السؤال:
حديث ابن عباس المشهور في مرور النبي ﷺ بالقبرين، أشكل عليّ بعض الأمور:
١) رواية شعبة عن الأعمش بحذف طاوس وعدم ذكره
وهي من طريق محمد ابن أبي عدي عند ابن حبان، وأبي داود الطيالسي في مسنده
كلاهما عن شعبة
ولم أقف على من ذكر الاختلاف على الأعمش من الأئمة المتقدمين.
فما هو التوجيه لرواية شعبة؟ خاصة وأن الراوي عنه ليس راويا واحدا، بل اثنان.
٢) الاختلاف على مجاهد وترجيح طريق الأعمش بذكر طاوس على طريق منصور وهو ما ذهب إليه البخاري كما في علل الترمذي، وكذلك الترمذي نفسه، والدارقطني في التتبع، فما هو القول في طريق منصور؟ هل هو مرجوح؟ أو كلا الوجهين محفوظ؟
٣) ثم كيف يجمع بين ترجيح البخاري لطريق الأعمش، وتخريجه لرواية منصور في صحيحه؟
الجواب:
هذا الحديث معضل مشكل في الحقيقة.
أولًا:
الذي يظهر لي أن شعبة لم يضبط حديث الأعمش، وحمله على حديث منصور، فإنه يرويه عنهما معًا، وقد روى حديث الأعمش مرة ثم قال: “وأخبرني منصور مثل إسناد سليمان وحديثه، فلم أنكره منه” [الإسماعيلي -كما نقل مغلطاي في شرح ابن ماجه-]، فكأنه لما سمعه من منصور بدون ذكر طاوس غاب عنه أن الأعمش ذكره، ورواه عنهما معًا بإسقاطه.
مثله في هذا مثل زياد البكائي الذي روى الحديث عنهما -قرنهما-، فلم يذكر طاوسًا فيه [الآجري في الشريعة].
على أن ابن حزم [المحلى] ذكر أن أحمد رواه عن غندر، عن شعبة، عن الأعمش، ولم يسق باقي إسناده، إلا أنه أورده في طرق رواية الأعمش بذكر طاوس، لكنني لا أتحقق من دقة ابن حزم في مثل هذا، ولا يعتمد ما نقله في هذا السياق حتى يأتي ما يعضده.
ثانيًا:
وأما منصور، فيحتمل أنه لم يضبط ذكر طاوس فيه، وعلى هذا جاءت رواية أصحابه، إلا أن ابن عيينة رواه عنه بذكر طاوس وبإسقاط ابن عباس [عند عبدالرزاق].
فيظهر أن دواعي ترجيح رواية الأعمش:
- تردد منصور واختلاف الرواية عنه.
- أنه نقص وقصَّر خلافا للأعمش الذي زاد وضبط.
- أن الحديث معروف عن طاوس من رواية غير مجاهد، فقد رواه عنه أيوب وعمرو بن دينار (ويحتمل أن أيوب أخذه عن عمرو) وإن أرسلاه، لكن ذلك يدل على أن له عن طاوس أصلا.
لكن هذا يورد احتمالا آخر:
وهو أن يكون حديث طاوس مرسلا (كما رواه عنه أيوب وعمرو بن دينار)، وكان مجاهد يرويه عنه كذلك، ويرويه أيضًا عن ابن عباس مباشرةً موصولًا، وهذان الوجهان روى كليهما منصور عن مجاهد، فأدمج الأعمش الوجهين، فرواه عن مجاهد، عن طاوس، ابن عباس.
وعليه فيكون منصور هو الذي معه التفصيل والضبط، وأما الأعمش فهو الذي أدرج فأخطأ.
وعند منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس حديث آخر مشهور في فتح مكة، فتنكُّبه ذكرَ طاوس في حديثنا هذا يشير إلى أنه ضبطهما وميّزهما.
وهنا يرد احتمال جديد في إسقاط شعبة طاوسًا في حديث الأعمش، فإنه قد يكون أسقطه لكونه غلطًا، أو لأنه نبَّه الأعمشَ على ذلك فأسقطه الأعمشُ نفسه.
وبقي احتمال: أن مجاهدًا أرسله لمنصور بإسقاط طاوس، ووصله للأعمش بذكره. ومؤدى هذا تصحيح الوجهين عن مجاهد، وهو ممكن لولا أنه يلزم منه أن طاوسًا كذلك أرسله لعمرو بن دينار ووصله لمجاهد. وكثرة الاحتمالات الناشئة عن القول تجعله بعيدًا. والله أعلم.
وليس المراد باحتمال حفظ الوجهين ما يذكره ابن حبان -ويتابعه عليه غيره- من جعل الحديث عند مجاهد على صورتين، فيقولون: سمعه من طاوس، ثم سمعه من ابن عباس.
بل هذا الأمر تجويز عقلي لا دليل عليه، وتنبني عليه لوازم لا تصح، أظهرها أن مجاهدًا بعد سماعه الحديث من طاوس وابن عباس بدهرٍ طويل حينما تصدى للرواية ذهب يحدث بالحديث النازل ويترك العالي، وهذا بعيد للغاية عن واقع الرواية وعادات الرواة.
إنما الاحتمال الوارد المقصود آنفًا أنه كان عنده الحديث عن طاوس عن ابن عباس لا غير، لكنه ربما تخفف من ذكر طاوس أحيانًا، اختصارًا أو كسلًا أو نحو ذلك مما هو معروف في مسألة التقصير، فحفظ منصور ذلك، وحفظ الأعمش الرواية التامة.
ثالثًا:
وأما تخريج البخاري لرواية منصور مع ترجيحه رواية الأعمش، فعنه أجوبة محتملة، منها:
- أنه قد يخرج المعلول عنده إذا أخرج صوابه في موضع آخر أو مواضع، وكلمة شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك مشهورة في شأن الألفاظ المعلولة، والأمر كذلك في الأسانيد.
- ويقارب هذا: أنه قد يخرّج ما يسميه المتأخرون: معلولا علة غير قادحة، فهذا الحديث يترجح عنده إدخال طاوس فيه، فإسقاطه في رواية منصور لا يقدح في إثباته في رواية الأعمش، أي: أن حقيقة الأمر وجود طاوس في السند وإن أسقطه منصور، وعليه فقد يخرّج الرواية المرجوحة إسنادًا لأغراض يريدها في متنها، أو للتنويع، أو لبيان الاختلاف، أو لغير ذلك.
- أنه أخرج رواية منصور في بابين: أحدهما في كتاب الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله، والآخر في كتاب الأدب، باب: النميمة من الكبائر. ومن الملاحظ أن كلا البابين في معنى التخويف من الفعلين المذكورين، وبيان عقوبتهما، فهما أقرب إلى أبواب الترغيب والترهيب منهما إلى أبواب الأحكام والحلال والحرام، فاحتمال تسامح البخاري ونزوله عن شرطه فيهما وارد.
والله أعلم.
أضف تعليق