وقانا الله ووقاكم!
عُرف عن الشيخ العالم المتفنن شهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن خليفة، المعروف بابن الحسباني (749-815هـ)، جمعُه لمكتبةٍ قيّمة، تزخر بمختلف المسانيد والمصنفات والأجزاء، وتتضمَّن ما جمعه من المؤلَّفات، وما قمَّشه من المجاميع والمسوَّدات.
وقد أشار الحافظ ابن حجر العسقلاني إلى نفاسة مكتبة ابن الحسباني في نفس ابن الحسباني نفسِه، فقال: «وأفادني كثيرًا من أجزائه التي كان يضنُّ بها على غيري»[1].
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: «وكان عنده من الأصول والكتب في مِصرِه، ما لم يكن عند أحدٍ من أهل عصرِه، لكن الفتنة أذهبَتْها فبانَت، وكأنها ما كانت»[2].
وحكى ابن فهد الهاشمي طرفًا مما أصاب مكتبةَ ابن الحسباني العامرة، فقال: «ومسموعاته جمَّةٌ لا تحصر، لكن غاب عنه أكثرها»، ونقل عن ابن ناصر الدين قولَه: «لم يُكمِل فيما أعلم تأليفًا، ولا رأيتُ له تصنيفًا»[3]، فعلَّق عليه بقوله: «لعل موجِب ذلك تلافُها في الفتنة»[4].
والفتنة المرادة هنا: استيلاء تيمورلنك على الشام مطلع القرن التاسع الهجري، وما حصل في ذلك من الخوف والجوع والنقص في الأموال والأنفس والثمرات، والكتب.
وابنُ الحسباني أَولى من يحدِّث بخبره وخبر مكتبته، إذ نجده ينسخ نسخةً من كتاب «المشتبه» للذهبي، ويكتب على ظهرها[5]:

«وكنتُ قرأتُ هذا الكتابَ قديمًا على شيخنا الحافظ تقي الدين أبي المعالي محمد بن رافع السلامي المصري، نزيل دمشق، بحق إجازته من مؤلفه، قراءةَ روايةٍ ودرايةٍ وضبطٍ وتحرير، وذلك قبل واقعة اللعين(!) تَمِر، وقد كنتُ كتبتُ على نسختي فوائدَ وزوائدَ واستدراكاتٍ عجيبةً مفيدةً، لا توجد مجموعةً في مكان، ونظرتُ على هذا الكتاب عدَّةَ كتبٍ وتعاليقَ في هذا الفن، وجمعتُ فيه كتابًا كافلًا حافلًا، واحترق كلُّ ذلك»[6].
ويقول كذلك في آخر هذه النسخة:

«ولم آلُ جهدًا في تحريره وتقييده من الكتب التي كانت عندي بعد واقعة اللعين تَمِر، ومما وقر في حفظي وذهني من ذلك، ومما تلقيته من المشايخ الحفاظ المقدَّمين في هذا الفن…، ونبَّهت على استدراكات وأغاليط وقعت للمؤلف وغيره، كنت علقتُ ذلك كلَّه في كتابٍ مفرد، احترق في واقعة اللعين تَمِر».
وكان اشتغاله في هذه النسخة بين عامي 805-807هـ.
وينسخ ابن الحسباني -أيضًا- نسخةً من كتاب «المغني في الضعفاء» للذهبي، ويجتهد في ضبطها وتصحيحها، ثم يعتذر أخيرًا فيقول:

«ولم آلُ جهدًا في أمرها وإتقانها، وكتابة ما تدعو الحاجة إليه من التقييد على الحواشي، والاستدراك عليه…، مع طول العهد بهذا الفن، وقلة الكتب عندي فيه، بعد أن كان عندي فيه وفي غيره ما لم يجتمع عند عالمٍ ولا محدِّثٍ في هذه الأزمان».
ويقول أيضًا في شأن جهده في النسخة نفسها:

