شُهِرَ الشيخ الصالح المسنِد أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان الهمْداني البغدادي (347-440هـ) بالأجزاء التي رواها عن الشيخ المحدِّث الثقة أبي بكر محمد بن عبدالله بن إبراهيم الشافعي (260-354هـ)، وحدَّث بها عنه طويلًا حتى لُقِّبَت به: «الغيلانيات».
ولم أقف على خط ابن غيلان إلا في نموذجٍ فاذٍّ نادر، اجتمع فيه خطُّه بخط تلميذه الإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (392-463هـ)، إذ كان الخطيبُ يطلب منه أن يجيز لأحد المحدِّثين الفضلاء، وهو الشيخ أبو سعد الفضل بن عبدالله بن علي الآذِيْوْجَاني[1]، ففعل.
وهذا النموذج -فوق ندرته الخطية التراثية- من نوادر استدعاءات الإجازة المتقدمة، المدوَّنة بخط إمامٍ كالخطيب البغدادي.
وهو -كذلك- يؤكد علاقة الآذيوجاني وأصوله وكُتبه بالخطيب، وذلك ما أشار إليه السمعانيُّ بقوله: «له أصولٌ حسنةٌ مضبوطةٌ مقيدةٌ بخط أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ وغيره من أهل الحديث والحفاظ»[2].
كتب ابن غيلان إجازته بخطه مؤرِّخًا لها بشهر صفر، سنة 439هـ، فأفاد أنه كتبها في آخر حياته الطويلة بعطاء العلم والرواية، وهو يناهز يومئذٍ الثانية والتسعين من عمره، ويقارب أن يُتوفَّى إلى رحمة الله في شوال من العام القابل.

إنْ رأى الشيخ الصالح -أدام الله توفيقه- أن يتفضل بالإجازة للقاضي أبي سعد الفضل بن عبدالله بن علي بن عمر الآذيوجاني، جميعَ ما يصح عنده مِن سماعاته المشتملة على سائر العلوم؛ أن يروي عنه ذلك على سبيل الإجازة، وهو بريء من الغلط والوهم = فعل مثابًا -إن شاء الله-.
أجزت له ذلك. وكتب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلا[ن]، في شهر صفر، سنة تسع وثلاثين وأربع مائة.
وإذ اجتمع ابنُ غيلان والخطيبُ في هذا النموذج، فلا بد لي هنا من تعريجةٍ على اجتماعهما في مقامٍ آخر أوسَعَ مادةً وأذيَعَ انتشارًا، ذلك هو أجزاءُ ابن غيلان المشهورةُ نفسُها: «الغيلانيات».
لقد كان الخطيبُ حفيًّا بهذه الأجزاء، بل كتب منها نسخةً بيده، وآلت نسختُه -فيما آلت- إلى الشيخ المحدِّث عبدالله بن محمد بن علي ابن عبدالسلام البغدادي (506-589هـ)، فقيَّد الشيخُ ذلك -بما يشبه الفخر والاعتزاز- في إثباته قراءةَ الحافظ أبي الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي (555-648هـ) للكتاب عليه، وذلك في 28 جمادى الأولى، سنة 588هـ، أي قبل وفاة الشيخ بعدة أشهر.

سمع عليَّ بقراءته جميعَ «حديث أبي طالب ابن غيلان»، وهو أحد عشر جزءًا، ونسختي بخط أبي بكر الخطيب -رحمه الله-…
ونقف -أيضًا- على نسخةٍ تامَّةٍ من الكتاب، منقولةٍ عن خط الخطيب البغدادي، وهي اليومَ من أنفس ذخائر مكتبة الحرم المكي الشريف -أدام الله زَيْنَه وأمْنَه-.

ويروي الخطيب نصوصًا من «الغيلانيات» عن ابن غيلان، فيصدِّر إسنادَه بعبارة: «أخبرنا محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان مرَّاتٍ لا أُحصيها كثرةً»[3].
ويحكي أبو عبدالله محمد بن محمود الرشيدي قصَّةً له لطيفةً في سماعه من ابن غيلان، وخوفِهِ فواتَهُ عليه، وأنه أدركه أخيرًا فسمع عليه «الغيلانيات» وغيرها، وكان القارئ عليه: الخطيب البغدادي[4].
