السؤال:
هذا الحديث معروف بلفظ (ليس من البر الصيام في السفر)
ورواه معمر بلفظ (ليس من امبر امصيام في امسفر) وهو مشهور في كتب غريب الحديث بهذا اللفظ
الإشكال أن هذه الرواية ليس فيها مخالفة في المعنى، ومخالفتها في اللفظ لا إشكال فيها؛ لأنها من باب اختلاف لغات العرب، ولا نزاع في صحة الرواية بالمعنى من هذه الجهة؛ لأنه ليس فيه إلا إبدال لفظ بلفظ مطابق له تماما في المعنى
وبناء على هذا هل يصح ما قاله الشيخ الألباني من وصف هذه الرواية بالشذوذ؟
أعني من جهة الصناعة الحديثية هل يمكن وصف مثل ذلك بالشذوذ؟
فلو فرضنا في حديث آخر أن راويا روى (جلس فلان) وآخر روى (قعد فلان) فهل مثل هذه تعد مخالفة تكفي للحكم على روايته بالشذوذ؟
ولو قال راو (جاء رجل) وقال آخر (أتى رجل) وقال ثالث (أقبل رجل) فهل هذه الخلافات يمكن أن تسمى شذوذا؟
الجواب: (حرر في 5 رمضان 1434هـ)
لا يخفى أن من أبرز نتائج مقارنةِ المرويات، والنظرِ في اختلافات الرواة: معرفةَ اللفظ المروي الذي تلفَّظَ به مدارُ الحديث، فمن فوقه، إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وكما أن المقارنة الحديثية بين روايات الرواة، بإعمال قرائنها وأحوالها، تبيِّن الراويَ المخطئ في الإسناد والمتن، فإنها تبين الراويَ الذي روى بالمعنى، أو اختصر، أو أدرج وزاد، إلى غير ذلك، سواء كان ذلك نوعا من الخطأ، أو كان من قبيل الاختلاف غير المؤثر، فقد يروي الحديثَ راوٍ بمعناه وهو مخطئ في فهمه، وقد يكون مصيبا، وقد يختصره اختصارا مخلا، وقد يُحسِن اختصاره، وهكذا، كما لا يخفى عليكم.
ومن ثم، فليس اكتشاف الخطأ هو الوظيفة الوحيدة للمقارنة، بل من وظائفها: تحديد المخطئ، وتحديد الراوي بالمعنى، والمختصِر، والمدرِج، والزائد، إلخ.
ويمكن في نظري إطلاق الشذوذ بالاصطلاح الحديثي على أيٍّ من هؤلاء بالنظر إلى مخالفته الرواةَ عن المدار، أي: أنه شذوذٌ مفادُه أن ما رواه هذا الراوي لا يثبت -بالنظر الحديثي الصِّرف- عن المدار المختَلَف عنه.
ولا يلزم من هذا المعنى أن يكون الشاذ خطأً من الراوي، فقد يكون تصرُّفا متعمَّدا منه، لروايةٍ بمعنى، أو اختصار، أو شرح مفردة، أو مراعاة مخاطَب، إلخ، وقد يكون المدار نفسُه تصرَّف فيه مرةً، فحفظه الراوي عنه بصورته المختلفة. ولا شك أن ثمة فرقا بين ما أخطأ فيه الراوي، فعُدّ من أوهامه، وأثَّر في مرتبته، وبين ما خالف فيه متعمِّدا لسببٍ اقتضى ذلك، وما كان مرجعه إلى المدار نفسه.
وأما تأثير مخالفة الراوي وعدمُ تأثيرها، ومتى يُراعى مثل هذا الاختلاف ويعدّ شذوذا، ومتى يُهمل، فلا يحكم ذلك إلا: اتجاه نظر الناظر في الحديث، فإنه إذا كان همُّه في حديثٍ: الحكمَ الفقهي فيه -مثلا-، فلن ينظر للاختلاف اللغوي، ولن يؤثر على قضيته ما دام غير مرتبط بها، مع أن الناظر إلى الجانب اللغوي في الحديث نفسه= يهتمُّ به، وقد يحكم بالشذوذ على بعض الألفاظ على ضوئه.
