في تواريخ النصوص التراثية: مراحل تأليف «اختصاص القرآن» للضياء المقدسي، وبقيةٌ لم تنشر منه

قبل أسبوعٍ من دخول شهر رمضان، سنة أربع عشرة وسبعمائة، كان المحدث الحافظ أبو بكر محمد بن عبدالله بن أحمد، المشهور بابن المحب الصامت، صبيًّا في أول الثالثة من عمره، تَدرُج خُطاه في مجالس القاضي الجليل تقي الدين سليمان بن حمزة ابن قدامة المقدسي، وهو شيخ لطيف متواضع جاوز يومئذٍ السادسة والثمانين من عمره.

يتحلَّق الحضور حول الشيخ، ويبدأ القراءةَ -على العادة- شيخ محدِّثي دمشق، الحافظ جمال الدين يوسف بن عبدالرحمن المزي، الذي اصطحب -أيضًا- بعضَ أبنائه وأحفاده إلى المجلس.

اختار المزيُّ اليومَ أجزاءً سمعها الشيخُ القاضي تقيُّ الدين، قبل عقودٍ طويلة، على شيخِهِ الإمام الكبير المحدث الحافظ ضياء الدين المقدسي. قرأ المزيُّ منها: «جزء الجابري»، وكتاب «تحريم الغيبة» تأليف الضياء نفسِه، وكتابًا آخرَ من تأليف الضياء -أيضًا-، سمَّاه: «اختصاص القرآن بعَودِهِ إلى الرحيم الرحمن».

يأخذنا ذلك الصبي، ابنُ المحب، لكن بعد سنين طويلةٍ من الخبرة والمعرفة وسعة الاطلاع، إلى معلوماتٍ غايةٍ في الأهمية عن هذا الكتاب «اختصاص القرآن»، وعن إصدارات الضياء له منقَّحًا مرةً بعد مرة، وإلى تتمةٍ له لم تنشر من قبل.


وصلتْ إلينا من الكتاب نسختان اعتُمِد عليهما في المطبوع[1]:

النسخة الأولى: نسخة المكتبة الظاهرية في دمشق، برقم (4506)، وهي نسخة مكتوبة في حياة الضياء، مسموعة عليه، وعليها خطه.

النسخة الثانية: نسخة مكتبة تشستربيتي في دبلن (إيرلندا)، ضمن مجموع برقم (3524)، وهي -كذلك- نسخة مكتوبة في حياة الضياء، مسموعة عليه، وعليها خطه.

وبين النسختين اختلافاتٌ يسيرة، وفي الثانية إلحاقاتٌ داخلةٌ في سماع الكتاب لم تقع في الأولى.

على هذا -في الجملة- اقتصر محققُ الكتاب في وصف النسختين، واتَّخذ نسخة تشستربيتي أصلًا، لما فيها من الإلحاقات، ولجودتها وتمامها.

وقد فاتتْهُ حقائقُ في صِفَة النسختين، أهمها:

  1. أن نسخة تشستربيتي ليست -فحسبُ- مكتوبةً في حياة المصنف وعليها خطه، بل المصنفُ هو ناسخُها بيده، والخط خطُّه المعروف في النسخة كلها، فهي مبيضةٌ للكتاب بخط مؤلفها، وهذا أرفعُ ما يكون في منازل النسخ، وهو المستند الأقوى هنا في عدِّ النسخة أصلًا في التحقيق.
  2. أن ناسخ نسخة الظاهرية هو تلميذُ المصنف وحفيدُ خاله، الشيخُ الحافظُ سيف الدين أحمد بن عيسى ابن الإمام الموفق ابن قدامة، وهو ممن قرأ الكتاب وسمعه على مصنفه مرارًا، بل ونَسَخَه من خطه -كما سيأتي-.

