كتب د. مساعد بن صالح الطيار (عميد شؤون المكتبات الأسبق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) بحثًا مفيدًا حول «كشافات آيات القرآن الكريم»، درسَ فيه اتجاهاتِ المصادر التي تُفَهرِسُ الآياتِ القرآنية، وترتِّبُها بطريقةٍ تُيَسِّرُ على الباحث الوقوفَ على الآيات المشترِكة في لفظةٍ أو موضوعٍ أو مطلع، وتفيدُ المتأملَ في جمعِ الآيات المتناظرة، والوصولِ إلى مقاربةٍ في فهمها وتفسيرها.
وقد بيَّن د. الطيار أن ظهور ما عُرف من كشافات القرآن الكريم بدأ في منتصف القرن الحادي عشر الهجري، على يد الوارداري في «ترتيب زيبا»، وذهب إلى أنه يمكن عَدُّ كتب غريب القرآن، والوجوه والنظائر، إرهاصاتٍ أُولى لظهور كشافات الآيات القرآنية.
غير أنه، وكما حَفِظَت كنانيشُ العلماء القدماء ألوانًا من الفوائد والنقولات والتقييدات، فقد تضمَّنت مسوَّدات الإمامين أبي العباس ابن تيمية (ت 728هـ)، وأبي الفضل ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)، نماذجَ مبكرةً من بعض أصناف التكشيف القرآني، حيث فَهْرَسَ الإمامان جملةً من الألفاظ والموضوعات الواردة في كتاب الله -عز وجل-، فيما يشبه “قراءة التمشيط”، التي يستخرج القارئُ فيها لفظًا أو معنًى محدَّدًا سلفًا، عبر استعراض الكتاب من أوله إلى آخره، والغالب في الحالة قيد البحث هنا أن هذا الاستعراض كان من حفظ الإمامين عن ظهر قلب.
وقد يشير اتفاق الإمامين على عمليةِ تكشيفٍ متطابقةِ العناصر والمهام تقريبًا، مع تفاوتِ ما بين طبقتَيهما نسبيًّا، إلى أن هذه كانت طريقةً متَّبعةً عند علماء تلك العصور، خصوصًا عند القصد إلى بحث قضيةٍ معينة، أو تفسيرٍ لفظيٍّ أو موضوعيٍّ شاملٍ لمواطن الورود كلِّها في القرآن الكريم.
وباستعراض نموذج الإمام ابن تيمية -وهو النموذج الأوسع هنا، ويقع ضمن مسوَّداتٍ وتقاييدَ متنوعةٍ له-، نجد أنه افتتح هذا التكشيف بالحمدلة والعنونة، الدالَّتَين على أنه يبدأ مقصدًا علميًّا مستقلًّا، وأنه يفرِّغ الآن وقتَه وجهدَه لصناعة هذا الكشاف الذي يبدو أنه احتاج إليه لغرضٍ علميٍّ ما، حيث كتب في مطلع الورقة: «الحمد لله رب العالمين. ذكر الآيات التي فيها: الصلاة، أو: الزكاة، أو: الصلاة والزكاة…».
ثم بدأ ابن تيمية كشافَهُ بكتابة رأس كل آية، مع الوصولِ إلى موضع الشاهد منها غالبًا، والإشارةِ إلى بقية الآيات إن تتابعتْ في الموضوع ذاته.
وينتقل ابن تيمية بعد انتهاء الكشاف الأول إلى كشافاتٍ أخرى، جاءت عنونتُه لها كما يلي[1]:
- «ما يوجب اتباعَ القرآن والرسول في سنته وأمره وفعله».
- «آيات التوبة والمغفرة والإحباط والردّة».
- «الآيات التي فيها بطلان عمل الكافر والمنافق».
- «الآيات التي فيها صفات الله -سبحانه- التي تأولها متأخرو الجهمية، وسموها الصفات السمعية…».
- «الأسماء الحسنى التي في القرآن مفردة ومضافة وعاملة في ظرف أو غيره».
- «ترتيب أسماء الله -سبحانه وتعالى- الظاهرة الموجودة في كتاب الله مفردةً ومقرونةً ومضافةً ومشبهةً بالمضاف».
* * *
وإذا انتقلنا إلى كشاف الحافظ ابن حجر العسقلاني، فإننا نجد في أوراقه الخاصة التي كان يسميها «التذكرة»، ثلاثَ ورقاتٍ عَنْون لها بقوله: «ذكر ما وقع في القرآن العظيم من خطاب المؤمنين بلفظ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾».
ثم ابتدأ هذا التكشيفَ اللفظيَّ بطريقةٍ أكثر تنظيمًا من كشافات ابن تيمية، حيث فَصَل ما بين كل سورةٍ وأخرى بعنواناتٍ سمَّى فيها السور، نحو قوله: «في البقرة»، «وفي آل عمران»، «وفي النساء»، «وفي المائدة»…، وهكذا.
ويُلحَظ أن الإحصاءَ العدديَّ كان مقصودًا لابن حجر هنا، إذ كتب مقابل كل سورةٍ رقمًا يمثل مجموعَ ما فيها من الآيات التي ينطبق معيارُ البحث عليها، ثم ختم ذلك بإحصاءَين مكتوبَين بالحروف، أحدهما لعدد السور، والآخر لعدد الآيات.
* * *
وبعد، فليس هذا العرضُ المختصرُ بصدد الدراسة المفصَّلة لهذه التكشيفات، مناهجِها وأدواتِها وطرائقِ كتابتها، وهي حقيقةٌ بذلك كله، وإنما هي إشارةٌ تكفي حرًّا، وإلماحاتٌ أرجو أن تنهض إلى تحريرها الدراسات العلمية المتخصصة.
والله من وراء القصد.
[1] بعض هذه الكشافات منشور في «المستدرك على مجموع الفتاوى».



















أضف تعليق