السؤال:
جاء في علل الدارقطني:
“وسئل عن حديث هند بنت الحارث، عن أم سلمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا أنزل الله من الفتن، وماذا فتح من الخزائن، أيقظوا صواحب الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة.
فَقَالَ: يَرْوِيهِ الزُّهْرِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛
فَرَوَاهُ ابْنُ عيينة، واختلف عنه؛
فرواه أبو مسلم المستملي، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة قال: وحدثنا عمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد، عن الزهري، عن أم سلمة وكذلك قال سفيان بن وكيع، عن ابن عيينة وقال إبراهيم بن بشار، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن الزهري، عن امرأة قالت:..
وقال معمر، ويحيى بن سعيد: عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة وكذلك قال أبو عبيد الله المخزومي، وأبو همام، ومحمد بن يحيى بن رزين: عن ابن عيينة، وقال عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ: عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عن عمرو، ومعمر، ويحيى بن سعيد، عن الزهري قال معمر: عن هند، عن أم سلمة وقال علي بن المنذر، وعبد الله بن نصر الأنطاكي: عن ابن عيينة، عن عمرو، عن الزهري، ويحيى، ومعمر، عن الزهري، عن أم سلمة وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عن عمرو، ويحيى، ومعمر، عن الزهري، عن امرأة، يقال لها: هند، وقال بعض أصحابنا: عن أم سلمة، وقال عبد الرزاق: عن ابن عيينة، حدثني أربعة، عن الزهري، عن عمرو، ومعمر، ويحيى، وزياد بن سعد، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة، قاله الباغندي، عن علي النسائي، عن عبد الرزاق وروى هذا الحديث مالك، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، قال: حدثتني عجوز من قريش، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يذكر أم سلمة.”
اشكل تشجير الاختلاف على ابن عيينة
ممكن توضيح الاوجه والرواة في هذا الموضع
الجواب:
هذا السؤال في إحدى أهم القضايا وأدقها، وهي قضية فهم الأسانيد وسياقاتها، وحسن قراءة الوجه قبل إدخاله في الاختلاف، وذلك أمر يستعجل فيه بعض الباحثين، فيبني التخريج فالدراسة فالموازنة فالحكم على خطأ في الخطوة الأولى.
وهذا النص من «علل الدارقطني» فيه عدة إشكالات، منها ما يظهر أن سببه النساخ، وربما يرجع بعضها إلى الدارقطني نفسه، سواء لإرادته الاختصار -كعادة الأئمة فيما هو مفهوم من السياق-، أو إلى غير ذلك.
ولا بد من فحص تلك الإشكالات وتحليلها لاستخلاص ما يغلب على الظن رجحانه فيها، ثم تلخيص الأوجه الواردة في كلام الدارقطني، وتعيين رواة كل وجه منها، وهي كما يلي وفق ترتيبها عنده:
أولًا: رواية أبي مسلم المستملي ومن معه:
ذكر الدارقطني أن أبا مسلم وسفيان بن وكيع -عطفه عليه بعدُ- روياه عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة. قال: وحدثنا عمرو بن دينار ويحيى بن سعيد، عن الزهري، عن أم سلمة.
ومن الواضح هنا أن عمرو بن دينار تكرَّر مرتين في إسنادَي ابن عيينة كليهما، والأصوب أنه يروي الإسناد الأول عن معمر، لا عن عمرو بن دينار، فإن معمرًا هو ثالث شيوخ ابن عيينة المعروفين في هذا الحديث، وهو المشهور بذكر هند في الإسناد خلافًا لعمرو ويحيى.
وبذلك تكون هذه الرواية مطابقة لروايتي الحميدي وابن أبي عمر -في الأصح عنه- عن ابن عيينة، ولم يذكرهما الدارقطني في كلامه.
ولعل ذِكر عمرو بن دينار في الإسناد الأول سهو من الدارقطني، أو خطأ مركب من بعض النساخ.
