السؤال:
1- إذا ساق أحمد أحاديث رجل في المسند ثم تخلل هذه الأحاديث رواية راوي آخر، وبالأخص إذا كانت الرواية لنفس المتن، فهل لأحمد -رحمه الله- غرض في هذا كالتعليل ونحوه؟
ووجدت ذلك في عدد من المواضع فيما روى عن ابن عيينة -رحمهما الله- في مسند أبي هريرة رضي الله عنه.
2- وكذلك إذا وهم التابعي وتردد بين صحابيين ولا يدري عمن أخذ الحديث، ثم وجدنا أحمد خرج الحديث في مسند أحدهما دون الآخر، هل يدل ذلك على ترجيح أحمد لأحد الصحابيين؟
الجواب:
إن كان المراد بالسؤال الأول: تخريج ما ليس من مسند الصحابي فيه، فهذه عادةٌ لأهل المسانيد، وقد يكون من أغراضها بيان الاختلاف والإشارة إلى علة في أحد الوجهين، لكن هذا غير لازم، ولا يقال به إلا بقرينةٍ مبيِّنة، إذ قد يكون ذلك على جهة التبع لا القصد، أي: أن صاحب المسند تحمَّل الحديثين معًا على صورةٍ من صور الترابط بينهما، فلم يشأ فصلهما في التخريج. قال ابن رُشيد في أحاديث لأبي سعيد الخدري: “وإنما ذُكرت هذه الأحاديث في المسانِدِ في مسند سهل، لأن هذه الزيادة إنما وقع ذِكرُها عن أبي سعيد بحكم التبع”.
وإن كان المراد: أن أحمد يروي الحديث عن شيخ له، ثم يرويه عن شيخ آخر مع اتفاق المتن والإسناد، فهذه طبيعة كثير من هذه الكتب، بل حتى بعض كتب الجوامع والسنن وغيرها، لا يكون من منهجها الاختصار والاقتصار على إسناد واحد للحديث، بل تكثّر الأسانيد وتورد الحديث من أوجه وطرق. نعم قد يكون المراد: توضيح اختلاف سياقات الرواة وزيادات بعضهم على بعض، لكن هذا لا يتأتّى دائمًا، بل قد تتطابق الروايات ولا تختلف إسنادا ومتنا، فلا يكون الغرض إلا تعديد الطرق وسوق ما وقع للمؤلف في هذا الحديث من أسانيد، ثم إن عمل صاحب المسند في الأصل رواية وسياق مجرد، ولا يقال إنه تعليل إلا بقرائن ظاهرة.
أما تخريج ما تردَّد فيه التابعي بين صحابيَّين في مسند أحدهما، فقد يقال إنه ترجيح من صاحب المسند لذلك، لكن هذا أمر بعيد المأخذ، وهو مجرد إشارة على أعلى أحواله، ولا يُجزم به إلا مع قرائن ظاهرة، خصوصًا والأصل -كما سبق- أن المسانيد كتب رواية وإسناد وليست كتب نقد، ولذا يخرَّج فيها الوجه التام المرفوع ولو أعل بالوقف، والموصول ولو أعل بالإرسال، ويخرَّج فيها الحديث على أوجهٍ عن عدةٍ من الصحابة ولو كان الراجح وجه واحد منها.
والله أعلم.
أضف تعليق