حقيقة الجزء الثامن من أجزاء أبي علي ابن شاذان

استُخرجت نسخةُ هذا الجزء قديمًا من دشت المكتبة الظاهرية بدمشق، ثم يظهر أنها عُرضت على الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله- إبَّان عمله في المكتبة، فكتب عليها بخطه وتوقيعه: «الجزء الثامن من أجزاء ابن شاذان».

واستند الشيخُ في ذلك إلى الكلمة التي ذُيّل بها الجزء، وهي قول الناسخ: «آخر الجزء الثامن من أجزاء أبي علي ابن شاذان».

ثم اعتمد الشيخُ ذلك في:

  • منتخبه من كتب الحديث في الظاهرية (ص87)، فذكر هذا الجزء ضمن مؤلفات أبي علي الحسن بن أحمد ابن شاذان البزاز (ت 426هـ).
  • تخريجاته من الجزء في السلسلتين «الصحيحة» (3/345) و«الضعيفة» (7/388، 8/46).

ثم انتشر هذا الأمر بعد إدخال الجزء إلى البرامج الحاسوبية بالاسم المذكور، وتتايع الباحثون -ومنهم بعض الكبار- في ذلك كثيرًا، والأمر فيه أشهر من أن يُحتاج إلى أمثلته.

وقد وقع الجزء في بعض البرامج الحاسوبية منسوبًا إلى أبي علي الحسن بن خلف بن شاذان الواسطي البزاز (ت 246هـ)، وهذا ما لا يمكن أن يقع أصلًا، فإن ابن شاذان هذا من طبقة عالية يروي عنها صاحب الجزء بواسطةٍ على الأقل.

والصواب المقطوع به: أن هذا الجزء إنما هو الجزء الثامن من «حديث أبي عمرو ابن السمَّاك»، وأن أبا علي ابن شاذان المذكور هو المتأخر لا غير، وهو أحد الآخذين عن ابن السماك، وهو في هذا الجزء مجرد راوٍ له عن صاحبه، وأن المراد بعبارة: «أجزاء أبي علي ابن شاذان»: تجزئته لنسخته من الجزء، وهو تعبيرٌ دائرٌ على ألسنة أهل العلم قديمًا وحديثًا، ولا يلزم منه -على الإطلاق- أن صاحب التجزئة هو مؤلف الكتاب.

ويؤكد ذلك دليلان ظاهران في الجزء وخارجه، وهي:

الأول:

أن مشيخة صاحب الجزء طبقةٌ قديمةٌ لا يلحقها ابن شاذان ولا يدركها، كابن أبي خيثمة، ومحمد بن عيسى بن حيان المدائني، وأحمد بن الوليد الفحام، وأبي قلابة الرقاشي، وأحمد بن عبدالجبار، والحنيني، وحنبل، وغيرهم.

وكل هؤلاء شيوخ معروفون لابن السمَّاك.

الثاني:

أن عددًا من الأئمة أسندوا أو نقلوا -بلا إسناد- عن ابن السماك عدة أحاديث، وصرَّحوا بكونها في الجزء الثامن من «حديثه»، وهي في هذا الجزء كما نقلوا تمامًا، ومن ذلك:

  • أسند الحافظ الدمياطي في «معجم شيوخه» (1/452) من طريق ابن شاذان، قال: «أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبدالله الدقاق المعروف بابن ‌السماك –في ‌الثامن من «حديثه»: حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر -رضي الله عنه-: علي أقضانا، وأبيّ أقرؤنا…».

وهذا الحديث ثابت في الجزء إسنادًا ومتنًا [24أ] (188/نسخة الشاملة).

  • عزا الحافظ ابن المحب الصامت جملةً من الأحاديث إلى «ابن السماك في الثامن من حديثه» أو «ثامن ابن السماك» «الثامن من حديث أبي عمرو ابن السماك»، أو نحو هذه التعبيرات، وكل هذه الأحاديث موجودة في الجزء نصًّا:
صفات رب العالمينالثامن
1734[8ب] (51/شاملة)
3028[4أ-ب] (24/شاملة)
3035[5أ-ب] (33/شاملة)
3083[4أ] (22/شاملة)
3393[8ب-9أ] (65/شاملة)
3908[19أ-ب] (144/شاملة)
3957[17ب] (134/شاملة)
  • نقل الحافظ ابن حجر حديثين من الجزء مع النص على تسميته:

  1. قال في «إتحاف المهرة» (2/160) -في كلامه على حديث أبي نعيم، عن عيسى بن طهمان، عن أنس: «أطعم النبي ﷺ على صفية بنت حيي خبزًا ولحمًا»-: «المحفوظ بهذا الإسناد: أطعم على زينب…، فقد رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي نعيم بهذا الإسناد على الصواب، وكذا رويناه في الجزء الثامن من حديث أبي عمرو بن السماك».

