كان للشيخ المحدّث إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الدمشقي القبيباتي، المشهور بـ«الناجي» (810-900هـ)، اختصاصٌ ظاهرٌ بالشيخ العالم الزاهد علي بن حسين ابن عروة المشرقي الدمشقي المعروف بـ«ابن زكنون» (؟75-837هـ)، قال السخاوي: «واختصَّ بالعلاء ابنِ زكنون، وقرأ عليه القرآن وغيرَه، وتزوج ابنتَه».
ومن مظاهر ذلك أن الناجيَ هو ناسخُ قدرٍ كبيرٍ من كتاب ابن عروة «الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري»، وقد وصلت إلينا مجلداتٌ عديدةٌ منه بخطه.
وابن عروة مشهورٌ بمحبَّة شيخ الإسلام ابن تيمية، واعتقاد أقواله، والسير على منهج السلف، قال ابن قاضي شهبة: «كان يعتقد مذهبَ ابن تيمية فى الأصول والفروع»، وقال ابن مفلح: «كان ممن جبله الله -تعالى- على حُبِّ الشيخ تقي الدين ابن تيمية».
ويشهد لذلك ما هو معلومٌ من أنه أودع كتابَه المذكور جملةً كبيرةً من مصنَّفات ابن تيمية وفتاواه ورسائله ورسائل أصحابه.
ثم إن الناجيَ انصرف عن ابن عروة وخالفه، بتأثيرٍ من بعض علماء الشافعية، قال ابن طولون: «ثم دعا له بعض علماء الشافعية بالخروج من الحنابلة والنجاة منهم، فخرج من مذهبهم، وتفقَّه على مذهب الشافعي»، وقال السخاوي بعد كلامه المنقول أولًا في اختصاص الناجي بابن عروة: «ثم فارقه وتحول شافعيًّا»، قال: «ويعرف بالناجي، لكونه كان حنبليًّا ثم تشفع».
* * *
ويظهر لي أن ذلك الانصرافَ وقع في المحنة التي جرت لشيخه ابن عروة بسبب اعتقاده، قال ابن حجر: «وثار بينه وبين الشافعية شرٌّ كبيرٌ بسبب الاعتقاد»، وقال المقريزي: «وصبر على شدائدَ ومحنٍ في الله كثيرة»، وأشار إلى هذا غيرُ واحدٍ ممن ترجم له.
ومن الواضح بمجموع ما سبق أن محنةَ ابنِ عروة لم تكن إلا لاتباعه ابنَ تيمية وسلوكِه مسلكَه، فهي حلقةٌ في سلسلة مِحَن مُحبِّي ابن تيمية ومتقلِّدي معتقده في مطلع القرن التاسع الهجري، والمرجَّح أنها جرت في الفتنة الشهيرة التي قدح زنادَها تقي الدين الحصني (ت 829هـ)، وزاد ضرامَها علاء الدين البخاري (ت 841هـ)، وامتُحن فيها -فيمن امتحن-: الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، وألف فيها كتابَه «الرد الوافر»، وكان ابنُ عروة وقتئذٍ يناهز السبعين من عُمره، أما الناجي فكان شابًّا في أوائل العشرين.
ولم أقف على من ربط بين محنة ابن عروة وبين تيميَّته، ولا من ربط بينها وبين انصراف الناجي عنه، إلا أن التسلسل التاريخي يشير إلى ذلك -كما سبق-[1].
* * *
لفت نظري -في هذا السياق- أنْ وقفتُ على رسالةٍ تُناقش بعضَ مسائل الطلاق، وهي مشحونةٌ بذم ابن تيمية وثلبه، ووصمه بالشناعات، ونبزه بالألقاب، وقد نُسِبت إلى الناجي.
ولم يطُل البحث لأتبيَّن أنها نسخةٌ من الرسالة المسماة: «الدرة المضية في الرد على ابن تيمية»، المنسوبة إلى كمال الدين ابن الزملكاني، وإلى تقي الدين السبكي.
وقضية هذه النسخة -المحفوظة في المكتبة الوطنية ببرلين، ضمن المجموع (Wetzstein II 1811)- أنه جاء في آخرها:
«… أعاذنا الله من هوى يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف، بمنه وطوله وكرمه -إن شاء الله تعالى-.
قال مؤلفه: علقتُ هذه الأسطر بأشد ما يكون من العجلة والسرعة، لعذر ضروري عرض حينئذ، بعضها بالليل على ضوء المصباح، وكمَّلت غالبها بالنهار، وفرغت منها قبيل الظهر من يوم السبت، السابع من شهر رمضان المعظم، سنة أربع وثلاثين وثمانمائة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام ورحمة الله وبركاته.
والله المسؤول بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وجاه أشرف خلقه سيدنا محمد أن ينفعنا بها، وجميعَ أحبابنا وأصدقائنا وأصحابنا وإخواننا المسلمين، وبسائر العلوم النافعة، ويوفقنا للأعمال الصالحة، ويرزقنا اتباع الكتاب والسنة، ويثبتنا على ذلك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويعيذنا من البدع المضلة والأهواء المردية، ويقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ويختم لنا بخير في عافية، ويجمع لنا ولسائر إخواننا المسلمين بين السعادة الدنيوية والأخروية. اللهم صل على سيدنا محمد وآله وسلم.
قال مؤلفه: وكتبه العبيد الفقير المسكين الذليل الحقير المقر بالزلل والتقصير الراجي عفو اللطيف الخبير، أقل الخدّام وتراب الأقدام، محب الخير وأهله: إبراهيمُ بن محمد بن محمود بن بدر الشافعي مذهبًا، الأشعري معتقدًا، الدمشقي سكنًا، المؤدب مكتسبًا، الحصني منتَسَبًا، الملقب بل الشهير بالشاب الناجي، حامدًا الله، ومصليًا على نبيه ومسلمًا، ومحسبلًا ومحوقلًا ومستغفرًا.
كتبه لنفسه العبد الفقير الراجي عفو ربه الخبير: علي الأبوصيري الشافعي، من خط مؤلفه -رحمه الله تعالى وغفر لنا وله، آمين آمين-».