وإذْ أشار المحقق إلى إلحاقاتٍ في نسخة تشستربيتي -وسنشير إلى هذه النسخة بدءًا من الآن بـ«نسخة الضياء»-، فإن الإلحاقَ الرئيسَ فيها هو ما بين المعقوفين من الجملة التالية أوائلَ الكتاب (ص20-22):

«… وقد قالها الإمام أبو جعفر أحمد بن سنان الواسطي، وهو شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه والنسائي. [وقد وردت هذه اللفظة عن جماعةٍ منهم: عبدالله بن مسعود، وسفيان الثوري، ووكيع بن الجراح، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعبدالله بن المبارك. وروى المروذي أحمد بن محمد، قال: قال أحمد بن محمد بن حنبل -رحمه الله-: «لقيت الرجال والعلماء والفقهاء بمكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام والثغور وخراسان، فرأيتهم على السنة والجماعة، وسألت عنها الفقهاء، فكلٌّ يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود»]. وقد وردت هذه المسألة إلى مدينة السلام بغداد…»

ولم ينبِّه المحقق على أمرين متَّصلين بهذا الشأن في أصلَيْه الخطيَّين:

  • أن الإلحاق أعلاه بخط الضياء نفسه، وقد أرَّخ إلحاقَه بجواره، فقال: «كُتِبَ هذا خامسَ عشر شوال، سنة اثنتين وثلاثين، لم يسمعهُ مَن سمع قبلُ»، ثم نوَّه بذلك في تصحيح السماع المؤرخ بتاريخ الإلحاق نفسه، فقال: «هذا صحيح، مع الزيادة التي أُلحِقَت في الحاشية…».
  • أن هذا الإلحاق المطوَّل لم يقع في نسخة الظاهرية، لكن وقع فيها إلحاقٌ آخرُ مختصرٌ بمعناه، بخطٍّ مختلفٍ عن خط الناسخ وخط المصنف، وجاء في أول الجملة لا في وسطها، وهو كما يلي بين معقوفين:

«… وقد قالها [جماعة من الأئمة، منهم: سفيان الثوري، ووكيع بن الجراح، وعبدالله بن المبارك، والفضل بن دكين، والإمام أحمد بن حنبل و]أبو جعفر أحمد بن سنان الواسطي، وهو شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه والنسائي. وقد وردت هذه المسألة إلى مدينة السلام بغداد…»

وكاتب هذا الإلحاق المختصر يُعرف بمعرفة خطه المشهور، وهو صاحبنا الأول، الحافظ ابن المحب الصامت.

ويثور السؤال هنا: من أين جاء ابن المحب بهذا الإلحاق؟

يقودنا هذا التساؤل إلى عبارةٍ كتبها ابن المحب الصامت على ظَهرية نسخة الضياء، وهي قوله: «بين هذه النسخة، وبين النسخةِ الأخرى -أصلِ سماعنا على القاضي سليمان بن حمزة-، خلافٌ في زيادةٍ وتقديمٍ وتأخير. كتبه محمد بن عبدالله ابن المحب».

وأصلُ السماع على القاضي سليمان بن حمزة هو الذي أشار إليه الحافظ المزي في نسخة الظاهرية، فقال بعد اختصار سماع القاضي على الضياء، ثم ذِكر بعض السامعين على القاضي نفسه: «وآخرون ذُكِروا على نسخةٍ أخرى». ومن الواضح أن تلك النسخةَ هي أصلُ سماع هؤلاء -ومنهم ابن المحب الصامت- على القاضي، لأن الغالبَ استيفاءُ السامعين في النسخة الأصل، ثم يُنقل ما يُحتاج إليه من ذلك في النسخ الفروع.

وعليه، فهذه نسخةٌ ثالثةٌ متواريةٌ من نُسَخ الكتاب[2]، وفيها اختلافٌ عن نسخة الضياء التي وصلت إلينا -كما صرَّح ابن المحب-، والذي يظهر أن ابن المحب إنما ألحقَ الإلحاقَ المذكورَ أعلاه من تلك الثالثة.

