الأحاديث المنتقدة على “صحيح مسلم” وليست فيه

السؤال:

في جزء ابن عمار الشهيد في علل أحاديث في صحيح مسلم، وكذلك في التتبع للدارقطني، توجد أحاديث ليست الآن في صحيح مسلم، فما وجه ذلك؟

هناك من يجيب بأنهم اعتمدوا على روايات للصحيح توجد فيها هذه الأحاديث ولم تبلغنا، لكن ألا يَرِد على هذا الجواب أن الصحيح قد انتشرت روايته قديما قبل وفاة ابن عمار والدارقطني، ولعل النسخة المعتمدة من الصحيح كانت مشهورة في ذلك الزمان، وعلى ذلك ألا يستبعد أن يكون عند ابن عمار والدارقطني نسخة غير التي المعروفة الآن؟

وهناك من يجيب بأن هذا الإعلال بناء على ما يلزم مسلمًا وإن لم يخرجه. فما رأيك؟


الجواب:

أما الإيراد على الجواب الأول ففيه نظر من جهة أن الكتابَ المؤلَّف بعد تأليفه أحرى بأن تتعدد نسخه ورواياته مما إذا تأخر الوقت، فإنه يغلب عند المتأخرين أن تكون هناك روايات مستقرة محدودة، كما يلاحظ في “صحيح البخاري”، فإنه استقر أمره على روايات معينة مع تأخُّر ذلك عن البخاري، فلا شك أن تعدد الروايات أقرب وأولى في الطبقة المقاربة له من تلامذته فمن بعدهم، وقد ‏يكون منهم رواةٌ انقطعت رواياتهم أصلا، ولم تنقل بالأسانيد إلى المتأخرين، وهي موجودة عند القدماء المقاربين لعصر المؤلف.

‏هذا فضلا عن احتمال اطلاع هؤلاء الأئمة على المسودات والنسخ التي لم تُروَ، ‏ومن ذلك النسخ التي عَدَل عنها المؤلف وعدَّل فيها (التي اصطُلح أخيرًا على تسميتها الإبرازات)، وهي ما يؤخذ عن المؤلف في مرحلة، ثم يغيّر ويحذف ويضيف فيؤخذ عنه أيضًا، وإذن فقد يطلع القدماء على شيء مما كان المؤلف تركه وغيَّره.

بل إنه -بالنسبة لصحيح مسلم بعينه- يوجد عند المتأخرين رواية أخرى فيها اختلافات، ولم تصل إلينا تامة حتى الآن، وإنما يوجد منها نقول وحواش وترميزات على بعض النسخ لا تأتي عليها كاملة، وهي رواية أبي العلاء ابن ماهان عن أبي بكر الأشقر عن القلانسي عن مسلم، وقد أثنى الدارقطني على ابن ماهان وعلى روايته للصحيح.

فالجواب الأول إذن ما زال واردًا، ولا يظهر لي ما يُبعد أن ابن عمار والدارقطني يطلعان على شيء من نسخ الصحيح التي لم تصل إلينا.

أما الجواب الثاني، وهو أن النقد متجه إلى لوازم، فهذا ربما يرد ويصح أحيانا، لكن يظهر لي أنه لا يصح في كل موضع، لأنهم كثيرا ما يجزمون بأن الحديث المنتقد مخرَّج في الصحيح، وينصون على أن مسلم “أخرج” في الكتاب.

والله أعلم.



أضف تعليق