السؤال:
حديث (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب). ما تقول في هذا الحديث هل أعله أحد ؟ وما خلاصة القول فيه ؟
الجواب: (حرر مفتتح رجب 1434هـ)
لم أجد له إسنادا قويا بهذا التمام.
وقد يكون البزار أشار إلى ضعفٍ في أكثر رواياته،
حيث أخرج رواية ربيعة بن أبي عبدالرحمن، عن عبدالملك بن سعيد بن سويد، عن أبي حميد الساعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجملوا في طلب الدنيا فإن كلًّا ميسر إلى قدر منها».
ثم قال -البزار-: «هذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسنادٍ أحسن من هذا الإسناد».
وهذا -كما ذكر البزار- أقوى أسانيد الحديث، فإنه ورد ضعيفًا عن عدة من الصحابة:
1- فجاء عن جابر من طريقين،
إحداهما من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، ولم يصح تصريح ابن جريج بالسماع، بل ورد أنه رواه بلفظ: «قال»، فالظاهر أنه دلسه،
وتوبع ابن جريج متابعة ضعيفة عند الطبراني في الأوسط.
والطريق الأخرى عن جابر: اعتمد عليها ابن حبان والحاكم، وهي من رواية سعيد بن أبي هلال، عن ابن المنكدر، عن جابر، لكن سعيدًا اضطرب فيه، فرواه هكذا، ورواه بإسناد آخر عن ابن مسعود، وقد قال أحمد: «يخلّط في الأحاديث».
وجاء عن ابن المنكدر من طريق أخرى استغربها أبو نعيم، ويبعد أن تصح.
2- وجاء عن ابن مسعود -سوى رواية ابن أبي هلال السابقة- من طريق زبيد وعبدالملك بن عمير، كلاهما عن ابن مسعود، وبينهما وبين ابن مسعود واسطة مجهولة على الصواب، فعبدالملك يقول: أُخبِرت، وزبيد يدخل بينه وبينه رجلا مجهولا لم تصح تسميته، وهو أصلا لم يسمع من ابن مسعود.
3- وجاء عن حذيفة من طريقين، واحدة فيها مجاهيل استغربها البزار، وأخرى أنكرها ابن عدي.
4- وجاء عن أبي أمامة -في الحلية وغيره- من طريق ضعيفة جدا.
5- وجاء عن أبي هريرة -عند أبي يعلى- بإسناد ضعيف.
6- وجاء من طريق ضعيفة عن الحسن البصري، يُظنّ أنه عن سعد، عند ابن بشران وغيره.
7- وجاء من طريق موضوعة عن أنس بن مالك.
فتبين أن كل هذه الأحاديث فيها نظر، وأقواها اللفظ المختصر من حديث أبي حميد الساعدي، وإن كان في النفس منه، ولا تطلق عليه الصحة.
وأما المراسيل والبلاغات للحديث، فلا تخفى، كمرسل المطلب بن حنطب، وبلاغ مالك، وبلاغ عمران صاحبٍ لمعمر بن راشد.
والله تعالى أعلم.
السؤال:
كلام البيهقي يدل على أن الشافعي يصحح هذا الحديث؛ لأنه ساقه مساق الاستدلال؛ أعني من رواية المطلب بن حنطب، فهل هذا يدل على أنه يصحح صحبة المطلب أو ماذا؟
ولماذا لا يقال في رواية سعيد بن أبي هلال: إن عمرو بن الحارث أوثق من خالد بن يزيد فترجح روايته التي عن ابن المنكدر عن جابر؟
الجواب:
كلام البيهقي، إن كان المقصود الذي في “بيان خطأ من أخطأ على الشافعي”، فلم أجد فيه أكثر من أن الشافعي استنبط من الحديث.
وكذا في “معرفة السنن” لم يزد على سياق كلام الشافعي فيما رأيت.