لكن لِمَ لم يأتِ هذا الإلحاق على وَفق إلحاق الضياء في نسخته التي وصلت إلينا، عبارةً وموضعًا؟ خصوصًا وسماع القاضي سليمان بن حمزة من الضياء متأخرٌ بسنتين ونيف عن إلحاق الضياء، إذ نقل المزي أن سماعه عليه في العشر الأوسط من ذي القعدة، سنة 634هـ، أما الإلحاق -كما مر- ففي شوال، سنة 632هـ، فكان ينبغي أن يُلحق في المتأخرة كما ألحق في المتقدمة؟

وفي سبيل الإجابة عن هذا الإشكال، يُلحظ -بتأمُّلٍ يسير- أن سماعات نسخة الضياء انقطعت فيما بين وقت الإلحاق المطول: خامس عشر شوال، سنة 632هـ، وبين ثالث شوال، سنة 636هـ، أي ما يقارب أربع سنوات.

وإذا قُرن هذا بكون الضياء كتب أسفل عنوان نسخته بخطٍّ مختلف نسبيًّا عن خط العنوان: «للشيخ الإمام أبي أحمد منهال بن سلامة الرسعني -نفعه الله بالعلم-»، فإن الاحتمالَ المرجَّحَ أن الضياء مَلَّكَ هذا الرجلَ هذه النسخةَ آخرَ سنة 632هـ، وكتب عليها ذلك بخطه، ثم بقيت عنده أربع سنين، حتى عادت ثانيةً إلى مجالس السماع على الضياء فمن بعده، وربما كان ذلك بعد وفاة الرجل أو سفره[3].

إذا ترجَّح ذلك، فالظاهر أن الضياء ترك هذه النسخةَ خلال مدة غيابها إلى نسخةٍ أخرى عنده، ويظهر أنه استحضر لاحقًا أنه ألحَقَ في هذا الموضع إلحاقًا مطوَّلًا في النسخة التي لا تطولها يده، فألحقه مختصرًا في نسخته الحاضرة، وفيها سمع القاضي سليمان بن حمزة ومن معه، وعنها نقل ابن المحب الصامت -كما سبق-.


وقع في نسخة الظاهرية أمرٌ آخرُ غيرُ معتاد، أغفل المحققُ الإشارةَ إليه -أيضًا-، وهو أن النصَّ انقطع فجأةً عند قوله (ص32): «… ولا صفاته، ولا أسماؤه، ولا علمه». ثم كتب الناسخ -سيف الدين ابن قدامة- بأدناه: «بلغتُ من أوله سماعًا من لفظه -أيده الله تعالى- [سوى ما أُلحِقَ به]، وجماعةٌ كثيرة، منهم ابن أخيه أبو عبدالله محمد بن عبدالرحيم، وابن عمه عبدالرحمن بن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد. يوم الجمعة، في العَشْر الأخير من صفر، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، بالجامع المظفري ظاهر دمشق. كتبه: أحمد بن عيسى».

وبعد ذلك عاد الناسخُ نفسُه لاستكمال نص الكتاب إلى آخره، لكن بخطٍّ أدقَّ ومسطرةٍ أضيق، في دلالةٍ واضحةٍ على أنه كتب ذلك متأخرًا عن كتابة أول النص.

أما نسخة الضياء، فالنصُّ فيها متَّصلٌ اتصالًا بيِّنًا، مدوَّنٌ بقلمٍ واحدٍ وكتابةٍ متطابقةٍ لا تَشِي بأدنى اختلافٍ في وقتٍ أو حال.

وعند آخر النص مباشرةً في نسخة الظاهرية، كتب الضياءُ سماعَ ناسخها السيف ابن قدامة ومن معه، مؤرخًا بيوم الثلاثاء، رابع شعبان، سنة 632هـ، وهذا السماع عينُه كتبه السيفُ بنفسِه على نسخة الضياء، عقبَ انتهاء نصِّها مباشرةً، وهو أقدمُ سماعاتها على الإطلاق، ولا أثرَ فيها للسماع الأول المؤرَّخ بأواخر شهر صفر، سنة 632هـ.

ويُستنتج من مجموع هذا: أن السيف ابن قدامة نسخ الكتاب أولًا في شهر صفر أو بقربه، وسمعه من لفظ مصنفه في العشر الأخير منه، وكان الكتاب حينئذٍ ينتهي إلى الموضع المذكور أعلاه، وهذا ما أشار إليه السيف في العبارة التي أدخلها على السماع الأول، وهي قوله: «سوى ما ألحق به»، يريد أن السماعَ القديمَ وقع على أول الكتاب إلى ذلك الموضع فحسب، وهو نهاية الكتاب في تلك المرحلة قبل أن يُلحَق فيه ما أُلحق.

