن ابن قاضي شهبة قصد إلى إلحاق كتاب «ذيل العبر» للحسيني في ترجمته له [150أ]، بعد أن كان اختُصر فلم يُذكر، وكأنَّه رأى أن أَولى ما يُذكر من مؤلفات الرجل: ما هو بصدد التذييل عليه.

وإذا قلنا إن نسخة «ذيل ابن قاضي شهبة» هي نسخةُ التأليف الأولى، نظرًا لما عليها من تصحيحاته وإلحاقاته، فيمكن أن يرجَّح أن «الذيل» أُلِّفَ بعد الفراغ من نَسخ الكتابين الأولين في المجموع، إذ لا يمكن أن يبدأ الكتابُ وسط المجموع إلا بعد تبيُّن الموضع الذي ينتهي فيه سابِقَاه، وعلى ذلك فيظهر أن تأليف الكتاب بدأ في الربع الثاني من سنة 832هـ.
ولا بد أن التأليف جرى في حياة ابن المحمرة الأموي، الذي توفي في شهر ربيع الآخر، سنة 840هـ، إذ نجد ابن قاضي شهبة يدعو له بمثل: «أمتع الله المسلمين ببقائه» [283ب]، و: «أبقاه الله -تعالى-» [299أ].
ولا يمتنع كون ابن قاضي شهبة كان مشرفًا على التأليف أكثر من مباشرته له، فيكون كلَّف الناسخَ أو سواه باختصار «تاريخه» -المطول أو المختصر- على منهجية «العبر»، ورسم خطوط العمل فيه تفصيلًا، وتابعه، ثم طالعه وصحَّحه وتمَّمه على مقتضى نظره.
جديد «الذيل»
على أن ابن قاضي شهبة قد استفرغ وُسعَه في «تاريخه»، واسترسل في سياق أحداثه وتراجمه، إلا أني لحظتُ في قراءةٍ سريعةٍ لبعض المواضع أن في هذا «الذيل» زوائدَ على «التاريخ» فيما اشتركا فيه، ومنها ما قد لا يوجد في مصدرٍ آخر، ومن أمثلتها -دون قصد تتبُّع-:
- قال في ترجمة جمال الدين المرداوي الحنبلي (ت 769هـ): «وجمع كتابًا في أحاديث الأحكام، يُشبِه «المحرر» لابن عبدالهادي» [155ب]. ولم أقف في موضعٍ آخر على تشبيه كتاب المرداوي «كفاية المستقنع» بكتاب «المحرر» لابن عبدالهادي.
- قال في ترجمة عماد الدين إسماعيل بن خليفة الحسباني (ت 778هـ): «وكتب على «المنهاج» شرحًا نفيسًا في عشرة أجزاء…، وبلغني أنه لما شرع في كتابة هذا الشرح بلغ ذلك أولادَ القاضي تقي الدين السبكي، فشقَّ ذلك عليهم كثيرًا، لكونه تشبَّه بوالدهم في ذلك، وذكروا ذلك للشيخ، فنهاهم عن الكلام في ذلك، وأثنى عليه ثناءً كثيرًا» [179أ]. ولم أقف على هذا الخبر في موضع آخر.
ثم إن أهمَّ ما في هذا «الذيل» وأنفَسَه، هو وفيات سنة 808هـ، وما جاء بعدها من أحداثٍ ووفياتٍ إلى آخر النسخة في سنة 816هـ، ذلك أن غالبَ هذا المقدار لم يقع منه شيءٌ يُذكر فيما بلغنا من مصنَّفات ابن قاضي شهبة -مما وقفتُ عليه-.
ومع أن هذه السنوات مؤرَّخةٌ في تواريخ أخرى، وأنه اعتمد كثيرًا فيها على «تاريخ» شيخه ابن حجي، إلا أن لابن قاضي شهبة نَفَسَه الخاص، وله تعبيراتُه وأنظارُه، ونُقولُه وأخبارُه، مما لا يشاركه فيه أحد، فضلًا عن أن هذا «الذيل» أقربُ ما يساعد في ضبط نصوص «تاريخ ابن حجي» فيما يشتركان فيها، ثم لا يخفى أن «تاريخ ابن حجي» انقطع في أثناء سنة 815هـ، فتكون السنة الأخيرة من «الذيل» خالصةً لابن قاضي شهبة.
