السؤال:
ما رأيكم في الكتاب الذي طبع بعنوان: “حديث علي بن حجرعن إسماعيل بن جعفر المدني” هل هو من تأليف إسماعيل بن جعفر أو هو من تأليف علي بن حجر ؟
الجواب:
يصعب في هذه النسخ المروية القطع بتحديد “مؤلف” لها بالمصطلح المعاصر، خصوصًا ولم يكن المتقدمون يُعنَون بذلك في مثلها، وإذا احتاجوا إلى العزو إليها قالوا: “وفي نسخة فلان كذا”، “وفي حديث فلان كذا”، ولم يُضطرُّوا إلى ما تضطرُّنا إليه المناهج المعاصرة في الفهرسة -مثلًا- من تحديد خانة للمؤلف، أو في التخريج من نسبة التخريج إلى المؤلف بنحو: “أخرجه فلان في جزء كذا”.
ومع ذلك، فمن القرائن العامة الإجمالية التي تحدد “المؤلف” -إن صح التعبير- في الكتب المسندة:
أن يكون هو صاحب الأسانيد، فهو الذي تتغير بعده -لا قبله- الشيوخ والأسانيد، وهو في حالتنا هذه: إسماعيل بن جعفر، أما علي بن حجر فلا يروي في هذا الجزء عن غير إسماعيل إلا لمامًا على جهة الندرة، وذلك من باب زيادات الراوي في الكتاب المروي فحسب.
ولا تستقلُّ هذه القرينة بتحديد المؤلف، إذ يُداخلها احتمال أن يكون علي بن حجر أخذ حديث إسماعيل أخذًا خاصًّا -لا على جهة التصنيف-، ثم انتقى جملةً من حديثه عن كل شيخ فأخرجها للناس في هذا الجزء، فيكون علي بن حجر مؤلفًا إذن، أو يكون عليٌّ أخذ عن إسماعيل حديثًا منثورًا، فرتَّبه ونظَّمه، فتكون له مشاركة في التأليف.
لكن تبقى لإسماعيل -على كل حال- صلةٌ قوية بالتأليف من جهة أنه صاحب الأسانيد لا غير، فيكون مؤلفًا أصليًا، وهو الذي أبرز الأحاديث وأظهرها (أخرجها) لعليٍّ أو للناس، وأما علي بن حجر فمؤلف مشارك انتقاء وترتيبًا ورواية.
وهناك أحوال موافقة لذلك ومخالفة في كتب أخرى، يطول المقام بتفصيلها.
ثم تفيد قرائن الباب الأخرى في عضد القرينة السابقة، ودفع احتمال مشاركة علي بن حجر في “تأليف” جزء “حديث إسماعيل بن جعفر”، ومن تلك القرائن:
أن يتعدَّد رواة الجزء بصفته جزءًا مستقلًا (لا أن يروي التلامذةُ أحاديثَ موجودةً في الجزء، فهذه الروايات لا يلزم أنها من هذا الكتاب بعينه). وفي حالتنا: ينطبق الضابط السابق جزئيًّا على محمد بن زنبور -وإن كان الذي اتَّصل بالمتأخرين من روايته على الصفة المذكورة نسخة (إسماعيل عن عبدالله بن دينار) فحسب، وهي أربعون حديثًا (لم نقف بعدُ على أصلٍ خطيٍّ لهذه الرواية، وإنما الموجود منتقًى يكاد يستوعبها)-.
والمقصود أن وجود هذه النسخة بتمامها من غير رواية علي بن حجر يفيد أنه لم يكن عليٌّ هو الذي جمع مرويات إسماعيل وأبرزَها، وإنما كان إسماعيلُ نفسُه يجمعها ويروّيها الناس، فأخذها عنه علي بن حجر وابن زنبور، توسَّع أحدهما واقتصر الآخر، أو نُقلت روايةُ أحدهما بتمامها واقتُطعت الأخرى.
والله أعلم.
أضف تعليق