ومن الواضح أن هذا الناسخ الأبوصيري ينسب تأليفَ هذا الرد إلى الناجي، وذلك لأن الناجيَ قال بآخرها: «علقتُ هذه الأسطر…»، وهذا يدلُّ على أنه هو المؤلف.
وإلى ذلك، فقد وقع أول النسخة مبتورًا، فأُلحِقَت بها ورقةٌ مغايرةٌ مكتوبةٌ بخط حديثٍ، بُيِّض وجهُها، وكُتبت على ظهرها مقدمةٌ ركيكةٌ مختلقةٌ للكتاب، لم يفهم كاتبها موضوع الكتاب أصلًا، وبدأها بقوله:
«الحمد لله الذي ردع أهل البغي بسيف الشرع القويم، ورد كل شاذ عن الصحة بهديه إلى الصراط المستقيم، وخذل أهل الجهل بتنكيس أعلام جهلهم، وكذب أهل الضلالة بعدم نجح فعلهم وضعف قولهم…».

فاجتمعت بذلك: مقدمةٌ تختلف عن مقدمة كتاب «الدرة المضية»، وخاتمةٌ تَنسِبُ الكتابَ إلى الناجي صراحةً، بل تنقله عن خطه، ومن ثم نُسب الكتاب إلى الناجي -دون عنوان- في فهرس مكتبة برلين برقم (4667)، وفيما تابعه من الفهارس، مع أن عامة نصِّه مطابقٌ لكتاب «الدرة» تمامًا.
ثم رأيتُ للكتاب نسخةً أخرى جَلَت هذه الغشاوة، وأماطت عن حقيقة هذا الإشكال اللثام، وهي نسخة مسماةٌ في صفحة عنوانها بالاسم المعروف «الدرة المضية»، ومنسوبة صراحةً لابن الزملكاني، ومبتدأةٌ بالمقدمة الصحيحة للكتاب، ثم وقعت خاتمتها مطابقةً تمام المطابقة لخاتمة الناجي المنقولة آنفًا، بما فيها من ذكر العجلة وسببها، وتوقيت نَسْخها ليلًا ونهارًا، وتأريخه باليوم والشهر والسنة، والدعوات المطولة حرفًا بحرف، لكن الناسخ حذف تسميةَ الناجي نفسه، وأرخ فراغه هو من نَسخها بيوم الثلاثاء، سابع ذي الحجة، سنة 1114هـ، ومفصلُ الأمر: أنه لم يزد عبارة «قال مؤلفه» في مطلع كلام الناجي.