ومن ذلك ما تفضلت بذكره من الاختلاف بين (جلس) و(قعد)، ونحو ذلك، فهذا في الأصل ترادفٌ لا يُنظر إليه، لكن قد يحتاج محتاجٌ إلى تحرير أيّ اللفظين تلفَّظ به المدار فمن فوقه، لغرضٍ ما.
وهذا الأمر أشار إليه شيخنا اللاحم إشارة سريعة في “مقارنة المرويات” (1/ 392، 393)، ووسَّعه قليلا في تقديمه لكتاب “الاستشهاد بالحديث في المسائل النحوية” لزملينا الشيخ د. ياسر الطريقي، وهي رسالة ماجستير، لباحثٍ مُجيد، أثنى على بحثه شيخنا في تقدمته.
وقد فصَّل الطريقي في مقدمته طريقة التعامل حديثيا مع الروايات المستشهد بها على المسائل النحوية، بعد عرضه موقف متقدمي النحاة ومتأخريهم من ذلك (1/ 134-140).
وتفصيله ينطبق على مثل حديث: “ليس من امبر…”، وإن كان الاختلاف فيه ليس “نحويا”.
ورسالته حرية بالمطالعة، ففيها تحرير حديثي تطبيقي، على منهج أئمة النقد، وسبق أنّ شيخنا أثنى على الصنعة الحديثية في الرسالة.
وعلى ما سبق،
فلا أرى بُعدا في حكم الشيخ الألباني بالشذوذ على اللفظ المذكور، وذلك بمعنى الشذوذ الحديثي الذي أسلفتُه.
لكن البعد في صنيع الشيخ في الضعيفة -لا الإرواء-، حيث تطرَّق في تشذيذ اللفظ المذكور إلى أوهام معمر، ثم جزم بأنه وهم منه، مع أنه قد يكون تلفّظ به على لغة، وقد يكون سمعه من الزهري هكذا، فقد جاء عن ابن عيينة أنه بلغه أن الزهري كان يقول: “ليس من امبر…” -وهذا ثابتٌ عن ابن عيينة، وإن تعسَّف الألباني في ردّه-، وكذا جاء عن النعمان بن راشد، عن الزهري، والنعمان ضعيف.
فالقول بوهم معمر فيه مردود، وشذوذ روايته عن رواية الجماعة لا يلزم منه وهمه وغلطه.
والظاهر من النظر في رواية معمر والجماعة عن الزهري: أن الزهري كان يحدِّث به بإظهار اللامات، وأنه حفظه هكذا عن شيخه صفوان بن عبدالله، لكنه ربما حدَّث به بلفظ: “ليس من امبر…”، وهكذا بلغ ابنَ عيينة، ورواه النعمان بن راشد، عنه، وقد يكون معمر سمعه من الزهري بإظهار اللامات مرة، وباللغة الأخرى مرة، نظرا لأن معمرا نفسَه رويت عنه اللغتان.
فالزهري -فيما يظهر- هو الذي تصرَّف، فرواه بهذا اللفظ ابتداءً، ما لم تثبت عمن فوقه روايةٌ له كذلك، ولم أجد من ذلك شيئا -حسب بحثي المتواضع-.
* من العجيب فيما وقفت عليه: أن رواية عبدالرزاق، عن معمر في “معجم الصحابة” للبغوي، جاءت في الطبعة القديمة بلفظ الجماعة، وفي الجديدة باللغة الأخرى! ولم يُشر أحد المحققين إلى وجود خلاف ما أثبت في نسخة الكتاب، ولا أدري كيف تصرف من تصرف فغيّر اللفظ!
وهذا يبيّن أن مثل هذا التصرف والتغيير وقع في الطباعة، فكيف في الرواة والنسّاخ؟ وأظن هذا هو مرجع الاختلاف في رواية عبدالرزاق، فإن جماعةً قدماء رووه عنه بلفظ: “ليس من امبر…”، وجاء اللفظ في مصنفه كرواية الجماعة عن الزهري!
والله أعلم.
أضف تعليق