بل تترقَّى علاقة الخطيب البغدادي بـ«الغيلانيات» درجةً، فنقف على نصٍّ شديد الندرة والأهمية، يتضمَّن تفاصيلَ قد تصحِّح إشكالًا تاريخيًّا نشأ في القرن السادس الهجري، وبقي قائمًا إلى يومنا هذا. صاحبُ ذلك النص هو الحافظ الثبت المتقن أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي السلَامي البغدادي (467-550هـ).
قال ابن ناصر في ضبط لفظٍ من الألفاظ:
«هكذا قرأناه على شيوخنا الثقات في «فوائد أبي بكر الشافعي» التي رواها عنه أبو طالب ابن غيلان البزاز…، وهكذا وجدتُه بخط الشيخ الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي، وكان قد جَمَعَ لأبي طالب ابن غيلان الأماليَ والمجالسَ التي سمعها من أبي بكر الشافعي -في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة-، ورَتَّبَها، وجَعَلَها في أحد عشر جزءًا، وكان متقنًا ضابطًا. وكذا أبو بكر الشافعي، كان فَهِمًا ضابطًا…»[5].
والذي يتحصَّل من هذا النص:
- أن ابن ناصر وقف على نسخة الخطيب البغدادي من «الغيلانيات».
- أن «الغيلانيات» عبارةٌ عن أماليَ ومجالسَ سمعها ابن غيلان من أبي بكر الشافعي خلال سنة 354هـ، ولعل هذا بالنظر إلى غالب الأجزاء، وإلا ففي «الغيلانيات» ما سمعه منه قبل ذلك.
- أن جامعَ «الغيلانيات»، ومستخرجَها لابن غيلان من مسموعاته، ومرتِّبَها له، هو الحافظ الخطيب البغدادي نفسُه.
- أن تخريج «الغيلانيات» لم يكن في وقت أبي بكر الشافعي، فلم يجرِ الأمر بأن تُستخرَج أحاديثُ من حديث الشافعي في حياته، ثم يسمعها ابن غيلان عليه، ثم تُروى عن ابن غيلان وتشتهر به ويشتهر بها، وهكذا كانت العادة في غالب التخريج الذي يطلق في هذا السياق مرادفًا «الانتقاءَ» و«الانتخاب». وإنما واقعُ «الغيلانيات» أنها كُتَلٌ من المجالس والأمالي والأبواب -لا أحاديثُ مفردة-، استُخرجت من مسموعات ابن غيلان وأجزائه بعد الشافعي بدهر، وجُمعت ورُتِّبَت لابن غيلان قصدًا، فحدَّث بها ورواها، وكان يحدِّث بها من أصول كتبه -كما بيَّن الخطيب البغدادي مرةً[6]-.
ومع ذلك، فتبقى هذه الأجزاء -في أصل وضعها- أجزاءً حدَّث بها أبو بكر الشافعي، فهي -كما مرَّ- مجموعةُ أجزاءٍ من حديث الشافعي، نُقِلت كما حدَّث بها الشافعي، وكما سمعها ابنُ غيلان منه، فرُويت كذلك. ولذا فمن الملحوظ أن ابن ناصر أثنى على ضبط الشافعي والخطيب، ولم يتعرَّض لابن غيلان، وكأنه رأى أن الأجزاء انتقلت من إملاء الشافعي إلى خط الخطيب مباشرة.
وهذا الأمر الأخير يُبقي على صحة الإطلاق المشهور في التخريج من «الغيلانيات»، وهو نسبتُها إلى أبي بكر الشافعي، لا إلى ابن غيلان الذي ليس له فيها إلا روايتها، رغم أن احتمالَ نسبتها إلى ابن غيلان قَوِيَ بكونها جُمعت وخُرِّجَت له من حديثه عن الشافعي، لا أنها خُرِّجَت من حديث الشافعي فسمعها ابن غيلان.
أخذ عن ابن ناصر جماعةٌ من كبار علماء الأمصار والفنون، لكنَّ عالمًا شهيرًا منهم اختصَّ به، ولازمه منذ مَيْعات صِبَاه، وتخرَّج في الحديث على يديه، وهو الحافظ أبو الفرج عبدالرحمن بن علي ابن الجوزي (ت 597هـ).
إلا أن ابن الجوزي لم يَسِر على خطة ابن ناصر في العناية التامة بالحديث وعلومه وفنونه ومصادره، فلم يمحض نفسَه فيها -كما فعل ابن ناصر أو كاد-، بل توسَّع وتفنَّن، ودخل في تصاريفَ كثيرةٍ من علوم الشريعة نقلًا وفقهًا وآدابًا، وفي علومٍ أخرى سواها.
