فرائد وشرائد (2): المخطوطات وحديث المنايا

من لطائف التراث المعبرة: أن ترتبط النسخ الخطية بآجال مؤلفيها أو نُسَّاخها أو مستكتبيها أو مُسْمِعيها أو قارئيها.

فمِن النُّسَخ الخطية ما يكون أوله منسوخًا في حياة مؤلف الكتاب، وآخره متمَّمًا بعد وفاته بل بُعَيدها، أو ما يكون نزل أجل المؤلف أو الراوي به أثناء قراءته عليه، فقُيّد ذلك فيه، أو تكون المنية حانت بمستكتب النسخة، أو ناسخها، أو غير ذلك.

ويستلطف في ذلك: ما فيه من الإشارة إلى استمرار نفع هذه الكتب ومؤلفيها ومستنسخيها ونسَّاخها، إذ كانت أرواحهم تغادر هذه الدار وقتما كانت علومهم وتقاييدهم وجهودهم العلمية تُثبَت وتدوَّن وتُحفَظ.

ذلك فضلًا عن أن إشارةَ النسخة إلى الوفاة أثناءها تُعَدُّ تأريخًا أصيلًا من شاهدٍ حاضر، فلا يدخله خطأ النقل ولا سقم النسخ ولا توهُّمات الرواة، بل هو في أعلى مراتب المصدر التاريخي الموثوق للحادثة.

وقد وقفتُ من ذلك على نماذج، ولحظتُ أن عددًا منها كان للحافظ السيوطي (ت 911هـ) -رحمه الله-، وكأنَّ طلبة العلم كانوا يسابقون زمن حياته للإفادة من عطائه ونتاجه.

غير أني سأبدأ بنموذج عُيِّنَت فيه وفاة المؤلف بحروفٍ باكيةٍ، كتبها تلميذٌ وَفِيٌّ لحافظ عصره وإمام محدّثيه الحافظ ابن حجر العسقلاني، حيث كان يَقرأ عليه نسخةً من كتابه «تبصير المنتبه»، ويقيِّد له الحافظُ بلاغاتِ القراءة والمقابلة، ثم توفي في أثناء ذلك، فكتب الناسخ في موضع وفاته: «إلى هنا انتهت القراءة على ملخِّصِه شيخ الإسلام حافظ العصر محيي السنة المجدد لهذه الأمة أمر الدين، ومات وهو قطب الوجود بلا ريب ولا مراء، في ليلة السبت، الثامن والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام، سنة ٨٥٢، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولقد أظلم الوجود لفقده، وأنكرنا -والله- كل شيء حتى أنفسنا. ودفن بالقرافة بتربة القاضي زكي الدين الخروبي…، ومناقبه أكثر من أن تحصى وتذكر، ولله الحمد الذي لم يمت قاضيًا!».

ويظهر لي أن آخرَ بلاغات هذه النسخة هو آخرُ ما وقع إلينا من خطوط الحافظ ابن حجر العسقلاني على الإطلاق، وأقربُها إلى وفاته. وخطوطه -رحمه الله- في عامِهِ الأخير مما يُستملح ويُجمع، وله موضع آخر -بإذن الله-.


ومن نماذج ما مات المؤلف أثناء نَسخ كتابه:

  • نسخة المجلد الأخير من «التكميل» للحافظ ابن كثير، نقل الناسخُ نصفَه الأولَ في مدةٍ آخرها يوم الخميس، تاسع جمادى الأولى، سنة 774هـ، وكان المؤلف يومئذٍ بقيد الحياة، ودعا له الناسخ بالفسح في مدته، لكنه ختم النسخة في سلخ ذي القعدة من العام نفسه، وقد توفي المؤلف في نحو نصف المدة بين نجاز شطرَي النسخة -رحمه الله-.

  • نسخة من «شرح جمع الجوامع» للعلامة أبي زرعة ابن العراقي، بُدئت ببلاغاتٍ كتبها المؤلف بخطه لصاحب النسخة قراءةً وبحثًا، وخُتمت بعد وفاته بأربعة أشهر، ونبَّه الناسخ على قرب ذلك فكتب في تأريخ الختام: «وذلك في يوم الاثنين المبارك، خامس عشري ذي الحجة الحرام، ختام عام ست وعشرين وثمانمائة، أحسن الله تقضيها في خير وسلامة، وفيها توفي إلى رحمة الله تعالى شارحُه شيخ الإسلام، تغمده الله برحمته، وجمعنا وإياه في بحبوحة جنته، آمين، آمين، آمين…».

