كتبتُ، قبل عامٍ من اليوم، مقالةً نقديةً مطوَّلة للنشرة التي صدرت مؤخرًا (1443هـ) من الكتاب النادر «مسند المقلين» للحافظ دعلج بن أحمد السجزي (ت 351هـ)، وبيَّنت -فيما بيَّنت- فيها كون العمل على هذا الكتاب كان من الصعوبة بمكان، لفرديَّة نسخته الخطية، ورداءتها الشديدة التي ليس أقل مظاهرها أن الناسخ خلط الكتابَ بمسند الإمام أحمد بن حنبل، فأقحمه في صلب نسخةٍ من نُسَخه، ثم أقحم في مطلع كل إسناد قوله: «حدثنا عبدالله، حدثنا أبي»، جريًا على عادة أحاديث «مسند أحمد».
وقد نُشر مؤخرًا، دون تنويهٍ يُذكر، توصيفُ نسخةٍ أخرى جديدةٍ من «مسند المقلين»، لم تُعتمد في المطبوع، ولم تكن معروفةً قبلُ، غير أنني، من خلال توصيفها، لا أظنها محلًّا للمبالغة في الاحتفاء، وأحسب أنها لا تكاد ترفع تفرُّد النسخة الأولى، ولا تجبر شيئًا بالغًا من ضعفها، ذلك أنها إما قرينةٌ لها، أو هي أصلها، بدلالة وقوع ناسخها فيما وقع فيه ناسخ الأولى من إقحامٍ وتحريف.
ومع ذلك، فينبغي أن يتقرَّر أنها نسخةٌ يجب اعتمادها في تحقيق الكتاب ومراجعته، لأن من الضعيف ما قد يكون مضبوطًا متقنًا، ومنه ما قد يكون جابرًا مقويًّا، وإنما هو ضعف دون ضعف، وليس في البحث التراثي ما يصحُّ إهماله إلا أن تتحقَّق الدلائل القاطعة على انعدام قيمته وإضافته، وليس هذا مما نحن فيه بسبيل، فإن النسخة الأولى -في رداءتها- محتاجةٌ إلى كل عاضدٍ ممكن.
ولا يبعد أن يوجد في النسخة الجديدة إصلاح غلط، وسدُّ سقط، وحسن ترتيب، ووضوح كتابة، وجودة تصحيح ومقابلة، سواء قلَّ ذلك أو كثر، لأننا -كما سلف- محتاجون في هذه النسخة إلى كل ما يقوِّمها وإن ندر التقويم، بل لو ثبت أن النسخة الجديدة أصلُ الأولى لم يبعد أن ناسخ الأولى زاد في نَسخِها من الأخطاء والتحريفات والأسقاط ما الأصلُ منه براء.
وتحتفظ بالنسخة الجديدة خزانة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، وتشير بيانات فهرستها إلى تقدير نَسخِها في القرن الحادي عشر الهجري، فهي أقدم -فيما يظهر- من النسخة الأولى.
وبرفقه بيانات الفهرسة من «فهرس الحديث النبوي الشريف وعلومه» الصادر حديثًا (1445هـ) ضمن «فهارس المخطوطات الأصلية المحفوظة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية»، إعداد الشيخ البحَّاثة: عمار تمالت.

لحق:
كتبت هذا قبل شهرٍ ونيف، وتريَّثت في نشره رجاء الحصول على مصورةٍ من النسخة الجديدة، فلم يمكن ذلك بعد. غير أنه وصلني من بعض الفضلاء كلام يطعن كاتبه في ثبوت نسبة النسخة الأولى إلى الكتاب، وهو حديث خرافة لا قيمة له، ولا يستحق النظر، والواجب على طالب الحق أن يميز النقد العلميَّ مما يتصوَّر بصورته فحسب.
والله ولي التوفيق.

أضف تعليق