الخلاف عن هشام بن عروة في حديث مسابقة النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها

السؤال:

حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سابقها فسبقها، ثم سابقها فسبقته لما أرهقها اللحم

مدار الحديث على هشام بن عروة، وقد رواه جمع من الثقات الأثبات عن هشام عن أبيه عن عائشة
ورواه بعضهم عن هشام عن أبي سلمة عن عائشة
وجمع أبو إسحاق الفزاري بينهما فقال عن هشام عن أبيه وعن أبي سلمة عن عائشة، ويبدو أن هذه الرواية يرجحها أبو داود لأنه لم يرو سواها

لكن الإشكال في أن الدارقطني وأبا زرعة رجحا رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة عن رجل عن أبي سلمة، مع أنه لم يرو هذه الرواية إلا أبو أسامة ويحيى بن زكريا
وعلل الدارقطني ذلك بأنهما ثبتان، فهل المقصود ترجيح هذا الوجه في رواية أبي سلمة عن عائشة فقط؟
أو المقصود الترجيح مطلقا حتى في رواية هشام عن أبيه؟

لأنه لو كان يقصد الوجه الثاني فسيكون مخالفا لمنهجه في تقديم رواية الأكثر؛ لأن رواية هشام عن أبيه رواها ابن عيينة ويحيى بن سعيد وجرير بن عبد الحميد وغيرهم من الثقات الأثبات أيضا

وهل صنيع أبي داود يدل على ما فهمتُه؟ وهل جمع الفزاري بينهما يدل على أنه حفظ ذلك ولم يهم؟


الجواب: (حرر في 15 شعبان 1434هـ)

الحديث دقيق، ومحل للتأمل.

1- جاء عند أحمد عن يونس المؤدب، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، الجمعُ بين الإسنادين، إذ قال: “عن أبيه وعن أبي سلمة، عن عائشة”.

ولكن ما يزال في نفسي من هذا شيء، فهو في الميمنية: عن أبي سلمة وحده، وفي أطراف ابن حجر: عن هشام وحده، والحديث في أصله ساقط من نسختين -كما في طبعة المكنز-.

والمعروف عن حماد روايته الحديثَ عن علي بن زيد بن جدعان، باختلاف أسانيده، وقد روى ذلك عن حماد جماعة من أصحابه، كعفان، ويزيد بن هارون، وحسن بن موسى، وعلي بن الجعد، وحجاج بن المنهال.

2- وافق أبا زرعة والدارقطني في ترجيحهما: البخاري، بإشارة قوية، فقد حكى له الترمذي كما في علله (ص379) رواية ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فقال: “روى حماد بن سلمة هذا الحديث عن هشام بن عروة, عن رجل, عن أبي سلمة, عن عائشة”، كذا وقع فيه وفي أصله الخطي، وأظنه محرفا عن: “حماد بن أسامة”، فهذا الوجه مشهور عنه، لا عن حماد بن سلمة.

وليست الرواية التي سبقت في المسند معضّدة لما وقع في نسخة علل الترمذي، لأنه سبق أنها مترددة أصلا في ذكر أبي سلمة، ولأنها تخالف في صفتها ما حكاه البخاري، والله أعلم.

3- لم ينفرد أبو أسامة، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، بهذا الوجه، بل تابعهما عليه أبو معاوية الضرير، كما حكاه ابن أبي حاتم في سؤاله أبا زرعة.

ولم أقف على رواية أبي معاوية، وهو أصلا في هشام ليس بذاك، لكن روايته عنه قد تصلح للاعتبار.

4- الظاهر أن إعلال الأئمة الثلاثة (البخاري، وأبي زرعة، والدارقطني) متّجه إلى رواية هشام، عن أبيه، عن عائشة، من أصلها، فهم يرجّحون أن صوابها: ما رواه أبو أسامة ومن معه، عن هشام، عن رجل، عن أبي سلمة، عن عائشة.

وهذا ظاهر في سياق إشارة البخاري السابق نقلها، حيث سئل عن الإسناد الأول، فأجاب بالثاني، فدل على أن الأول عنده معل بالثاني.

وقل مثل ذلك في كلام أبي زرعة، حيث ضرب ابن أبي حاتم له بين الإسنادين، فرجح الثاني منهما.

وأما الدارقطني، فقد ساق أقوال الناس في الحديث، فذكر قول جماعة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، وقول الفزاري عن هشام، عن أبي سلمة، عن عائشة، وقول أبي أسامة وابن أبي زائدة عن هشام، عن رجل، عن أبي سلمة، عن عائشة، وقولا رابعا، ثم قال: “ويشبه أن يكون القول: قول يحيى بن زكريا، وأبي أسامة، فإنهما ثبتان”.

فالأشبه بسياقه أنه يختار قول يحيى وأبي أسامة على الأقوال التي ساقها قبلُ جميعا.

وسيأتي تفصيل وزيادة حول هذا الترجيح فيما يلي -بإذن الله-.

5- هذا من الأئمة الثلاثة لا يخالف منهجهم في قرينة ترجيح قول الأكثر والأحفظ.

