عرضتُ في بحثٍ سابقٍ لقضيتَي القطع والمصورات، وما ينشأ عنهما من إشكالاتٍ في تحقيق التراث العربي ونَشرِه، وهي مسائلُ قديمةٌ متجددة، لا يكاد يمكن الوقوف على مُبتَدَئها كما لا تكاد تنقطع.
وقد كانت لي مطالعاتٌ قديمةٌ في القطعتين الموجودتين من «تاريخ بغداد» للفتح بن علي البنداري (ت 643هـ)، لمعرفتي بأهميته البالغة، الناشئةِ عن أمورٍ أبرزها حفظ بعض مادة «المذيل» للسمعاني، والترجمة لمتأخري البغاددة بعد الخطيب البغدادي.
وإذْ نُشر الكتاب هذا العام (1444هـ) نشرةً بهيَّةً بتحقيق الأستاذ البحَّاثة د. إحسان ذنون الثامري، فقد أخذني البِدار إلى اقتناء هذه النشرة، والإفادة منها، وبدتْ لي فيها ملحوظاتٌ تتعلَّق أولًا بكونها قطعةً غيرَ تامَّةٍ من الكتاب، ثم باعتماد المحقق على مصوراتٍ مَشُوبةٍ للقطعتين، ثم بأمورٍ أخرى، ورأيتُ أن من تكميل العمل وتجميله أن أبدي ذلك كلَّه للعموم، راجيًا فيه إفادةً للكتاب ومحققه وقارئه، وآملًا أن متهمِّمًا بالكتاب يناقش ويزيد ويفيد.
القطع
برز منذ النظرة الأولى تقصيرُ المحقق في توضيح حدود محتوى الكتاب في وجه غلافه، وعدمُ تصريحه بأنه قطعةٌ يسيرةٌ منه، على أنه أوضح ذلك في مقدمته، إلا أنه لم يكن يحسن إغفال البيان في ظَهرية الكتاب، بُعدًا عن الإيهام الذي يتعارض مع أعمال التحقيق التراثي في كافة مستوياتها.
وليس الغرض من ذلك أداء أمانة التحقيق فحسب، بل إنه ربما نشأت عن إيهام اكتمال الكتاب إشكالاتٌ أخرى، كالتقصير في النظر في قِطَعِه الأخرى -إن وُجدت-، ظنًّا أنها مضمَّنةٌ في نشرته، وقد وقع ذلك -مثلًا- في كتاب «الصيام» لجعفر بن محمد الفريابي، الذي نشر منه الجزءان الرابع والخامس -فحسب-، وأوهم محققُه -وربما كان توهَّم- اكتمالَ الكتاب بهما، فبقي جزؤه الأول غيرَ معتنًى به سنين طوالًا، مع أن المحققَ نفسَه أشار في مقدمته إلى وجوده، ظانًّا أنه نسخةٌ أخرى لما حقَّقه.
وقد بيَّن د. الثامري في وصف القطعتين (1/م35) أن قطعة باريس كانت «في غاية الاضطراب»، وأنها أخذت منه «وقتًا طويلًا لإعادتها سيرتها الأولى»، واجتهد في بعض هذا ما لا يوافق عليه من تغيير ترتيب تراجم الكتاب مع اتصالها في المخطوط، لكن الذي يهمنا هنا هو جعلُه أولَ قطعة باريس أولَ الكتاب، وبدايتُه الكتابَ بتراجم الأحمدين.
وقد وصف المحقق قطعة باريس بأنها «متسلسلة»، ثم استغرب أن آخر المذكورين فيها من الأحمدين: أحمد بن الحسين، وقال: «ولا أدري كيف انتقل البنداري مباشرة إلى المحمدين!». وهذا مستغربٌ من المحقق، فالانقطاع في ذلك الموضع (1/179) ظاهرٌ جدًّا، وليس ثمة انتقالٌ مباشرٌ من البنداري نفسِه، وقد نصَّت الفهرسة الفرنسية للنسخة على أن فيها «فجوات»، ولذا فإن المحققَ نفسَه أدخل تراجمَ المحمدين من قطعة تشستربيتي في هذا الموضع، لأن «مكانها الطبيعي يفترض أن يكون بعد الأحمدين وقبل المحمدين من قطعة باريس»، بحسب وصفه.
ومن الواضح أن المحقق كان مترددًا في هذا التصرف، إذ بيَّن أنه توكل على الله وتجرأ على هذا النص التراثي، وأدخل القطعة المذكورة في الموضع المذكور.
