السؤال:
قال البخاري (2128): حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا الوليد، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (كيلوا طعامكم يبارك لكم).
وفي هذا الحديث اختلاف:
الوجه الأول: خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب.
وهو رواية: ثور بن يزيد فيما يرويه الوليد بن مسلم، ويحيى بن حمزة الحضرمي، وعبد الله بن المبارك في رواية عبد الرحمن بن مهدي، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وحبان بن موسى فيما يرويه هارون بن أبي هارون العبدي.
الوجه الثاني: خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن المقدام بن معدي كرب.
وهو رواية: ثور بن يزيد فيما يرويه عبد الله بن المبارك في رواية أبي الربيع سليمان بن داود الزهراني وحبان بن موسى فيما يرويه الحسن بن سفيان النسوي.
الوجه الثالث: خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب، عن أبي أيوب الأنصاري.
وهو رواية: بحير بن سعد فيما يرويه بقية بن الوليد وإسماعيل بن عياش
الأول في البخاري
الثاني رجحه أبو حاتم
الثالث رجحه الدارقطني
الجواب:
الصواب إن شاء الله مع الدارقطني، والقرينة فيه ظاهرة، وقد نص عليها هو، وهو أن الأئمة يعدّون الزيادة قرينة حفظ وإتقان، لأن ذكرها أصعب من إسقاطها، ومن يترك الأسهل إلى الأصعب أقرب إلى الضبط غالبا، والأسهل غالبا أقرب إلى الخطأ أو إلى التقصير -إن لم يكن خطأ-، خصوصا ولا فرق في المؤدى بين الموصول ومرسل الصحابي، فقد يكون إسقاطه اختصارا أو كسلا. وقد قبل الأئمة الزيادة من الضعفاء فضلا عن الثقات في مثل هذا.
ومن اللطيف أن أبا حاتم استعمل القرينة نفسها في ترجيحه للوجه الثاني، إلا أنه اعتمد على رواية تدلّ قرائنُ أقوى على أنها خطأ أصلا، لا زيادة محفوظة، ومن هذه القرائن:
- المخالفات في أكثر من طبقة (أصحاب ثور وأصحاب خالد) بعدم ذكر جبير، حتى من ذكر أبا أيوب، فإنه يستفاد من القدر المشترك في روايته هنا، وهو عدم ذكر جبير.
- أن رواية جبير عن المقدام تركيبة غريبة غير معروفة.
- أن جبير في طبقة المقدام سنًا تقريبا، ووفاتاهما متقاربة، بينما عامة رواية جبير عن قدماء الصحابة.
- أن رواية خالد عن جبير جادة مسلوكة.
فهذه القرائن أقوى من قرينة الزيادة إذا عارضتها، ولعله لذلك لم ينظر الدارقطني في حكاية قول ابن المبارك إلى من زاد جبيرا عنه.
أما مع عدم معارضة الزيادة لقرائن أقوى، كما في رواية بحير بن سعد، فتترجح، وتزداد ترجّحا هنا بقرينتين:
- أن بحيرا مقدَّم في خالد بخصوصه، حتى قُدم على ثور بالذات.
- أن بحيرا لم يختلف عنه، خلاف ثور، وإن كنت حقيقة لا أعول كثيرا على ابن المبارك في الشاميين، وأذكر أني جمعت له عددا من الأوهام عنهم.
فتبين أن أبعد الأقوال قول أبي حاتم، يليه البخاري الذي أخرج رواية ناقصة، لكن نقصها لا يؤثر في صحتها، وقول الدارقطني أقرب إلى الصواب.
ملاحظة: عرض رواة الأوجه فيه تداخل شديد بين الطبقات، فلو استُعملت علامات الترقيم كالشرطتين والقوسين للتمييز بين رواة الاختلافات النازلة. وفي حكاية للوجه الثالث: لم تتبين لي فائدة النص على الراويين عن بحير، لأنه ليس بينهما اختلاف يحوج إلى إبرازهما كما حصل في الرواة عن ثور ومن دونهم.
والله أعلم.
أضف تعليق