وقد حُفِظَت لابن الجوزي في علم الحديث -على حفظ جلالته ومقداره- أوهامٌ في النقل، وآراء مخالفةٌ لمذاهب جمهور أهل الصنعة، نعم مع صوابٍ كثير، ونقداتٍ موفَّقةٍ صحيحة.
وعودًا إلى شأن «الغيلانيات»، فقد ابتدأ -فيما وقفتُ عليه- ابنُ الجوزي رأيًا في أصل وَضعِها وجَمعِها وتخريجها، مفادُهُ أن الإمام الحافظ أبا الحسن علي بن عمر الدارقطنيَّ (305-385هـ) هو الذي خرَّج «الغيلانيات» لابن غيلان.
قال ابن الجوزي في ترجمة ابن غيلان: «أخبرنا أبو القاسم ابن الحصين، عن أبي طالب ابن غيلان، بالأجزاء التي تسمى «الغيلانيات»، التي خرَّجها الدارقطنيُّ لابن غيلان»[7].
وقال في حديثٍ مكذوبٍ ناعيًا على الدارقطني: «ولقد عجبتُ من الدارقطني، كيف خرَّج هذا الحديث لابن غيلان، ثم خرَّجه لأبي بكر الشافعي، أتُراه أعجبتْهُ صحَّتُه؟ ثم لم يتكلَّم عليه، ولم يبيِّن أنه موضوع…، وإنما يَذكُر العلماءُ مثلَ هذا في كتب الجرح والتعديل ليبينوا حال واضِعِه، فأما في المنتقى والتخريج فذِكرُهُ قبيحٌ إلا أن يتكلَّم عليه»[8].
وإذْ وقع كلامُ ابن الجوزي في ترجمة ابن غيلان، وكانت ترجمةُ ابن الجوزي له من أعلى مصادر ترجمته وأصولها، فقد تلقَّف هذه المعلومةَ عنه أهل التواريخ والتراجم، فانتشرت في ترجمة ابن غيلان، ثم سَرَتْ إلى أهل الحديث في رواية «الغيلانيات» ووصفها.
فممَّن ذكر ذلك من المؤرخين في ترجمة ابن غيلان، بعد ابن الجوزي: ابن الأثير، وسبط ابن الجوزي، والملك المؤيد صاحب حماة، وابن الوردي، والصفدي، وابن كثير[9].
ولم أرَ -ولم أستقصِ- مَن أدخل ذلك حديثيًّا، وصفًا للكتاب في سياق روايته، قبلَ الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)، إذ قال في موضع: «والفوائد المذكورة تخريجُ الدارقطني من حديث أبي بكر الشافعي»[10]، وقال في آخر: «الغيلانيات، تخريج أبي الحسن الدارقطني من حديث أبي بكر محمد بن عبدالله بن إبراهيم الشافعي، في أحد عشر جزءًا، وهو القدر المسموع لأبي طالب ابن غيلان من الشافعي»[11]، وتبعه على ذلك السخاوي، والسيوطي، والشماع، ثم الروداني، والزَّبِيدي، وغير هؤلاء[12]، ثم انتشر هذا القول في عصرنا عند جماعاتٍ من العلماء والباحثين، أبرزهم الكتانيُّ والزركلي[13]، وعُدَّت «الغيلانيات» من مؤلفات الدارقطني في جملةٍ من تراجم المعاصرين له[14]، وسلَّم بذلك بعضُ محققي «الغيلانيات» نفسِها دون طويلِ بحثٍ ولا قصيرِه.
والذي وَضَح لي -والله أعلم- أن هذا المذهبَ لم يقع من ابن الجوزي إلا على سبيل السهو والخطأ، ولم يقع ممَّن تبعه عليه إلا على جهة التوارُد والاسترواح.
ومن الأدلة والقرائن المُبِينة عن هذا ما يلي:
1- أن نسبةَ تخريج «الغيلانيات» إلى الدارقطني لم تقع في نسخةٍ من نُسَخ الكتاب، وهي أَولى ما يقع في ذلك، ولا في إسنادٍ من الأسانيد التي تُروى بها أحاديثُه، وهي -كذلك- من المواضع المعتادة لذكر المنتقي، ولا وقع لها ذِكرٌ في كلام أهل العلم قبل ابن الجوزي، بل وقع خلافُه ممن هو أخبَرُ منه بالباب، وهو شيخه ابن ناصر السلامي -كما مرَّ في موضعه-.
