عرف علماء الحديث قديمًا مسألة نسيان الراوي ما رواه، فطرقوها بالعرض والمثال والقاعدة، وألَّفوا فيها المؤلَّفات المفردة، كما ألَّف الدارقطنيُّ والخطيبُ كتابَيهما: «مَن حدَّث ونسي»، والسيوطيُّ -تلخيصًا لثانيهما-: «تذكرة المؤتسي».
أما «مَن كتب ونسيَ» أنَّ الكتابةَ كتابتُه، والخطَّ له، فهو من الغرائب، وإن كان أقربَ إلى الطبع، لكثرةِ ما يكتب الإنسان، وكثرةِ ما يتغيَّر خطُّه ويختلف ويشتبه، وهذا ربما وقع للحافظ ابن حجر العسقلاني، قال السخاوي في ترجمته (1/376): «والعجب أنه كان يطالع المصنَّفَ، ويقيد عليه بخطه الفوائدَ النفيسةَ -على عادته-، ثم يقف عليه بعد دهر، فيعيد نظرَهُ فيه لظنِّه أنه ما رآه قبلُ، وربما توهَّم أن خطَّهُ خطُّ بعض مَن يشتبه خطُّه به»، ثم حكى واقعةً له في ذلك.
وأما «مَن صنَّف ونسي»، فأوغَلُ في الغرابة وأندر، وقد وقفتُ منه على نموذجٍ لطيفٍ للعلَّامة المتفنن مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي الشيرازي، صاحب «القاموس المحيط» وغيره (ت 817هـ)، إذ وَقَعتْ إليه نسخةٌ خزائنيةٌ غُفلٌ عن اسم المؤلف، مِن كتابٍ اسمُه: «أدَوَات السُّول في دعَوَات الرسُول»، فقصَّ في خاتمتها قصَّةً عجيبةً له معها، كتبها بخطه، فقال:

“قالَ مؤلّفُه محمد الفَيرُوزَابَاذيّ -غفر الله له-:
جَمَعتُ هَذِهِ الأَدْعِية بَعد عَامِ خمسِين وسَبعمائة بالمسجد الأَقْصَى لبَعْضِ الملوك[1]، ثم إني لم أرَ به نُسخةً إلى عام ثمانين، أَوَانَ اجتِيازي ببلاد الرّوم، فرأيت هذه النُسخة في خزانة كتب الملك العادل العالم المجاهد المظفر المنصور [….][2] مُلْكَه، فأوعَزَ بتصحيح ألفاظِهِ، فَصَحَّحتُها، وَبَذَلْتُ الجُهْدَ في تَصْحِيحهَا وضَبْطِهَا وشَكْلِهَا، وَمَا عَرَفْتُ أنّه من جَمْعي وتأليْفي إلّا بَعْدَ لَأْيٍ، وتذكرت ما رويناه عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه كان يُنكر بعض وَلَدِه أحيَانًا لكثرتِهم[3].
والحمد لله رب العالمين، والصَلَاةُ والسلام الأتمّان الأَعَمّان على سيّد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الظاهرين، وأتباعهم الزاهرين، أبد الآبدين”
ثم ألحق اسمَهُ مصرحًا بأن الكتابَ تصنيفُه في ظَهرية النسخة، فكتب:

“تألِيْفُ المُلْتجئ إلى حَرَمِ الله -تَعَالى-: محمّد بن يَعْقُوبَ بنِ محمّد الفيروزابادي، أعاذَهُ اللهُ منْ أن يَهْوي إلى هَوَى قلبِهِ، أَوْ يَعْتَقِدَ مُنعمًا سِوَى رَبِّهِ”
وأضاف في بعض مواضع النسخة ما يصرِّح بأنه مؤلفُ الكتاب، فضلًا عمَّا ذكرهُ من التصحيح والضبط والشكل والإلحاق.
ومن لطيف صنيع الفيروزابادي في تعليقته أعلاه أنه استشهد على نسيانِهِ كتابَهُ بنسيان أنسٍ -رضي الله عنه- بعضَ ولده لكثرتهم -إن صح-، وفي هذا تشبيهٌ للكتاب بالولد، واعتذارٌ عن نسيانه بعض مؤلَّفاته بالإشارة إلى كثرتها.
وقد بقي هذا الكتاب بعدئذٍ مِن الفيروزابادي على ذُكرٍ -بحمد الله-، فأورده ضمن مؤلَّفاته في إجازةٍ كتبها بعد سنين لبعض طلبته، لكنه سماه: «مُنية السُّول»[4]، والذي في النسخة الخطية أليَقُ بتتمَّة العنوان، وأوفَقُ لعادة الفيروزابادي في الإغراب وتطلُّب المحسِّنات البديعية، إلا أن يكون ألَّفه ثانيًا فغايَر في اسمه، وهو بعيد.
والله العاصم لا عاصم إلا هو، وهو المسؤول سابغَ لطفه وجميلَ ستره بمنّه.
تنبيه:
بعدما حرَّرتُ ما تقدَّم وبيَّضته رأيتُ الأخ أبا يوسف القبلي أشار إلى هذه اللطيفة باقتضاب، ووجدتُ أخًا علَّق على منشوره فسبق إلى إطلاق “من ألَّف ونسي” عليها. وتردَّدتُ عندئذٍ في نشرها، ثم قدَّرتُ أن في الإعادة إفادة، وأن فيما كتبتُ بسطًا وزيادة، وحقُّ السبق محفوظٌ لهما في الأمرين على كل حال. والله ولي التوفيق.
[1] لم أقف على تسميته، وهذه النسخة مكتوبة برسم خزانة أميرٍ لم يعرَّف بأكثر من لقبه «فخر الدين»، غير أنه لا يلزم أنه المؤلَّفُ له أولَ مرة، فقد تُنسخ لغيره من الكتاب نُسَخ.
[2] بُتر سطرٌ فيه تسميةُ هذا الملك والدعاءُ له، وقد كان السلطان العثماني آنئذٍ هو السلطان «مراد الأول»، وكان يلقَّب «الملك العادل» كما ذكر الفيروزابادي هنا.
[3] لم أقف عليه، فينظر.
[4] نقله التقي الفاسي في «العقد الثمين» (2/396) عن خطه، ولعله عنه انتشر في كتب التراجم.

أضف تعليق