وجاء هذا التصرف في النهاية غريبًا، ظاهرَ الخطأ، إذ لم يتقن المحقق ترتيب الكتاب، وقد كان ينبغي أن يفعل، للأمور البيِّنة الآتية:
- ختم البنداري تراجم المحمدين في آخر قطعة باريس [116أ] بقوله: «انتهت ترجمة المحمدين من الكتابين، والحمد لله رب العالمين، ونبتدئ الآن -بتوفيق الله وعونه- بذكر من أول اسمه حرف الألف، ثم حرف الباء والتاء، على الولاء، إلى آخرها… تم المجلد الأول من الكتاب…». والمؤسف أن مصوَّرة المحقق من النسخة لم تساعده في تَبَيُّن أغلب هذا النص، بل ذكر في حواشيه عليه (3/363-364) أنها أسطرٌ وكلماتٌ «طمسها الحبر»! وهذه من إشكالات قضية المصوَّرات الآتيةِ الإشارةُ إليها، وإلا فالنصُّ السابق واضحٌ في الأصل لا لبس فيه ولا طمس.

- كان ينبغي للمحقق أن يتساءل: إذا كان البنداري رتَّب كتابه حسب ترتيب حروف المعجم، فكيف اختتم مجلَّدَه الأولَ في آخر المحمدين؟ وهل يعقل أن تكون مادة كتابه بهذه السعة، ومنهجه بهذا البسط، ثم يصل من حرف الألف إلى حرف الميم في مجلد واحد؟
- كان ينبغي للمحقق أن يتساءل: إذا كان البنداري بنى كتابه على كتاب الخطيب البغدادي، أفلن يجري في ترتيبه مجراه؟ وقد بدأ الخطيب -كما هو معلوم- بتراجم المحمدين، ثم رتب البقية حسب ترتيب حروف التهجِّي.
- كان ينبغي للمحقق أن يتساءل: لمَ اختلفت مسطرة قطعة تشستربيتي (25 سطرًا) عن مسطرة قطعة باريس (23 سطرًا)، مع أن القطعة الأولى -حسب رأي المحقق- منتزعةٌ من وسط القطعة الثانية؟
وإذن، فقد نصَّ المؤلف -بلا مواربة- على طريقته في الترتيب، وأنه بدأ كتابه بتراجم المحمدين، ثم عقَّبها بتراجم من أول اسمه حرف الألف، مثلما فعل الخطيب في كتابه الذي هو أصلُ هذا الكتاب وأصلُ أصوله.
وعليه، فحقُّ قطعة تشستربيتي التقديم، وأولُها (محمد بن أحمد بن خالد) هو أول الموجود من الكتاب، ثم تتَّصل إلى أثناء المحمدين ممن اسم أبيه عبدالرحمن (1/183-2/360)، ثم يقع انقطاعٌ يبدأ بعده القسمُ الثاني من قطعة باريس، وهو في أثناء تراجم المحمدين ممن أول اسم أبيه حرف العين، ويتَّصل إلى آخر القطعة، وهو آخر المحمدين (2/361-3/364)، ثم يبدأ بعد ذلك القسمُ الأول من قطعة باريس، وهو المجلد الثاني بتجزئة المؤلف، المفتتح بتراجم الأحمدين، ويستمر إلى أثناء الأحمدين ممن اسم أبيه الحسين (1/7-178)، وهو آخر الموجود من الكتاب.
وليس مشكلًا أن المؤلف قدَّم لتراجم الأحمدين ببسملةٍ وحمدلة، فهذا أمر مشهور مكرور في عادات النساخ والمؤلفين في افتتاح أجزائهم ومجلداتهم.
وبما سبق اتَّضح الجواب عن إشكال اختلاف المسطرة في القطعتين، إذ قطعة تشستربيتي سابقةٌ لقطعة باريس، لا منتزعةٌ منها، والواضح أن المؤلف ابتدأ الكتاب بمسطرة موسَّعة، مضيفًا على المسطرة الأصلية (23 سطرًا) سطرين مضغوطين بأسفل كل ورقة -كما هو واضح من تتبُّعهما في القطعة-، ثم استقرَّ على المسطرة الأصلية فيما بقي من المجلد الأول، وفي ابتداء المجلد الثاني.