2- أن الخطيبَ البغداديَّ لم ينسب انتقاءَ «الغيلانيات» إلى الدارقطني، مع بالغ عنايته بذكر تخريجاته ومنتخباته، سواء في تراجم مَن خرَّج لهم الدارقطني، أو في سياق الأسانيد التي يقتبسها عن منتقياته. وإذا انضمَّ إلى ذلك أن ابنَ غيلان شيخٌ للخطيب أكثَرَ السماعَ منه، واختصَّ بالقراءة عليه، فإن إهمالَه تخريجَ الدارقطني له لَقرينةٌ قويةٌ على أنه لم يبلغه من ذلك خبر، لا عن ابن غيلان ولا عن غيره، وهذا كعدم وجوده أصلًا.
3- أنه ليس للدارقطني في «الغيلانيات» حرفٌ واحدٌ ولا بعضُ حرف، وليس له ذِكر في إسنادٍ ولا متنٍ ولا تخريجٍ ولا تعليقٍ ولا تعقُّب، وهذا خلافُ عادته الجارية في تخاريجه الكثيرة التي لا يكاد يُخليها من كلامٍ -ولو ندر-، فأما كتابٌ في الضخامة بمثابة «الغيلانيات»، ولا يكون له فيه شيء، فكونُه تخريجًا له في غايةٍ من البُعد، وقربٍ من المحال.
4- أن واقع «الغيلانيات» لا يتماشى مع منهج الأئمة في التخريج والانتقاء على الشيوخ، فإن الكتابَ -كما مرَّ في موضعه- عبارةٌ عن مجاميعَ متراصَّةٍ من حديث أبي بكر الشافعي، منها مجالس وأمالٍ، ومنها أبوابٌ وفصولٌ ومسانيد، والجميع مرويٌّ بتمامه على وجهه، بل قد نُصَّ على أن «الغيلانيات» هي كل ما عند ابن غيلان عن الشافعي -إضافةً إلى «تفسير الثوري» فحسب-[15]، ولا يكون هذا تخريجًا، إنما التخريج ما يطالع فيه المخرِّج أصولَ الراوي، فيختار منها الحديثَ بعد الحديث، ولا ينقل النُّسَخَ برُمَّتها.
5- أن عبارة ابن الجوزي ومن تبعه في نسبة التخريج إلى الدارقطني مضطربةٌ غيرُ جاريةٍ على سَنن المحدِّثين في هذا الباب، فإن المحدِّثين إنما يذكرون تخريجَ المخرِّج للشيخ الذي يكون الحديثُ حديثَه، والانتقاءُ من أصوله وسماعاته، فيقولون: «انتخب عليه فلان»، «خرَّج له فلان»، ولا يذكرونه للراوي الذي يَروي ذلك عنه. فقول ابن الجوزي في وصف «الغيلانيات»: «التي خرَّجها الدارقطنيُّ لابن غيلان» لا يصحُّ -لو كان الدارقطني مخرِّجها-، فإن الواجبَ أن يكون تخريجُ الدارقطني -حينئذٍ- لأبي بكر الشافعي، ويكون ابن غيلان روى ما انتخبه الدارقطني وانتقاه وخرَّجه.
ومن الملاحظ أن مَن يُحسِن هذا الفن ويبرع فيه، وهو الحافظ ابن حجر العسقلاني، اضطرَّ إلى تصويب الأمر على وفق ما سبق، أي: بجعل تخريج الدارقطني للشافعي لا لابن غيلان -كما مرَّ في سياق كلامه-، وكذلك فعل بعضُ من تلاه[16].
ثم الغالبُ -كما يعرفه المطَّلع- أن يخرِّج الناقدُ مِن حديث شيخٍ من شيوخه، أو محدِّثٍ من أقرانه، ليَسمَعَ المنتقي أو أقرانُه أو طلبةُ ذلك الشيخ القدرَ المنتقَى من حديثه، فأما أن يخرِّج كبارُ الحفَّاظ للطلبة والشباب مِن حديثهم عن شيوخهم، فهذا لا يقع إلا على جهة الندرة والاستثناء، ولا يمكن أن تُهمِلَه -والحالُ هذه- مدوَّناتُ الحديث والتراجم. وقد مات الدارقطنيُّ في الثمانين من عُمره، ولابن غيلان إذ ذاك 38 عامًا فحسب، ولو كان الدارقطنيُّ أتعَبَ نفسَه في التخريج لهذا الشاب لكان ذِكرًا له في العالمين، ولكان أَولى مَن يورده تلامذتُه فمَن بعدهم في ترجمتِه ومواطن الروايةِ عنه.
