وثيقة تاريخية: أزمة الأضاحي في الشام سنة 890هـ

وثيقة ملحقة بمخطوط تاريخي، يشرح فيها كاتبها أزمة وجود الأضاحي وأسعارها في الشام، في يومي عرفة والأضحى من عام 890هـ.

الحمد لله رب العالمين.
لما كان بتاريخ يوم السبت المبارك، تاسع شهر الحجة الحرام، سنة تسعين وثمانمائة، يوم [عرفات] المباركة، أُبِيعَ غنم الضحايا، كل رأس بمبلغ ثمانين درهم.
فلما كان يوم الأضحى -يوم الأحد عاشرهُ-، أُبِيعَ كل رأس بمائة وعشرة إلى مائة وخمسين.
ولم يوجد الغنم إلا بالخفية، حتى إن الفقير لم يُوجِدْ رطل لحم إلا [ا]ثنا عشر درهم.
ومنهم من لا قَدِر على شراء ذلك.
وكان ذلك في أيا[م] مولانا ملك الأمر[اء] قجماس، نائب المملكة الشريفة الشامية المحروسة.
ولم يحصل للناس إلا التعب، حتى إن ملك الأمراء اشترى مثل ذلك بدراهم حتى حصل له شيء.
والحمد لله وحده.
وكتبه فقير عفو الله تعالى عبدالله بن محمد، غفر الله له ولوالديه ولمن دعا له وترحم عليه وعلى والديه رحمة واسعة.
والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

تعطي هذه الوثيقة بعض التفاصيل التي تؤكد ما قيَّده شهاب الدين ابن طوق في يومياته الدمشقية «التعليق» (1/547-548)، وتضيف عليها.

قال ابن طوق في يوميات يوم التروية 8 ذي الحجة 890هـ:
«وأما غنم العيد فلم يوجد بالكلية، وهذا ما رأيته في عمري. وأما اللحم فمن الأمس لم يوجد بالكلية. وأُخبرتُ أن الذي بلا عظم بتسعة، والذي بالعظم بخمسة وستة وسبعة، ولا يوجد. والرأس للأضحية من التسعين إلى الثمانين وإلى الستين. وهو عدمٌ ولا يوجد…، وكبار دمشق لم يعرفوا أضحية».

وقال في اليوم التالي، يوم عرفة:
«الغنم لم يوجد، واللحم لا يباع إلا خفية».

وقال في اليوم التالي، يوم عيد الأضحى:
«وَصَلت الأضحية الغنم كل رأس بمائة وعشرة، واثني عشر، وخمسة عشر، ما تساوي ستين درهمًا ولا سبعين درهمًا، ولا يوجد.
وأما اللحم فله من يوم الثلاثاء الماضي لم يُرَ في حانوت لحَّام، ولا فتح.
واشترينا ثلاثة أرطال لحم من الصاجاتي بلا عظم بثلاثين درهمًا، وهذا قط ما رأيته ولا سمعته خبرًا في عيد من الأعياد.
ولا من قطيع غنم في أيام العيد ولا قبلها، ولا رأس غنم ولا بقر ولا معز. كان في بعض السنين تكون الأضحية قليلة وغالية، لكن توجد. فلا حول ولا قوة إلا بالله».


من الواضح أن وقع الأزمة التي حصلت يومئذٍ كان شديدًا، وهذا ما دعا صاحب الوثيقة لتقييد مشاهداته الخاصة بها في الكتاب الذي كان بين يديه.

فذكر أولًا أن رأس الغنم بيع يوم عرفة بثمانين درهمًا، وهذا قريبٌ مما ذكره ابن طوق في اليوم السابق، حيث ذكر أن الرأس بيع بما بين 60-90 درهمًا.

وأما في يوم العيد، فذكر صاحب الوثيقة أن الرأس بيع بما بين 110-150 درهمًا، واقتصر ابن طوق على ما بين 110-115 درهمًا، باتفاقٍ فيما بينهما على الحد الأدنى، ويبدو أن صاحب الوثيقة اطَّلع على أسعار أو أخبار للحد الأعلى لم يطَّلع عليها ابن طوق، وأضاف ابن طوق أن الأضاحي التي بيعت بهذه الأسعار المرتفعة لم تكن تساوي 60-70 درهمًا للرأس في المعدل الطبيعي.