ومما يُنتقى في هذه العجالة من فوائد هذا المقدار، مما لم أره في موضع آخر أصلًا أو بتمامه، دون دعوى استقصاء في البحث ولا في الانتقاء:
- قال في ترجمة كمال الدين الدميري (ت 808هـ): «وشرح «سنن ابن ماجه» شرحًا حسنًا»، وقال فيه: «ما لبس قماشًا مصقولًا قط» [331ب].
- قال في ترجمة الكاتب الموقع علاء الدين السخاوي (ت 808هـ): «وكان يكتب الخطَّ الكوفيَّ على ألوانٍ كثيرة» [332ب].
- قال في ترجمة ولي الدين ابن خلدون الحضرمي (ت 808هـ): «وله تاريخٌ غريبُ الأسلوب سمَّاه «العبر في خبر من غبر»…، وكان عنده حِدَّةٌ وجُرأة، ومبادرةٌ إلى العقوبة» [333ب].
- قال في ترجمة علاء الدين علي بن أبي البقاء السبكي (ت 809هـ): «توجه مع والده إلى الديار المصرية صغيرًا، فنشأ هناك، واشتغل بالعلم، وبلغني أن الشيخ سراج الدين ابن الملقن صنَّف «العجالة» لأجله» [337أ].
- قال في ترجمة جمال الدين ابن خطيب المنصورية (ت 809هـ): «وسمعت شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني -تغمده الله برحمته- يذكره ويثني عليه، وأظنه قال: كان رفيقنا في الاشتغال» [339أ].
- قال في ترجمة جلال الدين ابن خطيب داريا (ت 810هـ): «وكان كثير المطالعة، رأيتُ خطَّه على كتبٍ كثيرةٍ في أنواع العلوم بالمرور عليها» [344أ].
- قال في ترجمة نقيب الأشراف علي بن إبراهيم الحسيني (ت 813هـ): «لكنه منسوب إلى التشيع»، قال: «وأخبرني من لا أشك في صدقه أنه رأى له ليلة وفاته منامًا قبيحًا، وفيه أن ذلك بسبب الرفض» [357أ].
- قال في ترجمة جمال الدين ابن القطب النحاس (ت 814هـ): «ولي الحسبة..، ثم نيابة القضاء، واستنكر الناسُ ذلك، ثم ولي القضاء بدمشق بعد الفتنة، إلى أن عزل في صفر سنة أربع وثمانمائة، بعدما باشر أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم ترك المباشرة لما صحَّ الخبر بعزله، ثم عاد إلى المباشرة بأمر النائب، وهذا تلاعبٌ بالدين، نسأل الله السلامة، واستمرَّ يحكم شهرًا بعد العزل، ثم ولي بعد ذلك ستَّ مرات، ومجموع مباشرته نحو سنتين ونصف، وباشر مباشرةً عجيبة…» [359ب-360أ].
- قال في ترجمة بدر الدين الحسين بن علي الأذرعي المعروف بابن قاضي أذرعات (ت 814هـ): «وعبارته جيدة، ويكتب الخط الحسن السريع»، ثم قال: «توفي مطعونًا في المحرم»[3] [360أ].
- قال في ترجمة نور الدين علي بن سيف الأبياري (ت 814هـ): «قرأ التنبيه وشغل الناس في العلم» [361ب].