ثم فيما بين صفر وشعبان، أتمَّ الضياءُ الكتاب، وكتب منه هذه النسخة الجديدة -التي وصلت إلينا-، كتابةً واحدةً متَّصلة، وكان أولُ سماعاتها هو سماعَ السيف ابن قدامة المذكور آنفًا، في رابع شعبان من السنة نفسها، مما يشير إلى أنها مكتوبة قريبًا من هذا التاريخ. وفي هذا الموعد تقريبًا عاد السيف إلى نسخته، فأكملها، ويحتمل أنه اعتمد هذه المرة على نسخة الضياء الجديدة[4]، وأما في نَسْخِه الأول، فيبدو أنه اعتمد على مسوَّدة الضياء، أو على نسخةٍ للضياء أخرى لم تصل إلينا.


تقودنا إلى مسوَّدة الضياء قضيةٌ أخرى وقعت في نسخة الظاهرية، وأغفل المحققُ الإشارةَ إليها مجدَّدًا، وهي أن الناسخَ ألحق نصًّا قبل قول الضياء: «ما ذكر عن أحمد بن سنان -رضي الله عنه-»، وهو نصٌّ ثابتٌ في نسخة الضياء بلا إشكال، إلا أن السيف ابن قدامة كتب بعده بوضوح: «يتلوه ما في الوُرَيقة الحمراء»، إشارةً إلى أن نصًّا مُضافًا لم تَسَعْهُ الحاشية، فكُتِبَ في ورقةٍ «طيَّارةٍ» أُدرِجَت في النسخة.

ثم عاد السيف في سماعات الكتاب، فكتب: «ثم قرأتُ عليه -أيده الله- ما في الوُرَيقة الحمراء وسط الجزء…، في ذي القعدة، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وصح ذلك. كتبه: أحمد بن عيسى بن عبدالله المقدسي…».

وليس اليومَ من وُرَيقةٍ حمراءَ في أي موضعٍ من الجزء، ولا أُلحِقَ نصٌّ في هذا الموضع في النسخة الأخرى (نسخة الضياء)، فعُلم أنه ما زالت للكتاب تتمةٌ لم تُنشر بعد.

والظاهرُ أن الضياء -رحمه الله- ألحَقَ هذا النصَّ قريبًا من الوقت الذي قرأ فيه السيفُ ابن قدامة النصَّ عليه، أي في أواخر سنة 633هـ، وهذا ما قد يفسِّر خلوَّ نُسخةِ الضياء منه، إذ كانت -فيما ترجَّح آنفًا- غائبةً عن الضياء في هذا الوقت (632-636هـ).

وربما استُغرِبَ أن السيف ابن قدامة عاد إلى النسخة لإلحاق الوُرَيقة الحمراء أواخرَ سنة 633هـ، وأغفل ما كان الضياءُ ألحقه في الموضع الأول قبل نحو سنةٍ كاملة، لكن لعله عُني بالإلحاق الجديد، واهتمَّ له، وقرأه بمفرده، ولم يعُد إلى مقابلة النسخة بتمامها، أو لعل الضياء لم يكن ألحقه بعدُ في النسخة الحاضرة، أما إلحاقه المطوَّل فإن نسخته كانت غائبةً حينئذٍ -كما مر-.

ثم يسَّر الله أن نقف على قطعةٍ من تعاليق الضياء وأوراقه، محفوظةٍ في المكتبة الوطنية الفرنسية بباريس، ضمن مجموعٍ فُهرِسَ غلطًا في المخطوطات التركية برقم (Supplément turc 983)[5]، وقد كَتَبَ مُعَنْوِنًا على غاشيتها صاحبُنا الأول، الحافظُ ابن المحب الصامت: «حديث القلتين. ومن مسودة “اختصاص القرآن بعوده إلى الرحمن[6]“»[7].