ويتضح من ذلك ما يلي:
- أن الناجيَ لم يؤلف هذا الكتاب قطعًا، فهو يومئذٍ شابٌّ في مدارج العلم، وليس إلى الدخول في دقائق هذه المسائل بسبيل، فضلًا عن أنه لا يمكن لمثله تأليفُ هذه المناقشة الطويلة المستفيضة في ليلةٍ وضحاها.
- أن الناجي نسخ نسخةً من الكتاب في التاريخ المذكور (7 رمضان 834هـ)، ومنها نقل الناسخ الأول (الأبوصيري) مباشرةً، ومنها أو من فرعٍ عنها نقل الناسخُ الثاني. وقد ذكر صاحب «كشف الظنون» هذا التاريخَ بعينه لنسخةٍ كانت معه، فيبدو أنه اطلع على نسخة الناجي أو على فرعٍ عنها.
- أن الناسخ الثاني لم يورد عبارة: «قال مؤلفه»، فتحقَّق أنها لم تقع في خط الناجي، وأنها من مزيد الناسخ الأول (الأبوصيري) فهمًا واجتهادًا فحسب، إذ ظن أن القائل: «علقتُ هذه الأسطر» هو المؤلف، فزاد العبارة المذكورة مرارًا، مختلطةً عليه خاتمةُ النَّسْخ بخاتمة التأليف.
ومما يؤيد أنها خاتمة نَسْخ، وأنها للناجي، أنه كان ربما طوَّل خواتيم نَسْخِهِ لمجلدات «الكواكب الدراري»، ودعا فيها بدعواتٍ وعباراتٍ كثيرة، فهو أسلوبٌ معتادٌ له.
- أن نسبة الكتاب إلى ابن الزملكاني وقعت في النسخة الثانية صريحةً، ولا أتبيَّنُ إن كان الناسخ نقلها عن الناجي كما نقل سائرَ النسخة أم لا، فإن كان فلعل الناجيَ وقع على نسخةٍ منسوبةٍ إليه فنقلها كما هي. وللكتاب نسخةٌ أخرى -في برنستون (4353Y)- منسوخةٌ في عصر الناجي، ومنسوبةٌ للسبكي نصًّا. وليس هذا موضعَ تحرير ذلك، والله أعلم بحقيقة الحال.
* * *
نسخة الناجي لهذا الكتاب في السابع من رمضان 834هـ هي أقدم ما رأيتُ مما ينتمي إلى المرحلة الثانية من حياة الناجي، أما آخرُ ما رأيتُ من المرحلة الأولى فهو منسوخته لمجلدٍ من «الكواكب الدراري»، أرخها في حادي عشرين رجب، سنة 831هـ. وإذن فلا بد أنه وقع ما بينه وبين شيخه فيما بين هذين الوقتين، والله المستعان.
والذي يظهر من نسخة الناجي وخاتمته لها أنه تحوَّل في هذه المدة تحوُّلًا كبيرًا، وأن تأثُّره لم يكن مذهبيًّا فقهيًّا فحسب، بل هو اعتقاديٌّ فكريٌّ مسلكي، ونفسيٌّ -أيضًا- فيما يبدو، خصوصًا وهو الشاب الذي أتمَّ الرابعة والعشرين قبل أشهرٍ فقط.
إن منابذةَ الناجي لابن تيمية ومنهجه ظاهرةٌ بمجرد عنايته بهذا الكتاب الذي يبدأ بتضليل ابن تيمية في الأصول والفروع، بعد أن كان ينسخ مصنفاته ورسائله وفتاواه، ثم في نَسْخِه لذلك الكتاب نَسْخَ الراضي به، المقرِّ له، مع الدعوات بأن ينفعه الله به وإخوانَه وأصحابَه والمسلمين، وأن يثبته على الكتاب والسنة، ويعيذه من البدع المضلة والأهواء المردية.
ثم نرى الناجي يؤكد «نجاته» من مسلك ابن تيمية بإثبات أشعريته معتقدًا، ثم بانتسابه إلى الحصني، أحد ألد أعداء هذا المسلك وخصومه.
وأخيرًا يُثبت الناجي لقبه الذي لُقّب بل اشتهر به -كما يقول-، ثم يبقى على تعريف نفسه به إلى آخر حياته، وهو لقب ينطوي على دلالاتٍ عميقةٍ في إطلاقه وقبوله تتعدَّى مجردَ الانتقال المذهبي: «الناجي»!

[1] يشكل على ذلك أن الناجيَ أرَّخ فراغه من نَسْخ أحد مجلدات «الكواكب الدراري» بقوله: «وكان الفراغ منه يوم الثلاثاء، لثاني عشر خلون -كذا- من المحرم، سنة خمس وأربعين وثمانمائة من الهجرة النبوية، على يد أفقر عباد الله إلى رحمته: إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي…». وهذا التأريخ خطأ قطعًا، لأمور منها:
- أن على المجلد إلى آخره خطَّ ابن عروة نفسِه، وأُثبتت عليه إلى آخره بلاغاتُ القراءة عليه، ولم يكن ابن عروة موجودًا أصلًا سنة 845هـ، بل مات قبل ذلك بسنين.
- ولو قيل إن الناجي نسخ المجلد بعد وفاة ابن عروة، فالواقع أنه نسب نفسَه في خاتمة النَّسخ حنبليًّا، والثابت أنه تشفَّع في حياة ابن عروة لا بعد وفاته -كما مرَّ في كلمات المترجمين، ويأتي له مزيد-.
- ثم إن يوم 12 محرم سنة 845هـ لا يوافق يوم الثلاثاء ولا يقاربه، بل ذلك كان سنة 825هـ، وهو الذي يظهر أن الرجل أراده فذهل وكتب ما كتب، يشير إلى ذلك أن ذلك المجلدَ من النسخة المختصرة التي ذكر ابن المبرد أنه ألَّفها أولًا في أربعة عشر مجلدًا، ثم زاد فيها ما زاد، أما مجلدات النسخ المطولة التي وقفتُ عليها بخط الناجي فهي مؤرخة بأواخر سنة 825هـ فصاعدًا.


اترك رداً على محمد بن عبدالله السريّع إلغاء الرد