ويقارب ما سبق في الاضطراب: نعيُ ابن الجوزي على الدارقطني تخريجَ ذلك الحديث الموضوع، فقد نسَبَ في كلامه إلى الدارقطني التخريجَ لتلميذٍ فشيخٍ في نَسَق: «خرَّج هذا الحديث لابن غيلان، ثم خرَّجه لأبي بكر الشافعي»، وهذا لا يجيء، ثم إنه كان ساق الحديثَ عينَهُ أولًا من رواية ابن غيلان عن المزكي -لا عن أبي بكر الشافعي-[17]، وإذن فإنما خرَّجه الدارقطنيُّ للمزكي، لا للشافعي، ولا محلَّ لذكر أبي بكر الشافعي في هذا السياق، إذ الحديثُ في «المزكيات» لا «الغيلانيات»!
وليَسُقنا هذا إلى تلمُّس أسباب ما وقع من الوهم والخطأ، وهما -في رأيي- سببان محتملان أو محتملٌ أحدُهما:
السبب الأول: أن الدارقطنيَّ خرَّج لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي النيسابوري (ت 362هـ) جزأين من حديثه معروفَين بـ«المزكيات»، واشتُهر -غايةَ الشهرة- بروايتهما عن المزكي: صاحبُنا ابنُ غيلان نفسُه.
ولا شكَّ ولا ارتيابَ في أن الدارقطني هو مخرِّج «المزكيات»، وله فيها كلماتٌ ونقداتٌ هي -كعادة كلماته- كالمسمار في الساج، والأمر في ذلك متَّسق مع العادة المعروفة، إذ انتقى الدارقطنيُّ لقرينِهِ المزكي أحاديثَ مختارةً من حديثه، فسمعها تلميذُه ابن غيلان.
ويبدو أن ابن الجوزي انتقل ذهنُه من «المزكيات» إلى «الغيلانيات»، فظنَّ أن الثانية بتخريج الدارقطني، وإنما هي الأولى، أو ظنَّ أن كليهما كذلك، وليس كذلك.
ويشير إلى أول الاحتمالين أنه ذكر «المزكيات» مجرَّدةً من مخرِّجها بعدما ذكر أن الدارقطني خرَّج «الغيلانيات»، قال: «أخبرنا أبو القاسم ابن الحصين، عن أبي طالب ابن غيلان: بالأجزاء التي تسمى «الغيلانيات» -التي خرَّجها الدارقطنيُّ لابن غيلان-، و: بحديثه عن المزكي»[18]، ومرَّ أنه ذكر «الغيلانيات» وهو يتكلم على حديثٍ في «المزكيات»، فكأنَّه انتقل عليه الدارقطنيُّ من هذه إلى هذه.
السبب الثاني: أن للدارقطني تخاريجَ معروفةً من حديث أبي بكر الشافعي، وقد وصل إلينا منها الجزء الثالث والسبعون[19]، وجزءٌ آخرُ غيرُ معيَّنٍ برقم[20]، والجزء الرابع والثمانون -وهو المعروف بـ«رباعيات أبي بكر الشافعي»[21]-، وبلغنا خبرُ جزءٍ أولَ مترجمٍ بـ«فوائد الفوائد ومنتخب المنتخب من حديث أبي بكر الشافعي»، والجزء الرابع والسبعين[22]، إلا أن هذه الأجزاءَ قاطبةً من رواية رواةٍ آخرين غيرِ ابن غيلان عن الشافعي.
وإذن فقد يحتمل أن ابنَ الجوزي كان على خُبرٍ بأمر هذه التخاريج، أو وقعت له روايةُ بعضها، فانتقل ذهنُه منها إلى «الغيلانيات»، فجعلها جميعًا بابةً واحدة.
ويترجَّح لي أن السببَ الأولَ أقربُ في الأثر على ابن الجوزي خصوصًا، وأما الثاني فهو فيه محتمل، وكذلك هو محتملٌ فيمن تابعه، خصوصًا المحدِّثين المحققين في هذا الباب، كابن حجر العسقلاني.