«وكل ذلك مما علقتُه وحرَّرته من الأئمة الحفاظ، ومن الكتب في هذا الفن، فقد اطَّلعت على ما يزيد على خمسين مصنَّفًا في ذلك، وكنتُ علقتُ على كتابه الكبير «الميزان» ذيلًا، وكتبتُ عليه حواشيَ مفيدة، قبل واقعة اللعين تَمِر، والآن عندي بعضُ كتبٍ في هذا الفن».
وأرَّخ ذلك في شوال، سنة 807هـ.
ومن مصنفات ابن الحسباني الأثيرة التي نُكب فيها: تفسيرٌ كبيرٌ قيل إنه سمَّاه «جامع التفاسير»[7]، قال ابن حجر العسقلاني:
«شرع في تفسيرٍ كبير، أكمَلَ منه كثيرًا، ثم عُدِم في الكائنة»[8].
ومن مقتنيات مكتبته النفيسة التي عُدِمَت كذلك: «شرح المنهاج» في فقه الشافعية، من تأليف والده الفقيه المحقق إسماعيل بن خليفة الحسباني (ت 778هـ)، قال ابن قاضي شهبة في ترجمة ابن الحسباني الوالد:
«وفيه نقول كثيرة، وأبحاث نفيسة، ولم يشتهر لأن ولدَهُ لم يمكِّن أحدًا من كتابته، فاحترق غالبُه في الفتنة»[9].
ما الذي حصل في «الكائنة»؟
تَطُول، كلَيلةِ موجوعٍ، حكايةُ آخر الاجتياحات المشرقية الكبرى للعالم الإسلامي، وما حولتْه إليه من قيعان صفاصف، لكننا مضطرُّون، اضطرارَ المتجرِّع، إلى لمحةٍ عما حدث في مدينة دمشق بالذات، يومَ الأربعاء، الثلاثين من شهر رجب، سنة 803هـ، والأيامَ القليلةَ التي تلتْه.
جاء في «تاريخ ابن قاضي شهبة» (4/177):
«ويومَ الأربعاء، سلخ رجب، دخل مِن عسكر التتار مَن لا يحصى عددهم، بأيديهم السيوف المصلتة، فانتهبوا ما بقي من المتاع، وسَبَوا النساء والشباب، وأسروا الرجال، وألقوا الأطفال، وأضرموا في البلد الشرار، فإنا لله وإنا إليه راجعون، واستمرَّ هذا يوم الأربعاء، ويوم الخميس، ويوم الجمعة. فاحترق داخلُ البلد بأسره، حتى الجامع والمارستان والمدارس، وهدُّوا القلعة وأحرقوها».
وقال ابن حجر العسقلاني في «إنباء الغمر» (2/138-139):
«وصبَّح البلدَ في سلخ رجب المشاةُ والرجالةُ، في أيديهم السيوف المصلتة، فانتهبوا ما بقي من المتاع، وألقوا الأطفال -من عُمر يومٍ إلى خمس- تحت الأرجل، وأسروا أمهاتهم وآباءهم، وفسقوا جهارًا، ثم أُطلقت النار في البيوت، إلى أن احترق أكثرُ البلد، وخصوصًا الجامع وما حواليه…، واستمر الحريق في البلد لعجز من بقي عن طَفْيِه، حتى عمَّ جميعَها».
لقد كان ابن الحسباني رجلًا جلدًا قويَّ الشكيمة، يتولى منذ نحو ثلاثين سنةً من الآن تدريس المدارس، وخطابة الجوامع، ونيابة القضاء، وينافس على ذلك منافسةً شديدة، ولم يكن يثنيه عقابٌ ولا حبسٌ ولا طلب، وقد شارك جماعةً من القضاة والعلماء في التوقيع على فتوى حماسية، تقضي بمدافعة تيمورلنك، وتحرض على قتاله، قرئت مرارًا في الأسواق والمجامع والجوامع، مطلع صفر، سنة 803هـ[10].
إلا أنه بعد أسابيع قليلة، ومع وصول الأخبار بسقوط حلب، وورود النصائح بتسليم دمشق بالأمان دون مقاومة، رأى ابنُ الحسباني -فيما يبدو- أنه هالكٌ لا محالة، سواء قُضيت المسألة سلمًا أو حربًا، خصوصًا مع مساهمته في جهود التحشيد ضد تيمورلنك، فغادر دمشقَ جنوبًا في عجلةٍ بالغة، حتى إن بعض أفراد عائلته لم يدركه إلا لاحقًا، وكانت لحظاتٍ عصيبةً من القلق والاضطراب والتزاحم، وذلك يوم الأربعاء، الثاني والعشرين من ربيع الأول[11].
لم تقيد لنا كتب التاريخ إلى أين توجه ابن الحسباني، وكيف نجا، ولم نعثر بعدُ على وثائقَ تفصِّل ذلك بخطه أو بخط غيره، إلا أن نكبةَ مكتبته تدلُّ بجلاءٍ على أنه تركها في دمشق أثناء خروجه المستعجل، ولا بد أنه كان يأمل أن يعود إليها يومًا ما، ليكمل مطالعاته، ويتمم «تفسيره» ومؤلفاته، كما تشير إليه حسرتُه التي تنطُف من كلماتِه في وصف ما جرى.
أما بعد النكبة
عاش ابن الحسباني 12 سنة بعد هذه الأهوال.
قدم القاهرةَ يومًا، فقابله فيها تلميذُه الذي لقيه وسمع منه في منزله بالزعيفرينة من ضواحي دمشق قبل الكائنة بقليل، ابنُ حجر العسقلاني. كان ابن الحسباني يكبر ابنَ حجر بنحو 24 عامًا، لكنَّ ابنَ حجر يستذكر شدةَ إقبال ابن الحسباني على الطلب -مع ذلك-، فيقول: «وطلب بنفسه فأكثَرَ بدمشق والقاهرة، إلى أن رافقَنا في السماع على جماعةٍ من شيوخنا»[12].
من المؤكد أن حديثَ النكبة جرى بينهما، وأن ابن حجر -الذي غادر دمشقَ قبل ابن الحسباني بنحو ثلاثة أشهر فقط- كان يعزِّي شيخَه ورفيقَه في مكتبته. وقد بالغ ابن حجر في اللطف، فأهدى الرجلَ جملةً من الأجزاء[13]، مكافأةً له على تفضُّله بإفادته كثيرًا من الكتب والأجزاء هناك في دمشق قبل النكبة، وإمعانًا في تعزيته وتسليته.
فتَّت النكبة في نهمة ابن الحسباني العلمية، ففتر عن الاشتغال بالكتابة والبحث والتأليف، ثم انصرف إلى أمورٍ لا علاقةَ لها بالعلم[14]، وإن كان ذلك انصرافًا نسبيًّا فيما يبدو، إذ تُظهر لنا توقيعاتُه الباقية أنه لم يزل حتى مات يتمسَّك -حسيرًا- ببقايا همَّةٍ قديمةٍ لم تردمها النكبات.


