كتب النسَّاخُ القدماءُ تواريخَ نُسَخهم بالحروف المبسوطة، فقيَّدوا اليومَ والسنةَ بترتيبهما العددي، ونصُّوا على مسمَّى الشهر تامًّا لا على ترتيبه، وهذه كانت العادةَ العامةَ الغالبةَ فيما وقفنا عليه من مخطوطات التراث العربي.
ثم وقفنا على نماذجَ عديدةٍ يورد فيها الناسخُ اليومَ والشهرَ بالحروف، ثم يرقُم السنةَ رقمًا بما يسمَّى «القلم الهندي»، ظهر ذلك في القرن السادس فصاعدًا، وكثر في القرن التاسع الهجري، حتى غلب بعد ذلك غلبةً ظاهرةً في تعيين السنة، سواء في متن الكتاب أو في خاتمته.
وأما أقلُّ تلك العادات وألطفُها، فَمَا يشابه واقعَنا المعاصرَ في كتابة تاريخ اليوم والشهر والسنة جميعًا بالرقم، وهذه طريقةٌ طريفةٌ فاذَّة في خواتيم النسَّاخ القدماء خصوصًا.
وقد لاحظتُ تكرُّر وقوعها من المحدِّث المقرئ أحمد بن النصير بن نبأ، المعروف بابن الدفوفي (ت 695هـ)، وهو أقدمُ مَن رأيتُه نهج هذا السبيل، ثم رأيتُه زاد فيه ما هو أبعدُ في اللطف وأَفَذُّ، ذلك أنه رمز لاسم اليوم -أيضًا- بحسب الرقم المقابل للفظه، وهو أمرٌ مستعملٌ في بعض الدوائر الإدارية اليوم.
ووقفتُ من ذلك في منسوخاته على أربعة نماذج:




وشابهه ناسخٌ بعد قرنٍ من الزمان، لكن مع فصل الأرقام بعضها عن بعض، وإدخال بعض الحروف فيما بينها، فكتب: «في يوم ٥، ٢٧، ٨، من عام ٧٧٣ للهجرة النبوية…» (الخميس، السابع والعشرين، من شعبان، سنة ٧٧٣هـ):

ورأيت ناسخًا آخر استعمل هذه الطريقة بزيادةٍ فيما بين الأرقام، كما لو كان يقيِّد الجميع حروفًا، فكتب: «يوم ٢٦ من ٤، سنة ٧٢٩» (السادس والعشرين، من ربيع الآخر، سنة ٧٢٩هـ):

وإجمالًا، فمسألة (تأريخ النَّسخ) في التراث العربي تستحقُّ الإفراد برأسها بكتابةٍ كبيرةٍ محرَّرة، معتمدةٍ على النصوص والنماذج والملتقطات، لكثرة ما يعتورها من أحوالٍ واحتمالاتٍ وإشكالات، وما يُستَطرف فيها من فَوَاذَّ وشَوَاذّ.

اترك رداً على محمد بن عبدالله السريّع إلغاء الرد