السؤال:
ورد عند الدارقطني في “المؤتلف والمختلف”:
(وأما حميل بالحاء المضمومة، فهو حميل بن بصرة أبو بصرة الغفاري، له صحبة ورواية عن النبي ﷺ.
حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، حدثنا علي بن المديني في حديث زيد بن أسلم ، عن المقبري ، عن أبي هريرة: أنه خرج إلى الطور فلقى جميل بن بصرة الغفاري.
قال علي: هكذا قال الدراوردي ومالك وأبي، كلهم قال: جميل بن بصرة.
فرأيت بعد ذلك شيخًا من بني غفار بالبصرة فجعلت أسأله عن الغفاريين فرأيته حسن العلم بهم فقلت: أتعرف جميل بن بصرة؟ فقال: صحف والله صاحبك! إنما هو حميل بن بصرة. وكان مع الشيخ غلام فقال: هو جد هذا.
قال: وحدثنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا إسماعيل القاضي حدثني بذلك عمر بن عبد الوهاب الرياحي أبو حفص ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا روح بن القاسم ، عن زيد بن أسلم ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن حميل بن بصرة الغفاري وذكر نحوا من هذا الحديث يعني حديث الدراوردي.
قال علي: وحديث مالك ، عن زيد بن شاذان ، عن إسماعيل النيسابوري ، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: اسم أبي بصرة الغفاري: حميل بن بصرة.
قال البخاري: قال علي: سألت رجلا من غفار فقال: اسمه حميل. ومن قال: جميل فهو خطأ…)
أشكل عليَّ ما نسب لمالك وعبدالله بن المديني في ضبط اسم الراوي.
وتابع الدارقطني: ابن ماكولا، وابن الأثير.
ووجه الإشكال: أن جمعا من الأئمة كالبخاري، وأبي القاسم البغوي، وأبي نعيم الأصبهاني، وابن عبد البر، والجياني، وابن عبادة، وابن حجر أوردوا قول علي، ولم يذكروا فيه قول مالك وعبدالله المديني.
أيضا: لم أقف فيمن وقفت عليهم من المترجمين لحميل أو جميل من نسب لمالك أو عبدالله المديني قولا في ضبطه.
ألا يحتمل أن في النص إشكالا، ويكون صوابه:
هكذا قال الدراوردي.
ومالك وأبي كلهم قال: حميل بن بصرة؟
الجواب:
ما ورد عند البخاري وغيره اختصارٌ للنص واقتصار على ما يحتاج إليه السياق عندهم، خاصة أن دليل الترجيح هو أطرف وأهم ما يحتاج إليه المصنفون هنا، ولا يبدو لي أن لاستشكال بقية النص بذلك وجهًا، وأما ما كان من غير رواية إسماعيل القاضي عن ابن المديني، فإيراد هذا أبعد، لأن اختلاف الرواية تدخل معه احتمالات جديدة.
وبذلك يعرف الجواب عن أن المصنفين لم يذكروا قول مالك وعبدالله بن جعفر المديني، فهذا إنما هو لأن حكاية الاختلاف ليست غرضًا لهم في الغالب، مقارنةً بحكاية الصحيح ودليله، خصوصًا مع طرافة هذا الدليل وكونه من خارج الاختلاف كليةً.
وعموما، هؤلاء المصنفون سواء من ذكر النص ومن لم يذكره، كثير منهم يتواردون وينقلون، فلا يُحفل بكثير من موافقتهم ومخالفتهم.
وأما التصويب الذي احتملتَه فبعيد للغاية، فالسياق ظاهر جدا في تعقب من قال “جميل”، ولذا قال بعدهم: “فلقيت شيخًا…” ليبين خطأهم، ثم لا يقال: “كلهم قال” وهما اثنان فقط، ثم الغالب أن يُفصل بين الأسماء بنحو: “وقال” أو “وخالفه” أو نحو ذلك.
ثم إنك إذا استكملت النص تجد أن ابن المديني عاد إلى رواية مالك وأكّدها، ولكن انقطع النص في الكتاب! “قال علي: وحديث مالك، عن زيد [..] بن شاذان بن إسماعيل النيسابوري…”، فما بين المعقوفين ساقط من المخطوط للأسف، وتصحف “بن إسماعيل” إلى “عن إسماعيل” في المطبوع، ولم يظهر في مصورتي من المخطوط.
وعلي هذا هو ابن المديني جزما، وكذلك ورد في مواضع عديدة من الكتاب، أما إذا أريد الدارقطني -وهذا قليل- فيقال: “قال أبو الحسن” أو: “قال الشيخ أبو الحسن”.
وبعد، فلا شك أن رواية مالك عن زيد غريبة جدا، إذ المعروف أن مالكا يرويه عن يزيد بن عبدالله بن الهاد بإسنادٍ آخر، وله فيه وهمٌ معروفٌ تكلم عليه الأئمة، لكن البحث في تحرير كلام ابن المديني وثبوته عنه، ولا يخفى أنه لا يلزم أن يوافق قولُ الإمام واقعَ الرواية دائمًا، ولا أن يوافق قوله ما قاله غيرُه ممن قبله أو بعده، فقد يكون ابن المديني اطلع على رواية شاذة عن مالك، أو ذهب وهله إلى الخطأ المشهور لمالك فجعله في هذا الخطأ خطأً، أو غير ذلك.
والذي يظهر مما سبق أن ابن المديني ذكر رواية مالك، وجعلها كرواية الدراوردي، هذا في رواية إسماعيل القاضي عنه، ولا يلزم أن البخاري سمعه يذكر ذلك، وحتى لو سمعه فقد يكون أهمله عمدًا لوجود خطأ من ابن المديني، أو لعدم اعتماده على الرواية، أو لغير ذلك، وهذا ما أشرت إليه سابقًا من أن اختلاف الرواية يُدخِل احتمالات أخرى.
ونص ابن المديني ظاهر في أن مالكًا يرويه “عن زيد”، وهذه العبارة ثابتة في كتاب الدارقطني -كما سبق-، ويبدو أنه كان سيُسند تلك الرواية أو يذكر من رواها، لكن انقطع موضع حل الإشكال -مع الأسف-.
والله أعلم.
أضف تعليق