ثانيًا: رواية إبراهيم بن بشار ومن معه:
وليس فيها إشكال إلا أنه قال عقب الزهري في الإسناد الأول (رواية عمرو بن دينار): «عن امرأة قالت»، ثم انتقل إلى الإسناد الثاني دون ذكر أم سلمة، فكأنه جعل الإسناد الأول من مسند المرأة.
والمشهور عن إبراهيم بن بشار (كما عند ابن بشران والضياء) ذكرُ أم سلمة في رواية عمرو بن دينار، وهو المعروف عن ابن عيينة في كافة الطرق عنه تقريبًا.
ولعل إسقاط أم سلمة اعتمادٌ من الدارقطني على فهم القارئ لبقية الإسناد، مع الاهتمام بموضع الاختلاف -وهو هنا تسمية المرأة وإبهامها-، أو هو سقط من بعض النساخ، أو حكاية من الدارقطني لروايةٍ وقعت له من طريق إبراهيم بن بشار.
ثالثًا: رواية عبدالجبار بن العلاء:
ذكر الدارقطني أن عبدالجبار رواه عن ابن عيينة، عن عمرو ومعمر ويحيى بن سعيد، عن الزهري -قال معمر: عن هند-، عن أم سلمة.
وقد يُستشكل هذا السياق بالنظر إلى الجملة المعترضة فيه، وعلامات الترقيم الصحيحة توضحه، فالمراد أن الثلاثة رووه عن الزهري، زاد معمر وحده: عن هند، ثم اتفقوا على إنهاء الإسناد إلى أم سلمة.
وإذن فرواية عبدالجبار توافق ما سبق ذكره عن أبي مسلم المستملي والحميدي وابن أبي عمر، ولعل الدارقطني أفردها لاختلاف سياقه لها.
رابعًا: رواية علي بن المنذر وعبدالله بن نصر الأنطاكي:
ذكر الدارقطني أنهما يرويانه عن ابن عيينة، عن عمرو، عن الزهري. ويحيى ومعمر، عن الزهري، عن أم سلمة.
ولم يتبين الفرق بين روايات عمرو ويحيى ومعمر في هذا السياق -كما هو واضح-، لأن الدارقطني لم يتمم إسناد عمرو بعد الزهري، وذِكر الزهري مرتين يُبعِد أن الجميع يرويه عنه على وجهٍ واحد، إذ لو كان كذلك لعطف يحيى ومعمر على عمرو مباشرةً، دون حاجة لذكر الزهري بعد عمرو.
والذي يتوجه احتماله في هذا أحد أمرين:
١- أن يكون ذكر الزهري بعد عمرو إقحامًا خاطئًا في النسخة، فيكون ابن عيينة يرويه عن شيوخه الثلاثة، عن الزهري، عن أم سلمة مباشرةً، دون ذكر هند في الإسناد في أي رواية.
٢- أن يكون الراويان المذكوران يجعلانه عن ابن عيينة من حديث عمرو بإدخال هند، ومن حديث يحيى ومعمر بإسقاطها، وذلك لأن الوجه المذكور في رواية يحيى ومعمر هو إسقاطها، ولا يقابل ذلك إلا إثباتها، فتكون هذه رواية عمرو هنا.
والاحتمال الأول أرجح في نظري، فهو وجه قريب ممكن في مثل هذا الاختلاف، يتضمن أمرين معروفين في اختلافات الرواة، هما: التقصير عن ذكر الواسطة، وحمل بعض الروايات المعطوفة على بعض. ويؤيده أن حذف الإسناد بعد المدار لا يناسب بيان الاختلاف، إذ لو كان عمرو يذكر هندًا لذُكرت في الإسناد -حتى لو لم تُذكر أم سلمة بعدها كما مرَّ في رواية إبراهيم بن بشار-، ولَمَا قُطع الإسناد عند الزهري، والاهتمام بموضع الاختلاف هو عادة الأئمة كما مر.