والحديث ثابت في الجزء إسنادًا ومتنًا [8ب] (61/شاملة)، من رواية ابن السماك عن ابن أبي خيثمة.

  1. قال في «النكت الظراف» (5/145) -تعليقًا على نقل المزي عن العقيلي كلامًا لابن المديني في حديث «اكتحلوا بالإثمد»-: «رويناه في الجزء الثامن من حديث أبي عمرو ابن السماك، عن محمد بن سليمان الواسطي، عن علي بن المديني، مثله».

والرواية ثابتة بنصها في الجزء [5ب] (36/شاملة)، ومنها يستدرك سقطٌ وقع في نقل الحافظ.


فثبت بما لا مجال معه للشك أن هذا الجزء إنما هو الثامن من حديث ابن السماك، وأن ابن شاذان لا يعدو أن يكون راويًا له، وهذا الجزء هو الثامن من تجزئته لحديث شيخه فحسب.

ثم رأيتُ بعض المفهرسين في المكتبة الظاهرية قد نبَّه على هذا قديمًا في تعليقةٍ كتبها على نسخة الجزء نفسها، مع أنه لم يكن وقف على هذه النقول -جزمًا أو كالجزم-، فأجاد وأتقن وأحسن. ومع أن تعليقته ثابتة في المصورة المتداولة للجزء، إلا أنها غير مقروء بسبب سوء تلك المصورة -مع الأسف-، وما هي بأول جنايات سوء المصوَّرات على التراث وأهله، ولا بآخرها.

وإن من أشدّ مترتّبات هذا الخلل إشكالًا: أن هذا الجزء فات الأخ عمرو شريف الحويني، فلم يضمّه في المجموع الذي أصدره في مجلدين بعنوان: «مجموع فيه عشرة أجزاء حديثية للإمام أبي عمرو عثمان بن أحمد الدقاق المعروف بابن السماك». ولعله يستدركه في نشرةٍ لاحقة.

وقد تبيَّن لي بعد فحص النسخة أنه لا ينقصها إلا الورقة الأولى فقط -ظنًّا غالبًا-، ذلك أن النسخة مكوَّنة من كراسٍ ثلاثَ عشريٍّ واحد، والورقة السادسة والعشرون هي آخر الجزء، فيغلب على الظن أنه لم يكن بعدها إلا ورقةٌ تكتب فيها السماعات ونحوها، وهي لَزِيمةُ الورقة الأولى التي يكتب في وجهها عنوان الجزء، وفي ظهرها مطلعه.

ويشير إلى ذلك أن الحافظ ابن حجر ذكر في «المجمع» (2/239) و«المعجم» (ص302) أن الجزء الثاني من الجزء الثامن يبدأ بالحديث المرقم في نسخة الشاملة بالرقم (99)، وهذا الموضع هو نصف الجزء تقريبًا، فوضح أنه لم يسقط من أوله إلا شيء يسير جدًّا.

والله المستعان.



ردّ

  1. صورة أفاتار محمد بن عبدالله السريّع

    أفادني فضيلة د. رياض بن حسين الطائي بأن الحافظ الذهبي انتقى في “سفينته” (ص170-193) ما يزيد على 30 حديثًا من “ثامن ابن السماك”، وكلها أحاديث ثابتة في الجزء المقصود بالبحث هنا، بل إنه حفظ 8 أحاديث من أوله كانت في القسم المفقود من النسخة، وهذه فائدة نفيسة جدًا.

    وقد بيَّن فضيلة الدكتور في حاشيته على منتقى الذهبي صواب نسبة الجزء باختصار، فأجاد -وعادته الإجادة-، نفع الله به.

اترك رداً على محمد بن عبدالله السريّع إلغاء الرد