[1] «المجمع المؤسس» (3/25).
[2] «التبيان لبديعة البيان» (3/1534).
[3] السابق.
[4] «لحظ الألحاظ» (ص161).
[5] لم تصل إلينا نسخة ابن الحسباني بعينها، بل فرع منها أجاد ناسخُه نقلَ ما كان على أصله.
[6] قال ابن الحسباني بعدها: «واجتمع عندي من الكتب في ذلك نحو عشرين مؤلَّفًا…»، ثم سرد جملةً منها، ومراده -كما سيأتي- ما اجتمع له مجدَّدًا، فطالعه بعد احتراق كتبه الأولى، وقد ذكر في هذه الكتب -مثلًا-: «المؤتنف» للخطيب البغدادي، بخطه، وهذا ما زال محفوظًا جلُّه -بحمد الله-.
[7] «لحظ الألحاظ» (ص161).
[8] «إنباء الغمر» (2/524).
[9] «طبقات الشافعية» (3/84)، وانظر: «إنباء الغمر» (1/137).
[10] انظر: «تاريخ ابن حجي» (1/455-456)، «تاريخ ابن قاضي شهبة» (4/147-148).
[11] انظر: «تاريخ ابن حجي» (1/465)، «تاريخ ابن قاضي شهبة» (4/156-157).
[12] «المجمع المؤسس» (3/25).
[13] انظر: «إنباء الغمر» (2/524)، «الجواهر والدرر» (1/275).
[14] انظر: «المجمع المؤسس» (3/26).

أضف تعليق