صحة ورود التعقب على ابن حجر في حديث الجمع بين الصلاتين

السؤال:

قال أحد الباحثين متعقبًا الحافظ ابن حجر:

في شرحه لحديث عقيل، عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر .. الحديث .
قال الحافظ رحمه الله: “هذا هو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه و كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما … قال: لكن روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة فقال: كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل ، أخرجه الإسماعيلي ، واعل بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة ، ثم تفرد جعفر الفریابي به عن إسحاق اهـ .
قد ذكر الحافظ رحمه الله في غير موضع من ((الفتح)) أن ألفاظ الحديث الواحد إذا اختلفت وكانت من طريق واحدة ومخرجها واحد تعين الجمع بينها ، وأن بعضها يفسر بعضها ، وهذا منها، ولذلك ترى الحافظ البيهقي ساقه في ((السنن الكبرى)) [١٦٢/٣] من طريق الإسماعيلي المذكور جمعاً بينه وبين حديث عمرو الناقد الذي أخرجه مسلم، ولم یذکر عقب ذلك علة ولا تفرداً.

قال مسلم في صحيحه : وحدثني عمرو الناقد ، عن شبابة ، بن سوار المدائني ، ثنا ليث بن سعد ، عن عقيل بن خالد ، عن الزهري ، عن أنس قال : كان النبي ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما .
فقد تابع عمرو ابن راهويه ، وتابعه أيضاً : الحسن بن محمد بن الصباح ، أخرجه من طريقه البيهقي في السنن الكبرى» [١٦١/٣] قال : ثنا شبابة ، ثنا الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أنس قال : كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الظهر والعصر في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر .
قال البيهقي : رواه مسلم في الصحيح عن عمرو بن محمد الناقد عن شبابة وزاد ثم يجمع بينهما اهـ . لم يذكر علة ولا تفرداً فأين ما قاله الحافظ ؟ .

قال الحافظ في نفس الموضع : وقد وقع نظيره في الأربعين للحاكم قال : حدثنا محمد بن يعقوب – هو الأصم – ثنا محمد بن إسحاق الصغاني – هو أحد شيوخ مسلم ـ ثنا محمد بن عبد الله الواسطي … فذكر الحديث ، وفيه : فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب . قال الحافظ صلاح الدين العلائي : هكذا وجدته بعد التتبع في نسخ كثيرة من الأربعين بزيادة العصر ، قال : وسند هذه الزيادة جيد اهـ . قال الحافظ : وهي متابعة قوية لرواية إسحاق بن راهويه إن كانت ثابتة ، لكن في ثبوتها نظر ، لأن البيهقي أخرج هذا الحديث عن الحاكم بهذا الإسناد مقروناً برواية أبي داود عن قتيبة وقال : إن لفظهما سواء إلا أن في رواية قتيبة : كان رسول الله ﷺ ، وفي رواية حسان : أن رسول الله ﷺ . ولنا مع الحافظ وقفتان :

الأولى : قوله : ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ، ثنا محمد بن عبد الله الواسطي ، وإنما هو عن حسان بن عبد الله الواسطي شيخ البخاري في هذا الحديث ، أخرجه من طريقه في باب : ١٥ – يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس .
الثانية : قوله : وهي متابعة قوية لرواية إسحاق ، وليس كذلك بل هي متابعة قوية لليث بن سعد عن ابن شهاب ، وقد قدمنا من تابع إسحاق عن شبابة فكأنه ذهل عنها رحمه الله .
وهذا لفظ رواية البيهقي في السنن الكبرى» [١٦١/٣] التي أشار إليها الحافظ :
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، ثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ، أخبرني حسان بن عبد الله ، ثنا المفضل بن فضالة ح .
وأخبرنا أبو علي الروذباري ، أنا أبو بكر بن داسة ، ثنا أبو داود ، ثنا قتيبة وابن موهب المعنى قالا : ثنا المفضل ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما ، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب وفي حديث حسان بن عبد الله : أن رسول الله ﷺ كان والباقي سواء .
رواه البخاري في الصحيح عن حسان بن عبد الله وقتيبة ورواه مسلم في الصحيح عن قتيبة.

انتهى كلام الباحث، ما رأيك بهذا التعقب؟


الجواب:

هذا التعقيب فيه خلل من جهات، وملاحظات، منها:

  • قفزه إلى الجمع وتفسير بعض الروايات ببعض قبل البحث في الثبوت والصحة، وإلا فرواية إسحاق بن راهويه ظاهرة المخالفة للحديث بكافة طرقه عن شبابة، والليث، وعقيل، والزهري، وأنس. وقد استغربها ابن تيمية واستنكرها الذهبي.
  • إيحاؤه بإلزام الحافظ برأي البيهقي وأنه “لم يذكر علة ولا تفردا”، ولا وجه لذلك.
  • زعمه متابعات لإسحاق بن راهويه وهي مخالفات، فرواية عمرو الناقد وابن الصباح كلاهما مخالفة واضحة لرواية إسحاق، وقد نص على ذلك ابن عبدالهادي والذهبي، والعجيب أنه يلزم ابن حجر بذكرها ويظن أنه ذهل عنها.
  • تكلفه في التعقب في قضية “محمد” و”حسان”، مع أن هذا قد يكون خطأ في نسخة الفتح أو طبعته وليس من الحافظ أصلا، يشير إلى ذلك أن الحافظ سمى الراوي “حسان” على الصواب بعد أسطر، وكذلك نقل الإسناد على الصواب في كتاب آخر.
  • تكلفه في التعقب في كونها متابعة لرواية إسحاق، وأنها متابعة لليث، وهذا أشد تكلفا من سابقه، والحافظ مصيب فيما قال، فهي متابعة قاصرة لإسحاق، وإنما نُسبت الرواية إليه لتفرده بها واشتهارها عنه، هذا فضلا عن أن الحافظ قال: “متابعة لرواية إسحاق” ولم يقل: “متابعة لإسحاق”. وهذه المتابعة -بذكر العصر- لا شك أنها خطأ لا تصح، وأظنها هي التي دخلت على إسحاق فرواها من حديث شبابة، وإنما هي من حديث المفضل.


أضف تعليق