  • ذكر الشيخ محمد عوامة في دراسات «الكاشف» (1/299) نسخةَ شمس الدين الغرَّاقي من «الكشف الحثيث» للحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي، وقال: «وكان فراغه من كتابة النسخة يوم الثلاثاء الرابع من ذي القعدة سنة 841، أي: بعد وفاة البرهان السبط بثمانية أيام، لذلك لما بدأ بكتابة النسخة كتب على الورقة الأولى منها: “تصنيف سيدنا ومولانا… أمير المؤمنين في الحديث.. سبط ابن العجمي -أبقاه الله تعالى في خير وعافية-..”، فإنه كان حيًّا، رحمه الله تعالى».

  • نسخة من «التلخيص الحبير» للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)، ختمها ناسخها بقوله: «وكان ابتداء كتابة هذه النسخة في حياة مؤلفها سيدنا وشيخنا الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام وخاتمة الحفاظ شهاب الملة والدين أحمد بن علي بن حجر. واتفق إكمالها بعد وفاته -تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته- في يوم الخميس، سادس عشر رجب الفرد، سنة إحدى وستين وثمانمائة…».

  • نسخة من «التحرير» في أصول الفقه، للكمال ابن الهُمام الحنفي (ت 861هـ)، كتب أوَّلَها العلامةُ عبدالحق بن محمد السنباطي بخطه القديم، ثم قال عند تمامها: «وكان الفراغ من تتمة كتابته في الثامن من شهر ربيع الأول، سنة ثمانين وثماني مائة، على يد العبد الفقير إلى الله تعالى عبدالحق بن محمد بن عبدالحق بن أحمد بن محمد بن عبدالعال السنباطي الشافعي، غفر الله له ولوالديه ولمن دعا لهم بالمغفرة ولجميع المسلمين. وكنتُ كتبتُ منه أزيد عن النصف في حياة المصنف، وسمعتُ عليه قطعةً من أوله حَلًّا، تغمده الله تعالى بالرحمة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان».

ومما وقفتُ فيه على مثل ذلك من كتب السيوطي:

  • نسخة من «المزهر» نُقلت عن أصل المصنف، وعلى أولها بلاغَا سماعٍ بخطه، ونبَّه الناسخ بآخرها إلى أنه نقلها عن أصل المؤلف وقابلها به «في أوقاتٍ متفرقة، بعد قراءة ما تيسر على المؤلف قبل وفاته»، ثم تمَّ له إكمالُها بعد عامٍ من وفاته.
  • نسخة من «الإتقان»، وقع فيها خط السيوطي في عدة مواضع ببلاغات المقابلة، ثم قُيِّدت بلاغاتُ السماع عليه بخط تلميذه، ثم انقطعت هذه البلاغات بانقطاع حياته -فيما يظهر-، فقد ختم الناسخ النسخة بعد وفاة السيوطي بنحو عام.
  • نسخة من «الخصائص الكبرى»، افتُتحت بالدعاء له بفسح الأجل والنفع به، واختُتمت في ثاني عشرين شهر شعبان، سنة 911هـ، أي بعد وفاته بثلاثة أشهر وأيام.

ومما أُشيرَ فيه إلى وفاة المستكتب أثناء النَّسخ:

  • نسخة من «تفسير ابن كثير»، قال ناسخها محمد الشاذلي بن جاد الكريم الشافعي في آخرها: «وقد أمرني بكتابته لنفسه استئجارًا: الشيخ الإمام العالم العلامة أبو السعادات بن نور الله، قاضي القضاة بمصر المحروسة -عفي عنه-، وقد كتبت نحو نصفه في حال توليته، ثم تولى قضاء مكة المشرفة، فذهب مع الحاج المصري، وتوفي إلى رحمة الله -تعالى- بمكة المشرفة عشري شهر المحرم الحرام، سنة ثلاث وثمانين وألف، وقد أكملت هذا الكتاب -بحمد الله وعونه- بعد وفاته، وأوصلته إلى وصيه يدفعه إلى أولاده بمكة المشرفة…».