خامسًا: رواية حميد بن الربيع:
ذكر الدارقطني أنه يرويه عن ابن عيينة، عن عمرو ويحيى ومعمر، عن الزهري، عن امرأةٍ يقال لها: هند، وقال بعض أصحابنا: عن أم سلمة.
وهذه الرواية واضحة في كون ابن عيينة يسوق وجهين عن شيوخه، أحدهما: بذكر هند «عن امرأة يقال لها: هند»، والآخر بإسقاطها وجعله عن أم سلمة مباشرة «وقال بعض أصحابنا: عن أم سلمة» يعني أنه قال: الزهري عن أم سلمة، دون ذكر هند. وهذان الوجهان معروفان عن ابن عيينة كما سبق في رواية أبي مسلم المستملي.
إلا أن حكاية الوجه الأول هنا توهم كونه من مسند هند، والأمر في ذلك كالأمر في رواية إبراهيم بن بشار الماضية، فالظاهر أن ذكر أم سلمة أُسقط لكونه معروفًا في طرق الحديث، وأراد أن بعض أصحابه -يعني: شيوخه- جعله عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة، وبعضهم أسقط هندًا منه.
وإضافة إلى ذلك فإن حميد بن الربيع لم يحدد رواة كل وجه على جهة الدقة والتعيين، ولعله لم يضبطهم عن ابن عيينة.
سادسًا: رواية عبدالرزاق:
ذكر الدارقطني أنه رواه عن ابن عيينة، قال: حدثني أربعة عن الزهري: عن عمرو ومعمر ويحيى وزياد بن سعد، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة.
وكلمة «عن» قبل تعداد الأربعة زائدة، فإما أن تكون العبارة مستأنفة يبدأ فيها ابن عيينة الروايةَ عن شيوخه بـ«عن» كعادته، وتقدير كلامه: حدثني أربعة عن الزهري، أرويه لكم عن عمرو…، أو تكون «عن» مقحمة يلزم حذفها.
ثم إن الدارقطني جعل رابع الأربعة زياد بن سعد، والذي عندنا في كتاب ابن الباغندي -الذي نقل الدارقطني هذه الرواية عنه-: مالك، مكان زياد بن سعد، وكلاهما من رواة الحديث، فالله أعلم بالصواب من ذلك، وما في المصدر المسند أولى.
الخلاصة:
يترجح مما سبق: أن الأوجه التي ساقها الدارقطني ورواتها عنده كما يلي:
الوجه الأول: ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة. وعن عمرو بن دينار ويحيى بن سعيد، عن الزهري، عن أم سلمة:
ويرويه أبو مسلم المستملي، وسفيان بن وكيع.
ووافقهم عبدالجبار بن العلاء، إلا أنه ساقه بصيغة: ابن عيينة، عن عمرو ومعمر ويحيى بن سعيد، عن الزهري -قال معمر: عن هند-، عن أم سلمة.
ووافقهم حميد بن الربيع، إلا أنه لم يعين من ذكر هندًا ومن أسقطها، فقال عن ابن عيينة: عن عمرو ويحيى ومعمر، عن الزهري، عن امرأة يقال لها: هند، وقال بعض أصحابنا: عن أم سلمة.
الوجه الثاني: ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن امرأة، عن أم سلمة. وعن معمر ويحيى بن سعيد، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة:
ويرويه إبراهيم بن بشار، وأبو عبيدالله المخزومي، وأبو همام، ومحمد بن يحيى بن رزين.
الوجه الثالث: ابن عيينة، عن عمرو بن دينار ويحيى بن سعيد ومعمر، عن الزهري، عن أم سلمة:
ويرويه علي بن المنذر وعبدالله بن نصر الأنطاكي.
الوجه الرابع: ابن عيينة، عن عمرو بن دينار ومعمر ويحيى بن سعيد وزياد بن سعد (؟)، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة:
ويرويه عبدالرزاق.
والله -تعالى- أعلم.
أضف تعليق