السؤال:
هذا الحديث مما أشكل علي؛ أعني حديث السائب (أو غيره) مرفوعا (مرحبا بأخي وشريكي)
فهذا الحديث طرقه وروايته مضطربة جدا، مع أن مدارها على مجاهد؛ حتى قال ابن عبد البر عنها (هذا اضطراب لا يثبت به شيء، ولا تقوم به حجة)
ومع ذلك فترى أبا حاتم في العلل يسوق هذه الطرق المضطربة ثم يرجع منها رواية السائب، وظاهر كلامه أنه حديث صحيح، بل ويحاول الجمع بين الطرق المختلفة بأنهم كلهم موالي مجاهد من فوق !
وأبو حاتم في أحاديث أخرى يعل الحديث بأدنى من هذا، فكيف ذلك؟
هلا جليت لي هذه المسألة
الجواب:
هذا الحديث مشكل، وقد لا أخرج فيه بنتيجة واضحة، لكني سأتكلم عليه في نقاط محددة:
أولا:
قد انتقل أبو حاتم في كلامه عن القضية الحديثية في حديث الشركة، وهي اختلاف صحابيِّه، إلى القضية التاريخية، وهي تعيين مولى مجاهد.
وانتقاله إلى القضية التاريخية يظهر في أمور:
1- أنه لم يقتصر في سياقِهِ الخلافَ عن مجاهد على حديث الشركة، بل خرج منه إلى أحاديث أخر رواها، واختَلَف رواتها عنه.
2- أنه خرج عن منهجه المعتاد في الإعلال والترجيح إلى منهج الجمع والتوفيق.
3- أن ابنه في الأخير حاول إرجاعه إلى القضية الحديثية، فسأله: «فحديث الشركة، ما الصحيح منها؟»، وهذا يدلّ بوضوح على ما سبق.
ثانيا:
ينزع ابن عبدالبر كثيرا إلى الحكم على ما اختُلف فيه من الأحاديث بالاضطراب.
ثالثا:
مع حكم ابن عبدالبر بالاضطراب في موضع من الاستيعاب، فإنه قال في ترجمة قيس بن السائب من الكتاب نفسه: «هو مولى مجاهد بن جبر صاحب التفسير، وله ولاء مجاهد، كان شريك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية… هذا أصح ما قيل في ذلك إن شاء الله تعالى»، ثم ساق الخلاف في الشريك.
وأنا أظنه استفاد ذلك من أنّ ابن أبي خيثمة حكى عن الإمام عبدالرحمن بن مهدي ترجيحه لرواية إبراهيم بن ميسرة، عن مجاهد، عن قيس بن السائب، فإن ابن عبدالبر كثير الاستفادة من تاريخ ابن أبي خيثمة، ويسوق منه بالإسناد وبدونه، ويعتمد ما فيه أحيانا فيقوله من قبل نفسه بلا عزو.
رابعا:
يظهر لي أن خروج أبي حاتم في جوابه إلى القضية التاريخية، أثّر حتى في تعيينه صحابي حديث الشركة، فإنه استدل بقضية تاريخية بحتة على ترجيح أحد الأوجه، حيث قال: «عبدالله بن السائب ليس بالقديم، وكان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- حدثً، والشركة بأبيه أشبه».
خامسا:
قول أبي حاتم: «من قال: عن عبدالله بن السائب، فهو: ابن السائب بن أبي السائب، ومن قال: قيس بن السائب، فكأنه يعني: أخا عبدالله بن السائب، ومن قال: السائب بن أبي السائب، فكأنه أراد: والد عبدالله بن السائب، وهؤلاء الثلاثة موالي مجاهد من فوق»،
يظهر لي فيه: أنه جمعٌ بين الأقوال في القضية التاريخية فحسب، فهو يصحح أن مجاهدا مولى للثلاثة، وليس في كلامه أن حديث الشركة صحيحٌ عن ثلاثتهم، لأنه لم يقله بعقب كلامه عن الحديث، بل بعقب ذكره إياه وأحاديثَ أخرى عن مجاهد.