وبتأمُّل هذه المسوَّدات، يتبيَّن جليًّا أن ما يتعلَّق بكتاب «اختصاص القرآن» منها ورقتان فقط [7980]، وقد ساق الضياءُ فيهما على الوَلاء إطلاقاتٍ لعَود القرآن إلى الله -تعالى-، أوردها بأسانيده أو نقلًا عمَّن أسندها، وهي:

  • قول سفيان الثوري.
  • قول وكيع بن الجراح.
  • قول أبي نعيم الفضل بن دكين.
  • قول عبدالله بن المبارك.
  • قول أحمد بن حنبل.
  • حديث مرفوع في الباب.

ومن الجلي أن هذه المرويات -سوى الحديث- هي عينُها التي علَّقها الضياء في إلحاقه الأول المطوَّل، ولم يبقَ منها إلا قول عبدالله بن مسعود، وهذا كان الضياء ساقه في آخر الكتاب.

وموضعُ إلحاق الوُرَيقة الحمراء صالحٌ غايةَ الصلاحية لإيراد هذه النصوص، فإن الوُرَيقة ملحقةٌ بعد قول عمرو بن دينار، وقبل قول أحمد بن سنان، وهذا موائمٌ للترتيب الذي ساقه الضياء في مطلع الكتاب -وَفق الإلحاق المختصر لابن المحب الصامت، لا إلحاق الضياء-.

وبذلك يترجَّح أن هذه النصوص تمثِّل تلك البقيةَ الباقيةَ من الكتاب، وأن الوُرَيقة الحمراء توردها مبيَّضةً، لكن قدَّر الله أنها وصلت إلينا على هيئتها المسوَّدة، بل أنه لم يصل إلينا من المسوَّدة إلا هي، ولله في تقديره تصاريف وتدابير.


يَخلُصُ مما سبق، على جهة الرجحان وغلبة الظن، أن الحافظ ضياء الدين المقدسي ألَّف كتابه «اختصاص القرآن» وتمَّمه على مراحل، هي:

إلى العشر الأخير من صفر 632هـ تأليف أصل الكتاب إلى قوله (ص32): «… ولا صفاته، ولا أسماؤه، ولا علمه».
إلى 4 شعبان 632هـ استكمال القطعة بآخر الكتاب.
15 شوال 632هـ الإلحاق المطول.
إلى ذي القعدة 633هـ إلحاق «الوريقة الحمراء».
إلى العشر الأوسط من ذي القعدة 634هـ الإلحاق المختصر بدلًا عن المطول السابق.

بقي أن الضياءَ قيَّد في نسخته سماعًا متأخرًا في ثالث شوال، سنة 636هـ، مع أنه لم يقع فيها إلحاقُ «الوريقة الحمراء» ولا إشارةٌ إليه، ولعله لم يُعِد تصحيحَها بعد أن عادت النسخة إليه، أو كانت القراءة من نسخةٍ تامة، وكان الغرضُ إثباتَ السماع فحسب، لا مقابلة النص، وكانت هذه النسخةُ أقربَ ما تيسَّر لذلك، أو لسببٍ آخرَ اللهُ -تعالى- أعلمُ به.


فيما يلي أدناه النصوص الناقصة من كتاب «اختصاص القرآن»، منسوخةً عن مسوَّدة الضياء التي كتبها بيده، مع الأخذ بالاعتبار أنه قد يكون تصرَّفَ فيها أو أضافَ أو نقصَ في مبيَّضته منها، غير أن هذا مبلغُ علمنا ومنتهى ما إلينا، والله ولي الفتح والتوفيق.