وأما شيوخ السماع وقراؤه، فمما قُيّدت وفياتهم أثناء سماع الكتب والأجزاء أو قريبًا منه:

  • قيدٌ كتبه المحدِّث المفيد عبدالله بن أحمد ابن المحب المقدسي في سماعات كتاب «الأحاديث المختارة» للحافظ الضياء على الشيخ المحدث القاضي سليمان بن حمزة المقدسي، قال فيه: «قرأت من أول هذا الجزء إلى البلاغ قبل آخره بثمانية أوراق على شيخنا قاضي القضاة تقي الدين أبي الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر ابن قدامة المقدسي -رحمه الله-، ثم أدركته المنية قبل تمامه…، وذلك في الثالث والعشرين من شوال، سنة خمس عشرة وسبعمائة…، وكانت وفاة المسمع المذكور -رحمه الله تعالى- في ليلة الاثنين، بعد أذان المغرب، الحادي والعشرين من ذي القعدة، من السنة المذكورة، ودفن من الغد بمقبرة جده الشيخ أبي عمر بسفح قاسيون -رحمه الله وإيانا-، وانقطع بموته كثير من المرويات، إنا لله وإنا إليه راجعون…».

  • سماع قيَّده أحمد ابن المحدِّث المذكور آنفًا: عبدالله بن أحمد ابن المحب المقدسي، وكان القارئُ فيه والدَه، أرَّخه بيوم الاثنين، تاسع شهر صفر، سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، ثم كتب أدنى السماع: «ثم توفي والدي -رحمه الله ورضي عنه وجزاه عنا أفضل الجزاء- في ليلة الاثنين، سابع ربيع الأول، سنة سبعٍ المذكورة، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخْلِف لنا خيرًا منها، ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين. وكان مولده في ثاني عشر المحرم، سنة اثنتين وثمانين وستمائة، بقاسيون».

ويلتحق بما سبق ما تكون المنية نزلت بكاتب أصل النسخة قُربَ نقلها عن خطِّه، ووقفت من ذلك على نموذج هو أقدم نماذج هذا الباب، وهو نسخةٌ من «إعراب القرآن» للزجَّاج، نُقلت عن أصل القاضي أبي سعيد السيرافي، وكتب ناسخها بآخرها: «وكتب عبدالعزيز بن الخضر بخطه في شهور سنة ثمان وستين وثلاثمائة، من نسخة القاضي أبي سعيد الحسن بن عبدالله السيرافي -رحمه الله-… وتوفي أبو سعيد -رحمه الله- يوم الاثنين، لليلتين خلتا من رجب، من هذه السنة، وحضر جنازته قاضي القضاة ابن معروف، ومعظم شهود الحضرة وعلمائها، ودفن في مقبرة الخيزران، رضي الله عنه».


وأخيرًا، فلا بد من التنبيه إلى أنه قد توجد في عنوان النسخة دلائلُ حياة المؤلف، كالدعاء له بالبقاء والحفظ والبركة، ثم يكون آخرها مؤرَّخًا بعد وفاته.

وهذه وإن كانت قرينةً فيما نحن فيه، إلا أنها غير قاطعة، فقد وُجد مثل ذلك فيما لا يمكن أن يدرك الناسخُ زمنَ المؤلف أصلًا، وأما مع الإمكان فيحتمل أن يكون آخرُ النسخة ملفَّقًا بأولها، أو أن الناسخَ نقل صفحة العنوان نقلًا من نسخةٍ مكتوبةٍ في حياة المؤلف، أو يكون العنوانُ مقحمًا بقصد إيهام حياة المؤلف أثناء كتابة النسخة.

وإذن فلا يكفي ما سبق لإلحاقه بالباب، بل لا بد أن يعتضد بأحد أمور:

  • تصريح الناسخ بأن المؤلف أو المستكتب أو المسمع أو القارئ توفي أثناء النسخ أو القراءة.
  • قرب التاريخ قربًا يحتمل أن يدرك فيه الناسخُ المؤلفَ، مع عدم ورود احتمال النقل.
  • تماثل الخط في النسخة بكمالها، وعدم اختلافه بما يشير إلى أنها تُمّمت في وقتٍ منفصلٍ عن وقت نسخها انفصالًا تامًّا.

واللهَ نسأل أن يحسن لنا الختام، وأن يجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم أن نلقاه.



أضف تعليق