المصوَّرات
ذكر المحقق أنه بعد وقوفه على قطعة باريس بحث ونقَّب في فهارس المخطوطات، فوجد «عددًا من المخطوطات يحمل اسم (تاريخ بغداد) أو (ذيل تاريخ بغداد) مفهرسةً بلا اسم المؤلف، أو لمجهول»، فراح يفتش فيها، حتى وفق بالوصول إلى قطعة تشستربيتي.
وظاهرُ هذا النص أن قطعة تشستربيتي منسوبةٌ لمجهول، أو لم تُفهرس لمؤلفها، وواقع الأمر بعكس ذلك تمامًا، فهي مفهرسةٌ بشكلٍ صحيحٍ منسوبةً إلى البنداري، في «قائمة المخطوطات العربية» بالمكتبة، التي أعدها آرثر ج. آربري، وصدرت عن المكتبة بين عامي 1955-1964م، وصدر الجزء الذي يتضمَّن فهرسة هذه النسخة ذاتها عام 1959م، أي قبل أكثر من 60 سنة، وعنه أُخِذت بطاقة المخطوط التي لا تكاد تخلو مصوَّرات تشستربيتي منها.

وللعناية بفهرسة النسخة، ووصفِ من وقف عليها لها، أهميةٌ كبرى في وزن الدراسات العلمية والمادية للمخطوطات، فهي تبيِّن حقائقَ في السبقِ إلى النسخ، والتعرُّفِ على القطع المبتورة، وهي -أيضًا- تجوِّد وصف المحقق لنسخته، وتدفع عنه الأوهام والإشكالات التي قد تنشأ عن المصورات، والأصول منها براء.
وقد مرَّت الإشارة إلى إشكالٍ كبيرٍ وقع فيه المحقق في ترتيب قِطَع الكتاب، إذ خفي عليه نصٌّ مفتاحيٌّ مهمٌّ في طريقة ترتيب المؤلف كتابَه، وذلك لسوء المصوَّرة التي عمل عليها، وزاد على ذلك بأن وصف ما وقع بأنه طمس حبر، وهو خطأ يقع فيه كثير من المحققين، فيحمِّلون النسخ أوزار المصورات، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
وفي سياق إشكالات المصورات -أيضًا-، فقد ذكر المحقق في وصفه لقطعة تشستربيتي أنها «تتألف من 98 ورقة»، مخالفًا بذلك ما جاء في فهرسة النسخة من أن أوراقها 100 ورقة. وقد كان لهذا التفاوت أن يغتفر لو لم يكن له أثر، لكنَّ أثرَه كان بالغًا في استقامة النص واكتماله، فقد تبيَّن أن النصَّ عند المحقق ناقص، وأنه بقي في النسخة الخطية 5 أوجه كاملة أسقطها المحقق لنقص المصورة التي وقعت له، حيث نصَّ في موضعه (2/360) على أن «هذا آخر ما في قطعة جستربتي»، مع أن التتمة موجودة في الأصل الخطي [98ب-100ب]، ومع أنه يبعد أن يُنهيَ الناسخُ نسختَه فجأةً في آخر وجه الورقة (اللقطة اليسرى في اللوحة المصورة) مع أن السياق متَّصل. وإذن فقد بقيت من الكتاب أكثر من 20 ترجمةً لم تنشر بعد.
ويحضرني مما وقع فيه شبهُ هذا، مما تكون المصورة فيه سببًا للنقص: كتاب «المنتخب من العلل» للخلال، حيث طبع أولًا ناقصًا قدر لوحتين، ثم طُبع ناقصًا قدرًا يسيرًا مع أن المحقق ادعى إكماله. ومن ذلك: كتاب «إكمال تهذيب الكمال» لمغلطاي، فقد سقطت منه جملة من التراجم بسبب الاتكاء على مصورةٍ ناقصة، ولم تنشر إلا قبل أسابيع يسيرةٍ في طبعةٍ لاحقة. ومنها: «نتائج الأفكار» لابن حجر، فإن آخر المطبوع منه في أبواب أذكار الحج محقَّقٌ على نسخةٍ تتضمَّن تكملةً له، حيث بقيت فيها بقيةٌ لم يكملها المحقق، ولعله لرداءة مصوَّرته.