- قال في ترجمة جمال الدين عبدالله بن محمد الطيماني (ت 815هـ): «وأخذ عن الشيخ سراج الدين البلقيني ولازمه، وكان (ينجب/يلحف؟) مع الشيخ ويضايقه، والشيخُ يعجبه ذلك ويثني عليه، وربما (خرج/حرج؟) منه، وأخذ عن الشيخ برهان الدين الأبناسي والشيخ (عياش؟) وغيرهم»، قال: «وقدم دمشق مرات، وأقام بها آخرًا، وكان إذ ذاك يستحضر غالب المهمات، ولازم التحصيل والاشتغال، وكتب بخطه الكثير، ولخص شرح الشيخ شرف الدين الغزي، وكتب شرحًا آخر مطولًا فيه أبحاث كثيرة، كتب بعضه، وكتب قطعة من شرح الألفية شرحًا مبسوطًا»، قال: «وكانت جنازته مشهودة مع شغل الناس بالفتنة، واحترقت زاويته وبيته، ونُهبت كتبه وماله» [365أ-ب].
- قال في ترجمة «الفقيه الفاضل شمس الدين محمد بن حسان المقدسي الشافعي [ت 815هـ]: اشتغل بالقدس وفضل، قرأ على ابن القرقشندي وابن الهائم، وحصل كتبًا كثيرة، ثم قدم دمشق في العام الماضي…، وكان خيِّرًا صالحًا»[4] [366أ].
- قال في ترجمة (غرس)[5] الدين خليل بن جمال الدين ابن بشارة (ت 815هـ): «لم يبلغ الثلاثين فيما أظن»[6] [366أ].
- قال في ترجمة شهاب الدين أحمد بن إسماعيل ابن الحسباني (ت 815هـ): «وكان يدرِّس دروسًا عظيمةً بفصاحةٍ زائدة»، قال: «وكان لا يخالف ولدَه، وأكثر الفقهاء يكرهونهما ويعدون معايبهما» [366ب].
- أحداث ووفيات سنة 816هـ كاملةً -كما تقدَّم- [368ب-373ب]، ومما فيها:
- ترجمة أحمد بن ناصر الباعوني.
- ترجمة شيخه ابن حجي، وذكر فيها أن كتابه «الدارس» احترق في الفتنة، ولم يسلم منه إلا كراريس محرقة، وأنه «كان حسن الشكل، لطيف الذات، ريض الأخلاق، حسن العشرة، كثير الأدب والحشمة، جيد الرأي، وافر العقل، يتوقد ذكاء…، وكان يحبُّه الخاصُّ والعام».
- تأريخ وفاة عائشة بنت محمد بن عبدالهادي في جمادى الأولى.
- نقل عن ابن حجي أنه تأمَّل مَن ولي قضاء دمشق، قال: «فوجدت أول مَن ولي القضاء من الشافعية اسمه محمد، ولقبه شمس الدين»، قال: «ثم تأملتُ ذلك في قضاة مصر، فوجدتُه أولهم أيضًا».
والحمد لله على توفيقه.
[1] ملخص ما وقع:
أن الكتاب يبدأ بقول الذهبي: «الحمد لله العلي الكبير على الحمد له فإنه نعم المولى ونعم النصير، أحمده…»، وهذا المطلع معروفٌ في كتاب «دول الإسلام» للحافظ الذهبي، وهو ينتهي -كما في النسخ الأخرى التي طُبع عنها- بآخر أحداث سنة 744هـ.
لكن يرد في خاتمة هذه النسخة [131أ]: «انتهى كتاب مختصر [العبر، كلاهما] للإمام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز التركماني الفارقي الأصل الدمشقي المعروف بالذهبي -رحمه الله-».
وقد وقع ما بين المعقوفين: «العبر، كلاهما» مكتوبًا فوق كشطٍ وحكٍّ في الورقة، فهو نصٌّ مُصلَحٌ بعد نصٍّ سابق، ويظهر لي من السياق وما بقي من الحروف أنه كان مكتوبًا: «مختصر [تاريخ الإسلام] للإمام…».
ولا شك أن نسبة هذا الكتاب إلى «العبر» للذهبي، إما أصلًا أو مختصرًا، نسبةٌ خاطئة، فالكتاب -كما سبق- مطابق لكتاب «دول الإسلام» مقدمةً وبدءًا وختمًا.
ثم قال الناسخ بعد نهاية الكتاب السابق: «ومما وجد في آخر [الأصل] للحافظ المذكور المتوسط المعروف بالعبر، لمحمد الحسيني -رحمه الله-، فقال: سنة خمس وأربعين وسبعمائة…».