قول سفيان الثوري:

أخبرنا الإمام العالم أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي -رحمه الله-، قراءةً عليه، أبنا أبو بكر عبدالله بن محمد ابن النقور البزاز -قراءةً عليه ببغداد-، أبنا أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين -إجازة-، أبنا أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الحافظ الطبري، أبنا محمد بن عبدالرحمن بن العباس، ثنا أبو الفضل شعيب بن محمد ابن الراجيان، قثنا علي بن حرب الموصلي -بسُرَّمَرَّأى، سنة سبع وخمسين ومائتين-، قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: قلت لأبي عبدالله سفيان بن سعيد الثوري: حدِّثْ بحديثٍ من السنة ينفعني الله -عز وجل- به، فإذا وقفت بين يدي الله -تبارك وتعالى- وسألني عنه، فقال لي: من أين أخذت هذا؟ قلت: يا رب، حدَّثَني بهذا الحديث سفيان الثوري، وأخذتُه عنه، فأنجو أنا وتؤخذ. فقال لي: «يا شعيب، هذا توكيدٌ وأيُّ توكيد، اكتُب: بسم الله الرحمن الرحيم. القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، مَن قال غيرَ هذا فهو كافر»[8].

[قول وكيع بن الجراح:][9]

وأخبرنا خالي الإمام أبو محمد عبدالله بن أحمد المقدسي، أن أبا الفتح محمد بن عبدالباقي بن أحمد بن سلمان أخبرهم -قراءةً عليه وهو يسمع-، أبنا أحمد بن علي بن الحسين الطريثيثي -قراءةً عليه-، أبنا هبة الله بن الحسن بن منصور الحافظ، أبنا محمد بن عبيدالله، ثنا أحمد، ثنا عبدالله [79أ] بن أحمد، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني يحيى بن معين، قال: حدثني رجلٌ من ولد ميمون بن مهران يقال له: جعفر، قال: سمعت وكيعًا يقول: «القرآن من الله خرج، وإلى الله يعود»[10]. [79ب]

[قول أبي نعيم الفضل بن دكين:]

روى مكي بن عبدالسلام المقدسي[11]، عن أبي الفرج النحوي، عن أبي الفتح البصري، عن أبي بكر الكرجي، عن حنبل بن إسحاق، قال: سمعت الفضل بن دكين الكوفي يقول: «القرآن كلام الله، منزلٌ من عند الله، ومنه بدأ، وإليه يعود، هذا الذي لم نَزَلْ عليه، ولم نعرفْ غيرَه».

ورواه أبو الحرم مكي بن عبدالسلام[12]: أبنا الشيخ أبو محمد عبدالعزيز بن أحمد بن عمر بن إبراهيم النصيبي المقدسي الزاهد -إجازة-، أبنا أبو الفتح محمد بن إبراهيم بن محمد ابن البصري، أبنا أبو بكر محمد بن محمد بن داود الكرجي، ثنا حنبل بن إسحاق بن حنبل، قال: سمعت أبا نعيم -وهو الفضل بن دكين الكوفي- يقول: «القرآن كلام الله، منزل من عند الله، منه بدأ، وإليه يعود، هذا الذي لم نَزَلْ عليه، ولا نعرف غيره»[13].

[قول عبدالله بن المبارك:]

وروى أبو الحرم مكي: أبنا أبو علي الحسين بن محمد بن عيسى المالكي -بمصر-، ثنا أبو حفص عمر بن إبراهيم الأدمي، ثنا أبو الطيب العباس بن أحمد الهاشمي الشافعي، أبنا أحمد بن محمد بن هارون -هو الجسري الحافظ-، أخبرني أبو عبدالله الحسين بن علي بن عمر بن علي بن الحسين ابن أبي طالب، قال: حدثني أبو أسامة محمد بن إبراهيم بن يزيد بن أبي الخصيب التميمي، قال: حدثني عبدالأعلى بن واصل الأسدي، قال: حدثني الحسين بن إسماعيل المروزي، عن عبدالله بن المبارك، قال: «من قال: ﴿(إِنَّنِيٓ)[14] أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي﴾ مخلوق، فقد كفر، وبانت منه امرأته». قالوا: يا أبا عبدالرحمن، كيف نقول؟ قال: «قولوا: هو كلام الله، لا خالق ولا مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود»[15]. [80أ]

[قول أحمد بن حنبل:]

وروى أبو الحرم مكي الحافظ: أبنا الشيخ أبو الحسن علي بن الخضر بن سليمان بن سعيد السلمي الدمشقي -بها-، أبنا أبو الحسن علي بن عبدالله بن جهضم -بمكة-، حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد، قال: قرئ على [ابن][16] أبي العوام الرياحي وأنا أسمع، ثنا أحمد بن محمد المرُّوذي، قال: قال أحمد بن محمد بن حنبل -رحمه الله-: «لقيتُ الرجال والعلماء والفقهاء بمكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام والثغور وخراسان، فرأيتُهم على السنة والجماعة، وسألتُ عنها الفقهاء، فكلٌّ يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود»[17].