وقوله: «من قال: عن عبدالله بن السائب»، و«من قال: قيس بن السائب»، و«من قال: السائب»، الظاهر والله أعلم أنه يريد: من أطلق (المولى) عليهم.
ويُتأمل أن ابن منده رواية إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، لحديث الشركة، فقال: «روى إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن السائب بن عبد الله، وكان شريك النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان مولى مجاهد من فوق».
مع التنبيه إلى أنه قيل -كما للطبري- أن قيس بن السائب ابن عم عبدالله بن السائب، وليس أخاه.
سادسا:
قد جمعتُ كل ما وقفت عليه من رواية مجاهد عن السائب أو ابن السائب، وهنا خلاصةٌ لما وجدت بخصوص حديث الشركة، ذلك أنه تقرر فيما سبق أن كلاً من الثلاثة لمجاهدٍ مولى، فليست هي مسألة البحث:
1- روى إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد حديث صلاة القاعد، وحديث الشركة، واختُلف عنه، واضطَرَب في حديث صلاة القاعد كثيرا، وهو مذكورٌ بالضعف أصلا، بل ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه ليس بالقوي، ومحله محل الصدق، يكتب حديثه ولا يحتج به، وذكر معه آخر، فسأله: ما معنى لا يحتج بحديثهم؟ قال: «كانوا قوما لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فيغلطون، ترى في أحاديثهم اضطرابا ما شئت»، وهذا من ذاك.
لكني لم أجد عنه في حديث الشركة اختلافا في أن شريك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هو السائب بن عبدالله، جاء هذا في رواية إسرائيل، والثوري، عنه، وإن كان أدخل -في رواية الثوري عنه- قائدًا للسائب بين مجاهد والسائب، والقصد أن القدرَ المراد، وهو تعيين الشريك، أمرٌ لم يُختلف فيه عن إبراهيم بن المهاجر كما اختُلف في غيره عنه.
2- وروى عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن السائب بن أبي السائب، أنه كان يشارك رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قبل الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح جاءه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مرحبا بأخي، وشريكي…».
ولم أجد عنه خلافا.
3- وروى سيف بن أبي سليمان: سمعت مجاهدا يقول: كان السائب بن أبي السائب العابدي شريك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الجاهلية، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة، فقال: «بأبي وأمي لا تداري، ولا تماري».
ولم أجد عن سيف خلافا.
3- روى إبراهيم بن ميسرة، عن مجاهد، عن قيس بن السائب، أنه لما كبر قال: «إن الرجل يطعم عنه في رمضان لكل يوم نصف صاع، فأطعموا عني صاعا» وقال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شريكي في الجاهلية…
قال الطبراني وساق من متنه حديثَ الشركة فقط: «لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم إلا محمد بن مسلم»، يعني: الطائفي، وهو “صدوق يخطئ من حفظه” كما في التقريب.
وقد رواه عن الطائفي هكذا جماعةٌ منهم ابن مهدي والعقدي وغيرهما، وخالفهم سريج بن النعمان، فرواه عنه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، جعل مكان إبراهيم بن ميسرة: ابنَ أبي نجيح، وهذا غلطٌ منه، أو من الطائفي نفسه.
وقد خولف إبراهيم بن ميسرة في روايته هذه، فرواه موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، قال: «هذه الآية نزلت في مولاي قيس بن السائب: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}، فأفطر، وأطعم كل يوم مسكينا»، انتهى، ولم يذكر الشركة.
وهذه الرواية عند ابن سعد من طريق الواقدي، ولا عبرة بروايته، لكن قد رواه أبو حنيفة، عن موسى، به، أخرجه أبو يوسف في الآثار (810)، ووقع عنده: «هؤلاء» مكان: «مولاي»، ولم يُسَمّ في روايته قيس.
لكن كأنّ في جعل الآية نازلةً في قيس غرابةً.
وكذلك خالفَ إبراهيمَ بنَ ميسرة: عبدُالملك بن عبيد، فرواه عن مجاهد، أن قيس بن السائب كبر، فأطعم، واقتصر على هذا، فيما رواه يزيد بن عياض عنه، لكن عبدالملك من شيوخ يزيد المجهولين، ويزيد متهم بالكذب، لا عبرة بروايته كذلك.
