السؤال:
كيف يردّ المحدّثون المرسل، ويقبلون جهالة الحال في التابعي، مع أن المحذوف في المرسل تابعي مجهول؟
الجواب: (حرر في ذي القعدة، 1433هـ)
هنا مقدمتان ونتيجة:
المقدمة الأولى: أن المحذوف في المرسل تابعي، والمرسل مردود.
المقدمة الثانية: أن جهالة حال التابعي مغتفرة مقبولة.
والنتيجة: أن الظاهر وجود التعارض والاضطراب بين رد المرسل وقبول جهالة الحال.
وفي كل من المقدمتين والنتيجة نظر، بيانه فيما يلي:
- فأما المقدمة الأولى، فمشتملة على جهتين فيهما نظر:
أولا: أن المحذوف في المرسل تابعي، وهذا فيه نظر من حيث إن المرسل قد يحذف فيه تابعي واحد، وقد يحذف فيه أكثر، وكثرة الوسائط المجهولة لا تعامل معاملة الواسطة المجهولة الواحدة.
ثانيا: أن المرسل مردود، وهذا لا يصح بإطلاقه، بل من المرسل ما هو مقبول بشروطه، وهي مسألة معروفة في علوم الحديث.
- وأما المقدمة الثانية:
وهي أن جهالة حال التابعي مقبولة، وهذا لا يصح بإطلاقه، بل لذلك ضوابط وقرائن حاكمة، مثل أن يكون في طبقة التابعين الكبار، وأن لا يكون المروي منكرا لا أصل له في الشرع، أو يخالف ما هو أصح منه.
- ثم في النتيجة نظر من جهة أنها تجعل ردّ المرسل وقبول جهالة الحال بمرتبة واحدة، وتقارن بينهما، والصحيح أن لا مقارنة، من جهتين:
1- أن المرسل لا يُعرف عدد المحذوف فيه، بينما يُعرف أنه واحد في جهالة الحال، وهذا سبق بيانه.
2- أن الجهالة في المرسل جهالة حال وعين، وفي الجهالة جهالة حال فحسب.
وبهذا يتبين أن داعي الرد في المرسل أقوى منه في جهالة حال التابعي -كما سلف-.
ويتبين بعد كل هذا أنه لا يوجد تعارض واضطراب في نهج المحدثين في هذين البابين، فهم يتعاملون مع كل منهما بنظر منهجي دقيق.
والحق أن تعامل المحدثين كان مع النص لا الراوي، أي أن حكمهم على النص سابق على حكمهم على الراوي، فهم يحكمون على النص بحسب قرائنه وملابساته، دون نظر لراويه أولا، ثم يحكمون على راويه، وهذا بسبب سعة اطلاعهم على الشريعة، ومعرفتهم بأحكامها وتفصيلاتها قرآنا وسنة، ثم سعة حفظهم للسنة وطرقها وأسانيدها.
والله تعالى أعلم.
أضف تعليق