[حديث مرفوع:]

أخبر[…][18] أبو الفرج سهل بن بشر بن أحمد بن سعيد الإسفراييني الصوفي، أبنا أبو الحسن رشأ بن نظيف، قال: قرأت على عبدالله بن محمد بن عبدالله بن هلال الحنائي الأديب، قلت له: حدثك أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، ثنا أبو عبدالرحمن عبدالله بن أحمد بن محمد بن حنبل، قثنا أبي، قنا عبدالصمد بن عبدالوارث وأبو سعيد، قالا: [ثنا][19] عبدالله بن المثنى، ثنا عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «القرآن كلام الله -عز وجل- غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود»[20]. [80ب]


[1] تحقيق: عبدالله بن يوسف الجديع، ط1، 1409هـ، مكتبة الرشد، الرياض. ولم أرَ للكتاب طبعةً أخرى، وإن أُشِيرَ في بعض المراجع إلى أنه طُبع قديمًا في أوربا.

[2] لم يذكرها ابن عبدالهادي في «فهرس الكتب»، وذكر النسختين اللتين وصلتا إلينا (1287، 1299)، فالظاهر أن الثالثة غابت قديمًا.

[3] هذا الشيخ من رفقاء الدمشقيين في مجالس السماع مطلع القرن السابع، إلا أني لم أقف له على خبرٍ بعد ذلك.

[4] ألحق الضياء في نسخته إلحاقًا في تخريج أحد الأحاديث (ص34-35)، وألحقه -أيضًا- بخطه في نسخة السيف ابن قدامة، فيظهر أنه ألحقه حال السماع أو قبيله، بعدما نسخ السيف تتمة النص. ويلاحظ أن السيف كتب على ظهرية نسخة الضياء: «مفروغ أحمد بن عيسى المقدسي، داعيًا لمؤلفه بالمغفرة»، وهذا يشير إلى اعتماده على هذه النسخة في الفرع الذي نسخه ولو جزئيًّا. وممن فرَّع هذا الكتابَ كذلك ابن أخي الضياء: شمس الدين محمد بن عبدالرحيم بن عبدالواحد المقدسي، فقد كتب تفريغًا على ظهرية النسخة أيضًا.

[5] سقت خبر هذا المجموع وأخوين له مطوَّلًا في مقدمة تحقيق «من حدَّث عن النبي ﷺ هو وأبوه أو رأياه» للجعابي.

[6] كذا، بحذف «الرحيم»، وكذلك وقع عند الروداني في «صلة الخلف» (ص114)، والكلمة ثابتةٌ بخط الضياء في نسخته، وخط السيف ابن قدامة في فرعه.

[7] ذكر يوسف بن عبدالهادي في «فهرس الكتب» (2801) هذه النسخة ضمن المجموع الذي هي فيه.

[8] هو في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لهبة الله بن الحسن الطبري -المعروف باللالكائي- (314) -وعنه اقتبس الضياء-، وفي العاشر من «الفوائد المنتقاة» لمحمد بن عبدالرحمن بن العباس -المعروف بالمخلِّص- (37).

[9] ليس في الأصل، ولا أمثاله من العنوانات الآتية بين معقوفين، وإنما أدرجتُه تبعًا لطريقة المؤلف فيما سبق ولحق هنا وفي أصل الكتاب.

[10] هو في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لهبة الله بن الحسن اللالكائي (584) -وعنه اقتبس الضياء-، وفي «السنة» لعبدالله بن أحمد (153).

