لم أتابع يومًا البثَّ الحيَّ لصلاة الظهر من المسجد النبوي، ولا أظن أحدًا فعل، إلا ظهر ذلك السبت الحزين، تاسع رجب 1437هـ، فقد أردتُ أن أشهد ولو طرفًا من الوداع الأخير، لرجلٍ غيَّر في نفسي كثيرًا سنواتٍ مضت، وزرع فيها آثارًا لا تمحى، ثم فارقنا بغتةً ونحن نرسم خطط رمضاننا القادم بعد شهرين في ظلال وجوده.
لقد عرفت الأمةُ الشيخ محمد أيوب -رحمه الله- قارئًا، ومقرئًا، وإمامًا لم يكد يقف في محاريب هذا العصر مثله، وما تكلم في سيرة الشيخ متكلمٌ إلا وأخذتْه شهرةُ الشيخ بنداوة التلاوة، ووفاء الأداء على الوفاء، فصعب عليه أن ينحي هذا الجانب جانبًا في كلامه[1].
ولكني سأحاول أن أنحيَه اليوم، لأضيء زاويةً غُفلًا في سيرة الشيخ وحياته وأيامه الأولى، قلَّما رأيتُ حديثًا مستفيضًا فيها، وهي زاوية البحث العلمي -التراثي خصوصًا-.
ولا يعدو المقصودُ من ذلك أن يكون سردَ معالم تجربةٍ من تجارب الباحثين في مرحلةٍ سابقة، مع الإضافة إلى ترجمة الشيخ، وبيان جدِّيَّته البحثية، ومنهجيَّته العلمية، بما لا أرى أنه متبيِّنٌ في موضعٍ آخر.
ولم تكن الكتابة في هذا الجانب ممكنةً لولا أن الشيخ -رحمه الله- سرد في مقدمتَي رسالتَيه للماجستير والدكتوراه (مرويات سعيد بن جبير في التفسير) تجربتَه الشخصية، وما واجهه من صعوبات، وما نهض إليه من أعباء، بحيث يمكن استخلاص حقائقَ وملاحظاتٍ وآراء في السيرة البحثية، والمنهج العلمي، والاختيارات التراثية للشيخ -رحمه الله-.
وأدناه تقاييدُ وإشاراتٌ وخلاصاتٌ من ذلك، في فقراتٍ مرقَّمة من غير ترتيبٍ ذي بال، والله ولي التوفيق.
1- التحق الشيخ بقسم الدراسات العليا لإكمال دراسة الماجستير بعد تعيينه معيدًا في قسم التفسير من كلية القرآن الكريم وعلومه، وعزا الفضل في التحاقه بالقسم -بعد فضل الله- إلى فضيلة الشيخ عبدالمحسن بن حمد العباد -رعاه الله-.
2- أزجى الشيخ شكره للشيخ حماد بن محمد الأنصاري -رحمه الله- على أن فتح له «مكتبته القيمة المليئة بالكتب النادرة المخطوطة والمطبوعة»، ووجَّهه في كل ما يحتاج إليه في سبيل إنجاز رسالته، كما ذكر أنه أطْلعه على فهرسٍ شاملٍ لكتب التفسير الموجودة في ألمانيا الشرقية، وفيها جلُّ ما اعتمده السيوطيُّ من تفاسير في كتاب «الدر المنثور»[2].
3- يرى الشيخ أن التراث الإسلامي «في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى من يُحييه، لأنه متناثر في شتى الأماكن المتفرقة من أنحاء العالم»، ويبين خطورة وقوعه في أيدي من يحبسه عن طالبيه، إما بعدم السماح بتصويره، أو بفرض «المبالغ الخيالية الباهظة» لذلك.
4- يرى الشيخ أن للسيوطي فضلًا كبيرًا في جمع عددٍ من مؤلفات التفسير في «الدر المنثور»، لولا أنه حذف أسانيدَ المرويات التي يوردها، فصار هو الآخر بحاجة إلى عنايةٍ وبحثٍ عن أصوله التي اعتمد عليها، وإبرازها ونشرها.
5- اقتبس الشيخ موضوعه لرسالة الماجستير (سعيد بن جبير ومروياته في التفسير) من فكرةٍ طرحها الدكتور مصطفى زيد -رحمه الله- في السنة المنهجية، حيث اقترح على طلاب الشعبة اختيارَ بعض الصحابة والتابعين، وجمعَ آثارهم في التفسير ودراستها، فسجَّل غيرُ واحد منهم في هذا المسار بناءً على ذلك، سمَّى الشيخ بعضهم.