والقاعدة في الاستنباط، والاستدلال، وتفسير الألفاظ= أنه لا يلزم من أي ذلك التصحيحُ، ولا يؤخذ منه.
وأظن تصحيح الشافعي صحبةَ المطلب= بعيدًا، إذ إن مستند هذا القول ضعيف.
بالنسبة للخلاف عن سعيد بن أبي هلال:
لم أقل بترجيح أحد الراويين عنه:
لأنهما في الجملة متقاربان، وعمرو بن الحارث مع حفظه تُكُلّم فيه، والتحقيق أن وصف الاضطراب لا تشترط له المساواة، بل يكفي التقارب، ثم:
إن شيخهما أصلاً مذكور بالاضطراب والتخليط، فحتى لو لم يتكافأ الراويان عنه، فعليه عهدة مثل هذا الاختلاف، خاصة مع إغرابه بكلا الوجهين.
وفي الجملة، فكون الحديث في الرقائق مع الاحتمال في بعض أسانيده= قد يجعلنا نتخفّف في قبوله وروايته والعمل به، لا في صلب تصحيحه صناعةً.
السؤال:
أليس قول الإمام أحمد عن سعيد بن أبي هلال (يخلط في الأحاديث) مستغربا؟ أعني أنه لم ينقل ذلك عن غير الإمام أحمد
ثم إنهم بحسب اطلاعي الضعيف لم يذكروا له أحاديث معلولة، فهل وقفت على أي ناقد أعل حديثا آخر له؟
ولا يخفى عليكم قول الحافظ ابن حجر في الفتح عنه (وشذ الساجي فذكره في الضعفاء)
الجواب:
– نقلُ الساجي ليس بغريب في نظري، لا من جهة الساجي -وهي جهة طعن ابن حجر-، إذ قد نقله الأثرم أيضا كما في سؤالاته لأحمد (رقم 69 ط. عامر صبري)، وأردفها بحديثٍ كأنه ينكره عليه، وانظر كذلك نصًّا آخر في سؤالات أبي داود (254) فيه غمز لأحاديث سعيد عن المدنيين.
ولا من جهة انفراد أحمد، فقد جاء عن غيره فيه كلام:
فنقل ابن حزم في الفصل تخليط سعيد عن يحيى وأحمد، كذا قال.
وقال أبو زرعة الرازي: “خالد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال صدوقان، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما”، قال أبو حاتم: “أخاف أن يكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان”،
وفي علل ابن أبي حاتم (411) اختلاف بين خالد بن يزيد وعمرو بن الحارث عن سعيد، تبين فيه أنه سقط في رواية خالد: ابن أبي فروة، وربما كان المسقِط هو سعيد.
– وقد مرّت بي مرارًا تفردات وغرائب لسعيد بن أبي هلال.
– في الأوسط للطبراني نماذج لتفرداته، ومنها (برقم 8754) تفرد عن ابن المنكدر.
– انظر نموذجا لخطأ له في علل الدارقطني 10/10.
– ويظهر لي أنه يُختَلف عنه كثيرا، وأحتاج استقراء للجزم بهذا، لكن كلمة أحمد التي ثبتت عنه تدل عليه.
– نقل ابن أبي حاتم روايةً لعمرو بن الحارث يشير فيها عمرو نفسه إلى أن سعيدا تختلف رواياته، العلل (5/ 410 ط الحميد)، لكن في النقل نظر.
وعلى كل حال، فلو صححنا رواية عمرو بن الحارث عن سعيد، فهل يصح تصحيح انفراد سعيد عن ابن المنكدر؟ الذي له نحو 200 حديث فقط، وأصحابه الكبار حفاظ مشهورون، ولا تخفى كلمة أحمد في أن (ابن المنكدر، عن جابر) جادة، مع ما سبق من غمز حديث سعيد عن المدنيين، وأنه يقع في النفس من “حسن حديث” سعيد، وهو ما يكون مثل هذا الإسناد نظيفًا فردًا.
والله أعلم.
أضف تعليق