السؤال:
ورد في مسائل حرب الكرماني (791):
وحدثنا عبدة بن عبد الله، قال: حدثنا أبو وهب، عن عبد الله بن المبارَك، أنه كان أعجبه بين الترويحتَين إذا افتتح أن يقول: «سُبحانك اللهم …»، ويتَعَوَّذ.
وفي حاشيتك: “كذا في الأصل، وصوابه: “عبد الرحيم”، وسيأتي على الصواب في مثل هذا الإسناد برقم (897، 1054)”.
وجاء في الترمذي (481م): “حدثنا أحمد بن عبدة قال: حدثنا أبو وهب، قال: سألت عبد الله بن المبارك عن الصلاة التي يسبح فيها؟ فقال: ” يكبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول خمس عشرة مرة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثم يتعوذ، ويقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم}، وفاتحة الكتاب، وسورة، ثم يقول عشر مرات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثم يركع، فيقولها عشرا، ثم يرفع رأسه، فيقولها عشرا، ثم يسجد، فيقولها عشرا، ثم يرفع رأسه، فيقولها عشرا، ثم يسجد الثانية، فيقولها عشرا، يصلي أربع ركعات على هذا، فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة، يبدأ في كل ركعة بخمس عشرة تسبيحة، ثم يقرأ، ثم يسبح عشرا، فإن صلى ليلا فأحب إلي أن يسلم في كل ركعتين، وإن صلى نهارا فإن شاء سلم وإن شاء لم يسلم”.
فلعل الصواب ماذكره الترمذي في اسم الراوي عن أبي وهب.
الجواب:
حبذا لو صح هذا، لكنه بعيد كما سأوضحه.
وقبل ذلك فالتعبير بـ”ما ذكره الترمذي” فيه نظر، فإن الترمذي لا يذكر هنا شيئا يلزم أن يصوَّب ما عند حرب إليه، فليسا يحكيان قولا واحدا أو متنا معينا مثلا يفترض أن يتفقا في ذكره وحكايته، بل احتمال كون الشيخ رجلا آخر قائم.
وهو الاحتمال الذي لا يصح غيره في نظري:
فإنك -أولًا- غير واجدٍ حربًا يروي عن أحمد بن عبدة الآملي هذا، ولو كان لاشتهر، إذ هو رجل مغمور قليل التلاميذ.
وإنما يروي حرب عن أحمد بن عبدة بن موسى الضبي، وهو شيخ آخر روى عنه الترمذي أيضا، وليس معروفا بالرواية عن أبي وهب صاحب ابن المبارك.
وأما ما وقع في بعض نسخ الترمذي من نسبته ضبّيا في أحد المواضع، فغلط ظاهر، وقد بيّن الترمذي في العلل آخر كتابه أنه إنما يروي مسائل ابن المبارك نُسَخًا عن الآملي عن أصحاب ابن المبارك.
ثم إنك -ثانيا- ترى في تعليقي استنادا إلى ورود هذا الإسناد بعينه في موضعين عند حرب، وزد عليهما الآن موضعين آخرين في القسم الأخير من الكتاب 2/ 793، 824.
وقد خبرتُ حربًا في مسائله، فرأيته وقعت له مسائل عن عدة من الأئمة نسقا واحدا يوردها بإسناد واحد، فهي -على الظن الغالب- كتب كان يرويها -كما مرّ عن الترمذي آنفا-، ففرَّق ما شاء منها في مواضعه من كتابه.
ثم -ثالثا- فإنه يعتبر في التصويب أن يكون أقرب ما يكون إلى ما وقع في الأصل، وأن يقلل احتمال الوهم ما أمكن، والتصويب إلى (عبدة بن عبدالرحيم) إنما يخالف ما وقع في حروف يسيرة من آخره فحسب، وأما (أحمد بن عبدة) ففيه اختلاف تام في الاسم، وتقديم وتأخير، والتحرُّف إلى مثله بعيد ما لم تقم عليه دلائل بيّنة.
هذا كله على قبول المقارنة بين إسنادَي الترمذي وحرب، من باب اتفاق الإسنادين والسلسلتين في الجملة، دون هذا المتن بالخصوص، إذ في قبول مقارنة متن الترمذي بمتن حرب توقف ونظر، وفي كونهما متنا واحد بحث.
والله تعالى أعلم.
أضف تعليق