6- أشرف الدكتور مصطفى زيد على الشيخ يسيرًا في مطلع عمله في رسالة الماجستير، ولما انتقل إلى رحمة الله (أواخر شوال 1398هـ) كُلف بالإشراف عليه الشيخ أبو بكر جابر الجزائري.
وأشرف على الشيخ في الدكتوراه الدكتور محمد سيد طنطاوي، حتى عُيِّن مفتيًا للديار المصرية (أواخر صفر 1407هـ)، فأسند الإشراف إلى الدكتور عبدالعزيز محمد عثمان، الذي وصفه الشيخ بـ«سماحة والدنا وشيخنا»، وبقي مشرفًا عليه إلى أن أنجز أصل عمله في خامس ربيع الأول 1408هـ، رحم الله الجميع.
7- كانت خطة الشيخ في رسالة الماجستير تقتضي أن يجمع مرويات سعيد بن جبير في تفسير القرآن الكريم كاملًا، ثم يقارن بين أقواله وأقوال أقرانه من التابعين أسلوبًا ومنهجًا، لكنه قضى سنتين ولم يفرغ من جمع المرويات، وكان بدا له مبكرًا عند انتهائه من «تفسير الطبري» -وحده- أن مادةَ البحث واسعةٌ جدًّا، ثم في أثناء جرد «تفسير ابن أبي حاتم» تبيَّن له ضرورة تحديد الموضوع بالثلث الأول من القرآن الكريم، والاكتفاء بالجمع دون المقارنة، وهو ما كان أخيرًا.
8- رغب الشيخ أن يكمل موضوع رسالته للماجستير في رسالة الدكتوراه، حتى لا يبقى الموضوع ناقصًا -حسبما نُصح في قسم الدراسات العليا-، لكن حصل له أول الأمر تردُّدٌ بسبب اعتراض بعض مسؤولي القسم على ذلك، حتى إنه اتَّجه إلى تسجيل الرسالة في آثار عطاء بن أبي رباح في التفسير، ثم يسَّر الله له العودة إلى تكملة موضوعه الأول.
9- اتبع الشيخ طريقة الجذاذات (البطاقات) في جمع المرويات التفسيرية لسعيد بن جبير (ولعله كان يقسمها بحسب السور والآيات)، وذلك مرورًا على كل تفسير، سواءً كان قولُ سعيد واردًا في تفسيرٍ جرده سابقًا أم لا، بحيث لم يفرز البطاقات ويستبعد المكرر إلا بعد نهاية الجرد.
10- ذكر الشيخ أنه قد يصحح الأخطاء والتصحيفات والتحريفات في متن الرسالة، ويشير في الحاشية إلى ما وقع في الأصل، وقد يعكس، وبيَّن أن للمختصِّين في ذلك مذهبين، وأنهم لم يتفقوا على واحدٍ منهما بعد، مما يشير إلى معرفة الشيخ بأصول التحقيق وضبط النصوص.
11- جرد الشيخ كتبًا عديدةً من كتب التفسير بالمأثور، وكان بعضها في هيئته المخطوطة آنذاك، مستفيدًا من مصوَّرات المكتبة المركزية بالجامعة، ومنوهًا بزميله الشيخ مصطفى عبدالجليل (؟) الذي طوَّر مكتبة الدراسات العليا.
12- جرد الشيخ الأجزاء الموجودة من «تفسير ابن أبي حاتم» مخطوطةً، غير أنه وجد -في عمل الماجستير- الجزءَ الثانيَ ناقصًا من مصوَّرة الجامعة الإسلامية، وعلم أنه مصوَّر في دار الكتب القطرية، فسافر إلى قطر لتحصيله، متوقعًا أنه سيعود سريعًا لإكمال بحثه.
13- كلَّفت الجامعة الشيخ بتصوير مجموعةٍ كبيرة جدًّا من المصوَّرات الموجودة في دار الكتب القطرية، مع أن جلَّها كان خارج نطاق بحثه، وانتُدب لهذه المهمة شهرًا كاملًا واجه خلالها بعض العقبات التي ذلَّلها الله له بتوفيقه[3].
