برع الحافظ المزي (ت 742هـ) -رحمه الله- في علم الحديث وأسانيده ورجاله، وطالع فيه آلاف الكتب والأجزاء الحديثية، وبلغ في إتقان ذلك ومعرفته مبلغًا.
ولازِمُ كثرة المطالعة أن يثافنَ المرءُ الكتبَ والمجلدات، والرقوقَ والأوراق، ويعرفَ -فوق معرفته محتواها العلمي- أوعيتَها المادية، فيَخْبُرَ أشكالها وأحوالها، وما ينوبها من الآفات وما يصونها عنها، ويَحسُنُ به حالئذٍ أن يُحسِنَ التعامل معها حفظًا وتناولًا واستصلاحًا، وإن لم تكن صنعةُ الكتب مهنةً له.
وقد كان الحافظُ المزيُّ من ذلك بسبيل، آخذًا فيه بحظ، وضاربًا فيه بسهم، حتى قال تلميذه الحافظ الذهبي في ترجمته: «وكان يُحْكِمُ ترقيقَ الأجزاء وترميمَها»، وقال تلميذهما المؤرخ الصفدي: «ولم أرَ بعد الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس من يُحْكِمُ ترقيقَ الأجزاء وترميمَها مثلَ الشيخ جمال الدين».
ولسنا -وآثارُ يَدَي المزي الحاذقتَين ماثلةٌ أمامنا- بحاجةٍ إلى مزيد تطلُّبٍ لحكايتها ووصفها في كلمات المؤرخين والنَّقَلة، فهذه نماذج شاهدةٌ على عنايته وإحسانه وإتقانه، إذ كان يتلطَّف إلى الورقة في موضع بترها أو تأثُّرها بالرطوبة أو المحو، فيُلزق بها ما يَرقَعُها ويسدُّ ما انثلم منها، ثم يتمِّم بخطه العبارات بين الورقة وترميمها حتى تتَّصل الكلمة بالكلمة، والحرف بالحرف، ويُقرأ النصُّ على السواء والاستقامة.



وفضلًا عن ترميم البتر، فإن المزيَّ كان يكتب أوراقًا سقطت بكمالها من بعض الأجزاء، ويحتمل في هذا أنه كان يقف على النسخة ناقصةً أصلًا فيتمِّمها من نسخةٍ أخرى، أو أنه كان يقف على الورقة تالفةً أو تكاد، فينقل محتواها إلى الورقة الجديدة، ويحفظه بذلك أن يُفقد، ويحفظ بقيةَ النسخة أن يسريَ إليها التلف.



ومن حسن رعاية المزي لكتبه وأجزائه أنه ربما وقف على بعضها مختلَّ الترتيب، فكتب عليه توضيحاتٍ شافيةً لسباق الكلام ولحاقه وما به يتَّصل، وهذه نماذجُ من عمله ذلك:


وإنما لم يُعِد المزيُّ ترتيبَ هذه الأوراق -مع أنه ولا بد عارفٌ بصنعة التسفير والتجليد- لأنها إما متلازمةٌ مع أوراقٍ أخرى من الجزء نفسِه، فيزداد الترتيبُ اضطرابًا لو فعل، أو لأنها إنْ حُلَّتْ فستكون في كراسٍ مستقلٍّ عن بقية الجزء، وتكون إذن إلى الضياع أقرب، فكان إبقاؤها على حالها مع التنبيه درءًا للمفسدة الأكبر.
وأما عنونة الأجزاء بعنواناتٍ كاشفةٍ في ورقاتٍ تسبقها، فهذه من الكثرة والظهور في مجاميع المخطوطات ومفاريدها بحيث لا يُحتاج معه إلى كبير نمذجة، وفي ذلك إشارةٌ إلى كون المزي هو الذي يقتصُّ الرقوقَ الجلديةَ والأوراقَ الثقيلةَ التي تسمَّى «الغواشي» و«الوقايات»، ثم يَحُوط بها الأجزاءَ المكتوبةَ على الورق لتحفظها من عوادي التلف والفساد، ذلك أنه لا حاجة إلى تكرار عنونة الجزء وتمييزه إلا حين تغشيته ووقايته. وهذه القضية هي -فيما يظهر- مرادُ الذهبي والصفدي فيما ذكراه من «ترقيق الأجزاء»، فالمقصود قصُّ الرقوق بقدر حجم أوراق الجزء، ثم إحاطته بها وجهًا وظهرًا، وهو أمر صنعه المزي كثيرًا، وأحسن فيه ما شاء.

رحم الله المزي، وحرَّم تلكما اليدين الكريمتين على النار.

أضف تعليق