والبخاري سيقت له رواية ابن عيينة عن هشام، فرجح رواية أبي أسامة عنه، وكلاهما -لا شك- حافظ عند البخاري، بل قد يكون سفيان عنده أحفظ.

وأبو زرعة سيقت له روايتا ابن عيينة وجرير، عن هشام، وروايتا أبي معاوية وأبي أسامة، عنه، فرجح رواية الآخِرَين، مع أن اجتماع الأولَين أقوى في الأصل بلا شك، خاصة مع ضعف أبي معاوية في هشام.

وكذا الدارقطني كما هو واضح.

وإذن، فالذي دعاهم جميعا إلى تقوية رواية أبي أسامة ومن معه، وتصحيحها عن هشام: قرينةٌ أخرى لا تقل قوة عن قرينتي الحفظ، والعدد، وهي قرينة (الصعوبة)، وقد تجلّت في هذا الحديث على صورة: مخالفة الجادة، ورواية الإسناد الصعب، حيث إن: (هشام، عن أبيه، عن عائشة)، جادة مسلوكة، و(هشام، عن أبي سلمة، عن عائشة)، ليست كذلك، فكيف بـ: (هشام، عن رجل، عن أبي سلمة، عن عائشة)؟ لا شك أن هذا إسناد صعب غير مألوف عن هشام، تدل روايتُه على مزيد حفظ وتثبت.

هذا، ويمكن أن تضاف قرينة الحفظ نفسها الموجودة في الوجه الأول، فهي موجودة في الوجه الثاني، من جهة أن أبا أسامة كان جيد الحديث عن هشام بن عروة، حافظا له، يسوقه السياقة التامة التي تدل على الضبط، قال أحمد: “ما كان أروى أبا أسامة -يعني: عن هشام-، روى عنه أحاديث غرائب”، وقال: “ما رأيت أحدا أكثر رواية عن هشام بن عروة من أبي أسامة، ولا أحسن رواية منه”، ثم ذكر حديث “تركة الزبير” فقال: “ما أحسن ما جاء بذلك الحديث وأتمه!” قال: “وحديث الإفك؛ حسّنه وجوّده”.

كما أن قرينة العدد موجودة كذلك في الوجه الثاني، إذ لم ينفرد به راو، بل اجتمع عليه: أبو أسامة، وأبو معاوية، وابن أبي زائدة.

ويضاف إلى القرائن في الوجهين: أن مِن الرواة مَن جمعهما في روايته عن هشام، وهو أبو إسحاق الفزاري، وحماد بن سلمة -على احتمال-.

ومما يدل على قوة رواية الفزاري عن هشام: أن الفزاري كوفي، وقد جوّد أحمد روايات الكوفيين عن هشام، وألمح إلى أنه نشط لحديثهم، فجاء برواياته لهم على التمام.

وتلاحَظ هاهنا قضية مفصلية دقيقة، هي أن ما سبق من كلامي ليس إلا تصحيحا للروايات عن المدار نفسه (هشام)، حيث إن كلام الأئمة الثلاثة يتضمّن -قطعا- تصحيحَ رواية أبي أسامة ومن معه عن هشام.

وإلى جانب ذلك، فالظاهر جدا أنهم -من خلال منهجهم الذي تفضلتَ بذكره عن الدارقطني- يصححون رواية ابن عيينة ومن معه عن هشام أيضا.

وأما ترجيحهم رواية هشام، عن رجل، عن أبي سلمة، عن عائشة، فإنما هو ترجيح فيما بعد المدار، لا فيما قبله.

بيان ذلك:

أن ثلاث القرائن المذكورة (الوعورة، وجودة حديث أبي أسامة عن هشام، والعدد) تقوّي جانب رواية أبي أسامة ومن معه، وتؤكد حفظهم لها عن هشام، وأن هشاما حدّث بها فعلا.

وفي الوقت نفسه، فاجتماع الرواة الثقات، كابن أبي الزناد، وسفيان بن عيينة، والدراوردي، ويحيى بن سعيد الأموي، وغيرهم، يغلّب على الظن صحة ما رووه عن هشام بن عروة من حيث تحديث هشام به، وأنهم حفظوه عنه، وذلك لثقتهم واجتماع كثرتهم.

وكذا، فجمع بعض الرواة للوجهين عنه يقوّي أنه حدّث بهما جميعا.

ومع ذلك، فتحديثه بحديث أبيه عن عائشة لا يعني أنه الصواب في نفس الأمر، فقد يترجّح بالقرائن أنه وإن حدّث به على هذا الوجه، وحُفظ عنه، فقد غلط فيه، ولم يضبطه، أو قصّر به، ولم يجوّده، وحدّث به على الوجه الآخر فأصاب وجوّد.

ويمكن معرفة ذلك بالنظر في القرائن المعروفة، فمن ذلك هنا:

  • أن للرواية عن أبي سلمة أصلا، وتوبع هشام عليها من طريقين، فيما لم أجد أصلا له عن عروة.

فأما متابعتا هشام عن أبي سلمة، فقد:

1/ رواه -كما مر- علي بن زيد بن جدعان، عن أبي سلمة، عن عائشة.