14- اعتمد الشيخ في «تفسير الطبري» على طبعة الشيخين أحمد ومحمود شاكر -رحمهما الله-، إلى قدر ما انتهى إليه منها، وقد استفاد الشيخ من تحقيقهما، ونقل عنهما كثيرًا. كما فصَّل ما اعتمده من طبعات التفاسير الأخرى.
15- سافر الشيخ إلى السنغال في مهمة رسمية (دعوية) من قبل الجامعة الإسلامية، وذلك في أواخر عمله على رسالة الدكتوراه (عام 1407هـ)، واصطحب معه عمله ومصادره، وذكر أنه غايَرَ في اعتماد طبعات «الدر المنثور» لظروف هذا السفر.
16- جرد الشيخ لمشروعه جملةً -سوى ما سبق ذكره- من التفاسير، هي: تفسير عبدالرزاق -مخطوطًا-، وتفاسير البغوي، والثعلبي، وابن عطية، وابن الجوزي، والقرطبي، والخازن، وابن كثير، والثعالبي، والشوكاني، و«الدر المنثور» للسيوطي، فضلًا عن كتب التفسير داخل بعض كتب السنة النبوية.
17- من الملحوظ اطلاع الشيخ الجيد على الأبحاث العلمية والرسائل الجامعية التي تدور في فلك موضوعه، فقد عدَّ منها جملةً وافرةً في مقدمة رسالة الدكتوراه، وراجع لأجلها مصادر سابقة، وأورد ما هو من اطلاعه الخاص، وذكر ما نوقش وما سُجِّل وما هو قيد الإعداد، ولم يلتزم ذكر ما يتعلق ببحثه فحسب، بل جاوزه إلى ما ليس له به علاقة.
18- من الملحوظ جودة تتبُّع الشيخ -خصوصًا في رسالة الدكتوراه- للنسخ الخطية ومصوراتها التي راجعها في بحثه، فقد ذكر -مثلًا- أن «تفسير ابن أبي حاتم» يقع في 12 مجلدًا، وُجد منها خمسة، هي الأول (وذكر له نسختين ومصوَّرةً لإحداهما)، والثاني (وذكر له نسخةً وثلاثَ مصورات لها)، والثالث والرابع والسابع (وذكر لكلٍّ منها نسخةً ومصوَّرةً لها)، كما ذكر لـ«تفسير عبدالرزاق» نسختين، وعدة أجزاء من نسخ تفسير الثعلبي «الكشف والبيان»، وراجع نسخة خطية لـ«تهذيب الكمال» فيما لم يطبع منه وقتئذ.
19- راجع الشيخُ في بحثه -خصوصًا الدكتوراه- جملةً من المختصِّين في تخصصات التفسير والحديث والقراءات والتاريخ، ممن احتاجت الكتابة في موضوعه إلى مراجعتهم، وأسدى إليهم شكره في مقدمة الرسالة.
20- ختم الشيخ رسالتَيه بخاتمتين مفصَّلتين، مستخلصتين تمامًا من بحثه الطويل، مع الإحالة إلى نماذج من كل نتيجةٍ توصَّل إليها، وليس في خاتمتيه حشوٌ أو عموماتٌ لا يستقلُّ باستنتاجها بحثه.
رحم الله الشيخ محمد أيوب رحمةً واسعة، وجزاه عن قراءته وإقرائه وبحثه وتعليمه خير الجزاء وأوفاه.
[1] خصص الأستاذ عمار محمد أعظم مبحثًا للحديث عن «الشيخ محمد أيوب مؤلِّفًا»، في ترجمته الموعبة النافعة للشيخ، لكنه جاء في صفحةٍ واحدةٍ فقط (ص266)، مقتصرًا فيه على سرد أسماء مؤلفاته وأعداد صفحاتها. وتحدث ابنا الشيخ الأستاذ خالد والدكتور الزبير في مقابلةٍ مسجلةٍ حديثًا موجزًا عن الجانب العلمي في حياة الشيخ -رحمه الله-، تقتضيه طبيعة المقام.
[2] إشارة إلى الفهرس الشهير بـ«مسيل اللعاب»، الذي لم تتبين دقة معلوماته حتى الآن.
[3] لا نعلم اليوم كم من كتابٍ حُقق، ومخطوطٍ طُبع، كان وصوله إلى الباحثين عن طريق الشيخ -رحمه الله وأجزل مثوبته-.

اترك رداً على فالح إلغاء الرد