نشرة “المواعظ” لأبي عبيد القاسم بن سلام: نموذج من مشاكل النسخة الفريدة

صدر مؤخرًا عن دار البشائر الإسلامية، بتحقيق الشيخ فريد بن محمد فويلة، كتاب “المواعظ” للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت 224هـ)، اعتمد فيه المحقق على نسختين خطيتين، يحوي إحداهما مجموع نفيس في المكتبة الوطنية الإسرائيلية بالقدس، وتُحفَظ الأخرى ضمن مجموعة الرفاعية في مكتبة جامعة لايبزيك بألمانيا [1].

وقد كان الكتاب طُبع قديمًا بتحقيق الدكتور رمضان عبدالتواب -رحمه الله-، اعتمادًا على النسخة الثانية فحسب، حيث كان يُظَنُّ أنها فريدة لا ثاني لها، وسمَّى الكتاب: “الخطب والمواعظ”، متابعةً لما جاء في بداية النسخة، مع أنه لم يقع كذلك في صفحة عنوانها.

وقد بيَّن محقق الطبعة الجديدة طرفًا من الإشكالات التي وقعت في النسخة الألمانية، خصوصًا تشوُّش ترتيبها، وما كان من الدكتور عبدالتواب من متابعةٍ لها على حالها، وما نتج عن ذلك من أخطاء كبرى، أبرزها تركُّبُ أسانيدَ لا وجود لها، واضطرابُ جملةٍ من النصوص، ودخولُ أحاديثَ في أحاديث.

وقد كان الدكتور عبدالتواب أشار إلى تحريفات النسخة واضطراب نصوصها وتشوُّشها، غير أنه لم يعالج جميعَ ذلك معالجةً صحيحة، وعليه فليس من بُدٍّ من الحذر في التعامل مع نشرته، وعدم الاعتماد عليها في البحث والنظر.

ومما أشار إليه الشيخ فويلة -من غير بيانٍ وافٍ- أن مفردة “الخطب” التي أُقحمت في مطلع النسخة الألمانية، وتابعها بروكلمان والدكتور عبدالتواب، لم تقع في عنوان النسخة المقدسية -وهي الأقدم والأنفس-، ولا في سماعاتها، ولا تعرف في إطلاقات العلماء وتسمياتهم للكتاب، بل ولا تتفق مع مضمون الكتاب الذي يجمع مواعظ الأنبياء والصحابة، ويُعنَى بإبرازها سواء وقعت في الخطب أو في غيرها -كما في صريح بعض أبوابه-، وليس فيه قصدٌ إلى جمع الخطب من حيث هي خطب. وعليه فوجب تصويب عنوان الكتاب، واعتماد مسمَّاه الصحيح في النقل والإحالة.

هذا، وقد أطال المحقق نفَسَه في دراسة الأحاديث وتخريجها جدًّا حتى خرج عن مقصود تحقيق الكتاب، ووددتُ أن لو اختصر المحقق -وفقه الله- حواشيَه وتخريجاتِه، أو جعلها في كتابٍ مستقل، وأن لو عُني بسماعات النسخة المقدسية ودراستها بعضَ عنايته بالتخريج، وأن لو اجتهد في إعادة ترتيب النسخة الألمانية، وأن لو ظهرت آثار مقابلته بها، فإن فروق النسخ نادرة في التحقيق أو معدومة، حتى في مواضعَ أشار المحقق نفسُه في وصف النسختين إلى تبايُنهما فيها، هذا مع وقوفه على النسخة الألمانية جزمًا.

وأدناه للاستزادة صورة من نقد المحقق للطبعة السابقة.

والله الموفق للصواب.


[1] شاكرًا لفضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي تفضُّله بإهداء نسخةٍ من هذه النشرة.



ردّ

  1. صورة أفاتار أحمد بن جمغة

    جزاك الله خيرا
    عهدك أنك مفيد
    فإلى مزيد

اترك رداً على أحمد بن جمغة إلغاء الرد