وكذلك وقع ما بين المعقوفين: «الأصل» مُصلَحًا في النسخة، ويظهر أنه كان كتب: «تاريخ الحافظ»، ليستقيم السياق، وتكون «المتوسط» وصفًا لذلك التاريخ.
ويبدو أن الناسخ نسخ أولًا كتاب «دول الإسلام»، ثم ألحق بآخره ذيل الحسيني على «العبر»، لمناسبة إكمال الحوادث، ثم لما ظنَّ أن الكتابَ الأولَ هو «العبر»، غير كلمة «العبر» إلى «الأصل».
ثم كتب الناسخُ في خاتمة نسخة «الذيل»: «وهذا آخر ما وجد من الذيل الذي لشمس الدين محمد الحسيني، على الأصل المسمى بالعبر، للشيخ العلامة الحافظ شمس الدين الذهبي -رحمه الله تعالى-».
ومن اللطيف أني وجدت نسخةً منقولةً عن نسخةٍ أخرى للناسخ نفسِه، كتبها قبل نحو ثلاثين سنةً من كتابة نسخته هذه، وقد وقع فيها قريبٌ مما سبق، إذْ نسخ أولًا كتاب «دول الإسلام»، ثم قال: «… مما وجدته في آخر تاريخ الذهبي المتوسط المسمى بالعبر، منقولًا من خط المؤلف، ما صورته: ذيل لمحمد الحسيني -رحمه الله تعالى-: وفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة…». فأدمج «دول الإسلام» بـ«ذيل العبر» للحسيني كذلك.
[2] نبَّه ابن قاضي شهبة في مقدمة «تاريخه» (1/110) على أن ذيل الحسيني انتهى إلى آخر سنة 762هـ، وأن سنتَي 763-764هـ من تذييل شمس الدين محمد بن موسى ابن سند عليه، وهذا ما اعتمده الحفاظ والمؤرخون أبو زرعة ابن العراقي والتقي الفاسي وابن حجر العسقلاني وابن مفلح -كما في «ذيل ذيل العبر» (1/95، 97، 113، 114، 126، 132، 141) و«العقد الثمين» (3/145) و«الدرر الكامنة» (1/132، 6/14، 165، 188)، و«المقصد الأرشد» (2/518، 520)-. واختلافُ منهج التأليف في السنتين المذكورتين ظاهر، فقد أُدمجت فيهما الوفيات بالأحداث على ترتيب الأشهر، خلافًا لغالب منهج الحسيني -ومن قبله الذهبي- في سياق الأحداث أولًا، ثم العودة إلى الوفيات. ولم يتفطَّن إلى هذا جملةٌ من القدماء والمتأخرين من النساخ والمحققين والباحثين، فأدخلوا تلكما السنتين في ذيل الحسيني، وربما استغرب بعضهم من نسبة ما فيهما إلى ابن سند. وللحديث عن ذيول ذيل الحسيني موضع آخر -بإذن الله-.
[3] خلافًا لقول شيخه ابن حجي في «تاريخه» (2/973)، وقوله هو في «طبقات الشافعية» (4/23)، إذ أرَّخا وفاته في صفر، وهو في قوله هنا يوافق تأريخ ابن حجر في «إنباء الغمر» (2/497). وهذه الترجمة منقولةٌ في «الدارس في تاريخ المدارس» (1/176) عن ابن قاضي شهبة بهيئة مبسوطة، فلعلها من تتمة «تاريخه».
[4] قال ابن حجي في ترجمته من «تاريخه» (2/1013): «توفي رجل من طلبة العلم المقادسة بدمشق كان قدم من قريب…، والرجل يقال له ابن حسان»، ولم يذكر شيئًا مما أوردته أعلاه.
[5] في الأصل: «غرر»، ولعل الصواب المثبت، ولم أجد من لقَّبه.
[6] لم يقدّر ابن حجي (2/1017) عُمره، وقال ابن حجر في «الإنباء» (2/528): «مات قبل الكهولة».

أضف تعليقًا