[11] هو ابن الرميلي الشهيد (ت 492هـ)، أحد الحفاظ الرحالين المكثرين من السماع، قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (10/729): «حدَّث باليسير، لأنه قُتِل قبل الشيخوخة»، فالظاهر أن هذا سببُ نقل الضياء عنه بلا إسناد، ولعله نقل هذا وما يتلوه من بعض تصانيفه.

[12] هكذا كناه الضياء أبا الحرم هنا وفيما يلي، فأوهم أنه غيرُ مكيٍّ السابق، والواقع أنه هو عينُه، بدلالة الطبقة والشيوخ. ولم أر من كنى مكيًّا بأبي الحرم، وإنما هو أبو القاسم، أما أبو الحرم فآخرُ متأخرٌ عنه هو مكي بن عبدالواحد بن عبدالسلام بن سلطان البغدادي (ت 593هـ)، فأخشى أن كنيته دخلت على الضياء هنا. وقد كنى الضياء مكيًّا على الصواب في غاشية جزءٍ من «منتقى مسموعات مرو» [44ب]، ووصفه بالحفظ والإكثار.

[13] أعاده الضياء، وقد اختَلَف فيه شيخ مكي. لم أقف عليه من هذه الجهة عن حنبل، وأخرجه الخلال في «السنة» (1846) وابن بطة في الإبانة (6/36) من طريقين آخرين عنه.

[14] في الأصل: «إني»، والتلاوة المثبت.

[15] لم أقف عليه مسندًا إلا هنا، وفي إسناده ظلمة.

[16] سقط من الأصل، ولا بد منه.

[17] علقه الضياء في الإلحاق المطوَّل بأصل الكتاب (ص21) عن المروذي، ولم أقف عليه مسندًا عنه إلا هنا، وابن جهضم متهم، لكن موضع الشاهد محفوظٌ عن أحمد في «المحنة» لحنبل (ص102) وغيره.

[18] بيَّض الضياء لبقية صيغة الإخبار، والشيخ المذكور عقبها من طبقة مكي بن عبدالسلام، فيظهر أن النقل عنه قد انتهى قبل هذا، ولم يَسُق الضياء من بينه وبين الشيخ.

[19] سقط من الأصل، ولا بد منه.

[20] كتب ابن المحب الصامت بإزاء الحديث: «هذا موضوع»، وهو كما قال، إذ ليس للحديث أصل في كتب السنة قاطبة بهذا الإسناد، ولا في «مسند أحمد» الذي يروى هذا الحديث من طريقه، والظاهر أنه أُدخل على بعض هؤلاء الرواة المتأخرين فرواه، ولا تغني عنه نظافة إسناده وصدق رجاله والحال ما شُرح. وقد رُكِّب له إسنادٌ متأخرٌ آخرُ رواه عبدالقادر بن يوسف، عن ابن المذهب، عن أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، به، وابن المذهب هو راوي «المسند» عن القطيعي، فقال ابن تيمية في «منهاج السنة» (8/150): «وهذا القول صحيحٌ متواترٌ عن السلف أنهم قالوا ذلك، لكن رواية هذا اللفظ عن النبي ﷺ كذب، وعزوه إلى «المسند» لأحمد كذبٌ ظاهر، فإن مسنده موجودٌ وليس هذا فيه، وأحمد إمام أهل السنة في زمن المحنة، وقد جرى له في مسألة القرآن ما اشتهر في الآفاق، وكان يحتجُّ لأن القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوق بحججٍ كثيرةٍ معروفةٍ عنه، ولم يذكر هذا الحديث قطُّ ولا احتجَّ به، فكيف يكون هذا الحديث عنده ولا يحتجُّ به؟ وهذا الحديث إنما عُرف عن هذا الشيخ، وكأنَّ بعض من قرأ عليه دسَّه في جزءٍ فقرأه عليه مع غيره، فراجَ ذلك على من لم يكن له معرفة».
وقد اتَّضح لي أن واضعَ الحديث سرق إسناد أحمد في حديث القزع المخرَّج في «المسند» (5548، 6420)، فركَّب عليه هذا المتن. والله المستعان.



أضف تعليق