وقد رواه ابن المبارك، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، فاقتصر على الإطعام، وأغفل الشركة.
4- روى الأعمش، عن مجاهد، عن عبدالله بن السائب، قال: «كنت شريكا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-…».
وقد قال يعقوب بن شيبة: «ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إلا ما قال: “سمعت”، هي نحو من عشرة».
ولم أجد له في روايةٍ لهذا الحديث عن مجاهد تصريحا بالسماع، فالظاهر أنه دلسه عن غيره، ولعله، أو لعل من دلَّسه عنه، غلط في اسم الشريك، فقلبه.
ومما سبق يتبين:
اتفاق: إبراهيم بن المهاجر، وعبدالله بن عثمان بن خثيم، وسيف بن أبي سليمان، على أن الشريك هو السائب.
وأنه يُحتمل أن رواية الأعمش كانت كذلك، فحصل فيها قلب.
وإبراهيم بن المهاجر سبق ضعفه، وابن خثيم صدوق، وسيف ثقة ثبت.
ولم يبق إلا رواية إبراهيم بن ميسرة، التي جُعِل الشريكُ فيها قيسا، وفيها ما سبق من الاختلاف، وراويها عن إبراهيم (محمد بن مسلم الطائفي) صاحبُ أخطاء، فالظاهر أنه دمج حديث كِبَر قيس بن السائب وإطعامه، بحديث كون السائب شريكا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فغلط في ذلك.
وما اتفقوا عليه من كون الشريك هو السائب: هو قول مصعب الزبيري، والواقدي، من أئمة السير.
وقد قال ابن حجر بعد أن ذكر رواية الأعمش التي فيها أن عبدالله بن السائب هو الشريك: «والمحفوظ أن هذا لأبيه السائب».
ولا يخفى أن ما استدل به أبو حاتم على هذا مرجِّحٌ قوي، إضافةً إلى ما سبق.
وإذن، ففي كلام عبدالرحمن بن مهدي وترجيحه رواية إبراهيم بن ميسرة = نظر، والله أعلم، خاصةً أنه لم يُشِر مطلقا لروايتي ابن خثيم، وسيف بن سليمان، الثابتتين بلا خلافٍ عنهما، مع ثقة سيف وضبطه وثبته، وإنما ساق هو وابن أبي خيثمة روايتي الأعمش، وإبراهيم بن المهاجر، وإبراهيم بن ميسرة، فرجَّح روايةَ ابن ميسرة عليها.
وقد يحتمل أن ابن مهدي أراد ترجيح أن قيسا هو مولى مجاهد مباشرة، لا أنه هو الشريك، وفي هذا نظر.
ولا يفوتني هاهنا التنبيه إلى أنه قد يكون في ثبوت الحديث نظر من جهة أن مجاهدا يحكي -في رواية ابن خثيم، وسيف- واقعةً بين النبي -صلى الله عليه وسلم- والسائب، وهو لم يدركها قطعا، فهو مرسل من هذه الحيثية، لكن قد يُتسامح في ذلك فيُجعل أن ذلك مما أخذه عن السائب أو أبنائه ظنًّا غالبا.
سابعا:
قد ورد تعيين الشريك عن غير مجاهد، فروى الزبير بن بكار، عن أبي ضمرة أنس بن عياض، عن أبي السائب عبدالله بن السائب المخزومي، قال: كان جدي في الجاهلية يكنى أبا السائب، وبه اكتنيت، وكان خليطا للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الجاهلية، فكان إذا ذكره قال: “نعم الخليط، كان أبو السائب لا يشاري ولا يماري”.
وهذا فيه نظر من جهة أن الذهبي نقله عن الزبير، فأبان عورته، حيث قال: «وقال الزبير بن بكار: حدثنا أبو ضمرة أنس، عمن حدثه، عن أبي السائب عبدالله بن السائب…».
وأبو ضمرة لم يدرك عبدالله بن السائب.
وما روى مجاهد عن مواليه أثبت.
والله تعالى أعلم وأحكم.
أضف تعليق