وقد كنتُ ناديتُ في بحثي الذي ابتدأتُ هذه المقالةَ بالإشارة إليه، وفي غيره، وأكرر النداء إلى تعديد المصورات، وعدم قناعة المحقق بالمصورة التي تتهيأ له بادئ الأمر، ووجوب محاولته تحصيلَ المصورة من مصدر النسخة الذي يحتفظ بأصلها، لكون التصوير عنده غالبًا أتقنَ وأوضح -سواء كان ملونًا أو غير ملون-، وليس لأحدٍ -ونحن فيما يسَّره الله من سهولة التواصل ونقل البيانات- كبيرُ عذر. فأما نسختا كتاب البنداري، فإن قطعة باريس مرفوعةٌ على الموقع الإلكتروني للمكتبة بأوضح تصوير، وقطعة تشستربيتي متداولة في الشبكة العالمية كاملةً غير ناقصة.
ملحوظات أخرى
هذا، وقد رأيت للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي نقلًا عن الكتاب، فرجوتُ أن أجد له أثرًا في مقدمة المحقق وفي عمله، فلم يوافق الواقعُ المتوقَّع. ذلك أن ابن ناصر الدين قال في «توضيح المشتبه» (2/558): «وخفَّف نسبتَه أبو إبراهيم الفتح بن علي بن محمد بن الفتح البنداري الأصبهاني فيما وجدته بخطه في مختصره للتواريخ الثلاثة: تاريخ بغداد للخطيب، وذيله لأبي سعد ابن السمعاني، وذيله لأبي عبدالله محمد ابن الدبيثي، فقال: «محمد بن علي بن محمد بن محمد بن الطيب الجلابي»، ضم الجيم، وكتب علامة التخفيف فوقه، والمشهور التشديد».
ولم أجد المحقق استفاد من هذا النقل في بحث اسم الكتاب ومنهجه، وهل هو ذيل لهذه التواريخ أم مختصر لها؟ ثم لم أجده استفاد من ضبط البنداري لهذه النسبة في هذا الموضع -ولم أحقق إفادته من ضُبُوطه في مواضعَ أخرى-، بل إنه ضبط النسبة: «الجُلّابي» بالتشديد (2/448)، مع أن لفظة «خف» فوق اللام ظاهرة -كما ذكر ابن ناصر الدين-، ولعل المصوَّرة خذلت المحققَ هنا -أيضًا-.

وكان ينبغي التزام ضبط المؤلف في جملة الكتاب قدر الإمكان، فنسخةٌ مثلُ هذه في العلو، مكتوبةٌ بخط مؤلفها، لا يعلوها نسخة، ولا تصلح مخالفتها في شيء، فكيف وبعض أئمة الضبط يُعنَون بضبط المؤلف في كتب المشتبه؟ وكيف وعنايتُه بالضبط ظاهرة؟
وفي الصفحة نفسِها رأيت -اتفاقًا- حاشيةً عند قوله: «بحشل»، قال فيها المحقق: «كتب البنداري تحتها بخط دقيق: «اسمه عمر»، وبحشل هو أسلم بن سهل…، وأما ذكر «عمر» هنا فهو خطأ بلا شك». وبمراجعة الخط الدقيق تحت «بحشل»، تبيَّن أن البنداري كتب: «اسمه أسلم»، لا: عمر، وبرئ البنداري من هذا الخطأ الذي تسبَّبت به المصورة مرةً أخرى.

ومما يتَّصل بهذا أني حين البحث عن ترجمة الجلابي، فوجئت بأن المحقق اكتفى بفهرسة التراجم حسب ورودها في الكتاب، مع أن البنداري تسامح تسامحًا ظاهرًا في ترتيب ما بعد آباء المترجمين، جاريًا في ذلك على نهج القدماء، ولم يرتبهم ترتيبًا دقيقًا يمكن الركون إليه في البحث والفهرسة، وهذا نقصٌ ظاهرٌ في خدمات الكتاب وقرائه.
وإلى ذلك، فقد كنتُ أرجو أن يميِّز المحققُ التراجمَ الزائدةَ على كتاب الخطيب، خصوصًا ما نقله البنداري عن «المذيل» للسمعاني، سواء كان ذلك في عنوانات التراجم، أو في فهارس الكتاب، غير أنه لم يفعل.
***
هذا، ولا أراني محتاجًا إلى التأكيد على أنه لم يكن من وكدي التتبع والتقصي، وإنما هي ملحوظات عرضت بعد قراءة مقدمة الكتاب ومواضع منه، ورجوتُ أن فيها فائدةً لمحققه وقارئه، وأن يتيسَّر استدراكها وغيرِها في طبعاتٍ لاحقةٍ -بإذن الله-.
والله الموفق والمستعان.




اترك رداً على عبدالله محمد إلغاء الرد