هذا، وليس يَجمُل بي أن أفضيَ إلى ختامٍ دون الإشارة إلى موقف الحافظ الذهبي (ت 748هـ)، وإن كان موقفَ سكوتٍ وإحجام، إذ تجنَّب تمامًا نسبةَ تخريج «الغيلانيات» إلى الدارقطني في كل ما رأيتُه من مظانِّ ذلك من كتبه، هذا مع اطلاعه -جزمًا- على كلام ابن الجوزي، وعلى كلام جملةٍ ممن تبعه، وما أُرى ذلك إلا لضعف هذا القول عنده، وعدم رضاه أن يورده ولو نقلًا.
وبذلك يتبيَّن أنه لا علاقة للدارقطني بـ«الغيلانيات» مطلقًا، وإنما خرَّج الدارقطنيُّ لأبي بكر الشافعي أجزاءً أخرى لم يروها ابنُ غيلان عنه، لكنه روى عن أبي إسحاق المزكي «المزكيات» التي خرَّجها الدارقطنيُّ له، أما «الغيلانيات» فهي جملةُ مسموعات ابن غيلان من الشافعي، وقد نصَّ ابن ناصر السلامي على أن الذي خرَّجها له ورتَّبها هو الخطيب البغدادي، ولا مناص من التسليم بذلك إلا إن عورِضَ بما هو أقوى منه، وليس بعدُ.
والله -تعالى- أعلم.
[1] هكذا وقع في مواضع من النسخة التي كتب الخطيبُ الاستجازةَ عليها، وهي نسخةٌ عتيقةٌ تملكها الآذيوجاني نفسُه وقُرئت عليه وعليها خطُّه، وكذلك ضُبطت في نُسَخ «تكملة الإكمال» لابن نقطة (3/455)، أما السمعانيُّ فضبطها في «الأنساب» (1/74) بالخاء بدل الجيم، ولم يجزم بأصل النسبة، وتابعه ياقوت في «معجم البلدان» (1/52) وغيرُه، والأصوب ما هنا.
[2] «الأنساب» (1/74).
[3] «تلخيص المتشابه» (1/241)، «موضح أوهام الجمع والتفريق» (1/24، 49)، «التطفيل» (ص61).
[4] انظر: «المنتظم» لابن الجوزي (15/317)، «تاريخ الإسلام» (9/594).
[5] «التنبيه على ألفاظ في كتاب الغريبين» (ص261).
[6] قال في «تاريخ بغداد» (3/484): «أخبرنا محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان –من أصل كتابه غيرَ مرَّة-…».
[7] «المنتظم» (15/317).
[8] «الموضوعات» (2/214).
[9] «الكامل» (8/74)، «مرآة الزمان» (18/470)، «المختصر في أخبار البشر» (2/169)، «تاريخ ابن الوردي» (1/340)، «الوافي بالوفيات» (1/110)، «البداية والنهاية» (15/709).
[10] «المجمع المؤسس» (2/35).
[11] «المعجم المفهرس» (ص331).
[12] «الأجوبة المرضية» (1/389)، «أنشاب الكثب» (1/421)، «تحفة الثقات» (ص226)، «صلة الخلف» (ص311)، «تاج العروس» (15/29، 30/141).
[13] «الرسالة المستطرفة» (ص92)، «الأعلام» (7/21).
[14] انظر -مثلًا-: «الإمام الدارقطني وآثاره العلمية» (ص212).
[15] انظر: نسخة «الغيلانيات» في الظاهرية (3785/49عمرية) [138ب]، «فهرست ابن أيوب البزاز» (67-68)، «سير أعلام النبلاء» (17/598).
[16] اجتهد السخاوي فزاد تفصيلًا مبنيًّا على ذلك، وذكر في حديثٍ رواه أبو بكر الشافعي عن معاذ بن المثنى عن مسدد، أن الدارقطنيَّ انتقاه للشافعي من «مسند مسدد». وقد مرَّ أن هذا لا يتواءم مع واقع «الغيلانيات».
[17] «الموضوعات» (2/211).
[18] «المنتظم» (15/317).
[19] المكتبة الظاهرية بدمشق، المجموع (3828/92عمرية) [240-261].
[20] المكتبة الظاهرية بدمشق، المجموع (1121) [1-12].
[21] المكتبة الظاهرية بدمشق، المجموع (1150) [93-108]، المجموع (3821/85عمرية) [17-26].
[22] «فهرست ابن أيوب البزاز» (106، 108).

أضف تعليق