واتفق صاحب الوثيقة مع ابن طوق على أن الغنم لم يوجد يومئذ، كرَّر ابن طوق ذلك مرارًا في أيام العيد وما قبله، وأكد أنه لم يرَ مثل ذلك في حياته، ومع ذلك فهو يذكر أسعار الأضاحي، مما يشير إلى أنها موجودةٌ بشكلٍ نادر، وأن الحصول عليها في غاية الصعوبة، وهذا ما ذكره صاحب الوثيقة في قوله إن الغنم لم يوجد إلا بالخفية، وقد ذكر ابن طوق مثل ذلك في اللحم “الجاهز” أيضًا.

وفيما يخص اللحم، فيؤكد صاحب الوثيقة أنه شخصيًّا -ويشير إلى نفسه كالعادة بـ«الفقير»- لم يجد رطل اللحم إلا باثني عشر درهمًا، وينقل ابن طوق أن الأسعار كانت ما بين 5-7 دراهم لرطل اللحم بعظمه، و9 دراهم لرطل اللحم الخالي من العظم، ومع ذلك فهو يقول إنه لا يكاد يوجد في الأسواق، وإن بائعي اللحم لم يفتحوا حوانيتهم أصلًا، ثم ذكر أنه اشترى يوم العيد لحمًا من غير لحَّام بلا عظم بمبلغ 10 دراهم للرطل الواحد، وهو سعر مرتفع جدًّا في نظره، لكن السعر الذي وجده صاحب الوثيقة أعلى من ذلك كما هو واضح.

ويشير صاحب الوثيقة إلى معلومةٍ خاصةٍ بنائب الشام (قجماس)، فيذكر أنه لم يجد كالآخرين إلا بهذه الأسعار المرتفعة، ويذكر ابن طوق أن «كبار دمشق لم يعرفوا أضحية».


توجد المئات من الوثائق التاريخية المتعلقة بالحياة اليومية، والحالة الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن من أهم ما يشار إليه بشأنها في هذا السياق ما يلي:

  • تتكامل الوثائق مع المدوَّنات السردية التاريخية، فهي مصدر أصيل للمعلومات التي تُساق في كتب التاريخ ومصنَّفاته، وكثيرًا ما تتضمن ما يغفله المؤرخ، لكونه ليس على شرط تأليفه، أو لكونه لم يطَّلع عليه، أو لغير ذلك من الأسباب.
  • تمثِّل الوثائق في الغالب حكايةً مباشرةً للواقعة، تُكتب بخصوصها لا غير، ولا تتأثر بسياقاتٍ ولا دوافعَ ولا تقادُم، وتُدَوَّن في اللحظة نفسها أو قريبًا منها. وهي بذلك تكتسب قوةً لا توجد في كثيرٍ من كتب السرد التاريخي، ومع ذلك فالغالب أن الوثائق تتفاعل إيجابًا مع المصادر التاريخية الإسلامية، وأن المؤرخين المسلمين يتحرَّون الدقة ما أمكنهم.
  • من الواجب الاهتمام بمختلف الوثائق قدر الإمكان، وتوظيفها في نقد السرد التاريخي: إما بتصديقه وتأكيده، أو بتحريره وتصحيحه، وهذا الذي ينبغي للمؤرخ والمحقق والقارئ على حد سواء.

أدام الله على الشام وبلاد الإسلام أمنها ورخاءها، والحمد لله على ما أنعم علينا به من ذلك بفضله وامتنانه.

وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.



ردّ

  1. صورة أفاتار محمود أبوطه
    محمود أبوطه

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بعد التحية د. محمد

    فضلا تلك الوثيقة ملحقة على أي مخطوط؟

    بيانات هذا المخطوطات فضلا ولكم جزيل الشكر والتقدير

    محمود أبوطه

أضف تعليق