لا يُعرف في عصرنا -في علمي- نموذجٌ منشورٌ لخط الشيخ الزاهد عبدالقادر بن أبي صالح الجيلي (الجيلاني/الكيلاني) الحنبلي (ت 561هـ)، وإنما اطَّلع الشيخ عبدالحي الكتاني (ت 1382هـ) في بعض زياراته مصرَ على قطعةٍ من كتاب «الخصال والعقود» لابن البنا الحنبلي (ت 471هـ) بخط عيسى ابن الشيخ عبدالقادر، قرأها على أبيه، وأثبت أبوه خطَّه بتصحيح ذلك.
وقد كانت هذه القطعة محفوظةً في مكتبة الشيخ محمد القصبي بطنطا في مصر، ثم ضُمَّت أخيرًا إلى مكتبة الأوقاف المركزية بالقاهرة، لكن انتُزعت منها -فيما يظهر- الورقةُ الأخيرةُ المتضمنةُ خطَّ الشيخ عبدالقادر، ومع أن الشيخ عبدالحي الكتاني صوَّر تلك الورقةَ في زيارته للمكتبة، إلا أني لم أر من مصوَّرته سوى لقطةٍ مبتورةٍ لا تتضمَّن خطَّ الشيخ.
ولبعض الباحثين مقالةٌ عن هذا الخط لم تنشر، ولم أطَّلع على مضمونها الذي قد يفيد وجود الخط في حقيقة الأمر.
غير أني كنتُ وقفتُ قديمًا على نموذجٍ واسعٍ من خط الشيخ عبدالقادر الجيلاني، وهو عبارةٌ عن قطعةٍ جيدةٍ من «سنن أبي داود»، تناوب الشيخ مع بعض أصحابه على كتابتها، لكنَّ سوادَها الأعظمَ بخطه، وقد كان هو صاحبَ النسخة كما تُشير إليه عدَّةُ قيودٍ فيها.



ومما يثبت أن خطَّ النسخة خطُّ الشيخ عبدالقادر:
- أنه كتب اسمه في بلاغات السماع مصرحًا بأنه الكاتب: «وكتب صاحبه عبدالقادر…».
- أنه كتب اسمه مجرَّدًا من الألقاب بأدنى عنوانِ جزءٍ من النسخة وإسنادِه، ودعا لنفسه بالانتفاع والرضا، فكتب: «سماعًا لعبدالقادر بن أبي صالح بن عَبْدالله الجِيْلي عنهُ، نفعهُ الله بِهِ ورضي عنه»، وهذه إحدى أقوى القرائن على نسبة الخط إلى صاحبه.
- أن الخطَّ فيما سبق مطابقٌ للخط في بقية النسخة، لا يفترق عنه في شيءٍ رسمًا وضبطًا وأسلوبًا.
- أن في النسخة وريقاتٍ ملحقةً (طيارة) في عدَّة مواضع، تدلُّ على أن صاحب النسخة هو الذي عُني بها وتمَّمها بخطه، والخط في هذه الوريقات مطابقٌ لما سبق كذلك، وصاحب النسخة -دون شك- هو الشيخ عبدالقادر.
ويلاحظ أن ثمة تشويشًا في كتابة اسم جد الشيخ «عبدالله» ونسبته «الجيلي» في المواضع الثلاثة كلها، إلا أنه ثابتٌ فيها جميعًا مقدارُ: «عبدالقادر بن أبي صالح»، وهو الشيخ لا غير، ثم قد استُكمل إسنادُ جزءٍ آخرَ من النسخة بخطٍّ مختلف، فكُتب فيه اسمُ الشيخ صاحبًا للنسخة كذلك دون إشكال. ولا أستبعد أن التشويشَ المشارَ إليه قديم، وأن الكتابةَ فوقه كتابةُ الشيخ نفسه، فإن الخطَّ والضبطَ واحد، والله أعلم بسبب ما حصل.
ولا بد من التنبيه إلى أن خطَّ الشيخ في هذه النسخة خطٌّ متقدِّم كتبه بعد قدومه بغداد بعشر سنوات، وكان يومئذٍ يدرج في الثامنة والعشرين من عمره.
ومما يلاحظ أن تفنُّنَ الشيخ في رسم الألف المتصلة بما قبلها -في الجزء الأول من كلمة «سماعًا»، وفي عدة مواضع أخرى من النسخة- مشابهٌ لتفنُّن ابنه في مواضع من نسخة «الخصال والعقود» المُبَدَّأ بذكرها.
وقد كان خط الشيخ عبدالقادر مما يُغالَى به عند المتأخرين، حتى ذكر يوسف ابن عبدالهادي (ت 909هـ) في «فهرست كتبه» (ص113) أن نسخةً من «الإرشاد» في الفقه تقوَّمت عليه بخمسمائة، لوجود خط الشيخ عبدالقادر عليها[1]. ولعله لم يفطن إلى خط الشيخ في هذه النسخة، أو لم يجد حاجةً إلى التنويه به، مع أنه كان اطَّلع عليها -أيضًا-.
والله الموفق والهادي.
[1] يظهر أن مراده: «الإرشاد إلى سبيل الرشاد» -في الفقه الحنبلي-، لأبي علي ابن أبي موسى الهاشمي، ومنه نسخة عتيقة مبتورة الأول في الظاهرية برقم (2766)، لكن لم أر عليها خط الشيخ ولا خط ابن عبدالهادي، فإن كانت هي فلعل الخط كان فيما بتر من أولها.
أضف تعليق