وقد اختُلف عن علي بن زيد اختلافا يسيرا، لكن الظاهر أن هذا أولى ما قيل عنه.

وحديث علي بن زيد أحسن من غيره إذا كان من رواية حماد بن سلمة عنه، وهو كذلك هنا.

2/ ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن عائشة.

وفي يحيى بن أيوب ضعف غير شديد، والإسناد فوقه مدني جيد.

وللطريقين ثالثة لا تذكر لوهائها عند الزبير بن بكار في “أزواج النبي صلى الله عليه وسلم”.

وهذه القرينة (متابعات المدار) استعملها الدارقطني بشكل واضح في كلامه على الحديث، فإنه لما اختار قول أبي أسامة ومن معه، عن هشام، عن رجل، عن أبي سلمة، عن عائشة، قال: “ورواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي سلمة، عن عائشة”.

  • ويمكن أن يقال فيما يؤيد الوجه الثاني عن هشام -على شيء من البُعد فيه-: إن رواية هشام عن أبيه جادة، فقد يكون سلكها في هذا الحديث حينا، فجعله منها، وضبطه حينا، فحدث به بذلك الإسناد الصعب.

وقد عُرف أن هشاما “انبسط فى الرواية عن أبيه” لما رحل إلى العراق، كما قال يعقوب بن شيبة، لكن بعض الرواة عنه هاهنا مدني.

  • وكذا يمكن أن يقال -على احتمال-: إن هشاما كان يشك في أن شيخه في الحديث: أبوه، لما حدّث بذلك، ولذا جاء في رواية جرير: “عن هشام بن عروة، قال: أراه عن أبيه، عن عائشة”، نعم، ينصرف هذا الشك لأول وهلة إلى جرير، لكن احتمال صرفه إلى هشام قائم.

وعلى ما سبق، فترجيح الأئمة الثلاثة فيه: تصحيح أحد الأوجه عن هشام، ضمنا، وتصحيحه في نفس الأمر، صراحة، وهكذا يتضح مرادهم بترجيحهم ذلك.

هذا، وأعجبتني جدا سياقة النسائي لطرق الحديث في سننه الكبرى، وسأحلّلها، وإن كنت أخشى أن أكون في تحليلها متكلفا، بعد أن يتقرر أن ابن رجب -وهو من أهل الاستقراء- ذكر أن النسائي “إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له”.

وفي حديثنا، ابتدأ النسائي باب (مسابقة الرجل زوجته) بحديث سفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.

ثم عقبه بحديث أبي أسامة، عن هشام، عن رجل، عن أبي سلمة، عن عائشة.

وكأنه يشير إلى أن الإسناد الأول معل بالثاني، ولعله بذلك -إذن- يُدرج فيمن رأى ذلك، مع البخاري، وأبي زرعة، والدارقطني.

ثم ذكر بعد ذلك رواية الفزاري، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.

فعقبها برواية الفزاري نفسه، عن هشام، عن أبي سلمة، عن عائشة.

وأحسب أنه يشير بهذا إلى أن الوجهين محفوظان عن هشام، بدلالة رواية هذا الثقة الثبت لهما عنه، وإن كان الصواب في نفس الأمر -كما أشار النسائي نفسُه قبلُ-: هو رواية أبي سلمة، ولذلك أخّر روايته هنا أيضا.

ولا يشكل على ترجيح رواية: هشام، عن رجل، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنه قد روي عن أبي أسامة، ورواه أبو إسحاق الفزاري، كلاهما عن هشام، عن أبي سلمة، به، بإسقاط الرجل المبهم، فإن هذا تقصير ظاهر ممن رواه، وتجوُّز واختصار، والمعتمد رواية أبي أسامة المجوّدة التامة.

6- إذا ترجح من روايات حديث هشام: حديثه عن رجل، عن أبي سلمة، عن عائشة.

فهذا الإسناد ضعيف، لإبهام الرجل فيه.

لكنه يعتضد بالإسنادَين المذكورَين، بل قد يرجع إليهما، ويكون الرجل الذي حدّث به هشاما عن أبي سلمة: عليَّ بن زيد بن جدعان، أو محمدَ بن إبراهيم التيمي، وكأن الثاني أقرب -إن صح تعيين المبهم بأحد هذين الراويين-.

والحديث على ذلك حسن.

ولأجل ما فيه من الإشكالات والاختلافات، ولأنه في النهاية لا يرقى إلى الاحتجاج به إلا بطريق الاعتضاد، تركه صاحبا الصحيح، فيما يظهر.

7- بقي مما تفضلتم به: رأي أبي داود في الحديث، ولا أستطيع الجزم في ذلك بشيء، إلا على أن الأصل في الكتب المبوّبة، وفي كتاب أبي داود خاصة: الانتقاء، واختيار الأقوى، مراعاة لغرض الاحتجاج.

لكن قد يكون أبو داود اختار هذه الرواية لا لكونها أصح عنده، بل لأنها محفوظة عن هشام، وهي في النهاية صالحة للاحتجاج وإن كان في بعضها خطأ ما.

والله تعالى أعلم وأحكم.



أضف تعليق