إشكالية ترقيم المصوَّرات: خطأ في ترتيب كتاب

تكلَّم قبلي مرارًا غيرُ واحدٍ من المختصّين عن مشكلةٍ شائعةٍ في التعامل مع مصوَّرات النسخ الخطية، وهي المتعلقة بترقيم أوراق المخطوط، ومعرفة وجهِ الورقة المرموزِ له بـ(أ) أو (و)، مِن ظهرِها المرموزِ له بـ(ب) أو (ظ)، حيث يكثر عند الباحثين الرمزُ للجهة اليمنى في اللقطة المصوَّرة بـ(أ)، وللجهة اليسرى بـ(ب).

ومع أنَّ هذا لا يمكن أن يُتصوَّر عقلًا لو استعملنا المصطلحات العلمية، وهي (الوجه) و(الظهر)، إذ لا يمكن أن يكون وجهُ الشيء مجاورًا لظهره في استقامةٍ واحدة، وأنَّ هذا منقوضٌ بسهولةٍ لو تعامل الباحثون مع عين الأصل الخطي الذي تكون الورقةُ فيه محسوسةً معلومةَ الأولِ والآخر، أو لو حاولوا استحضارَ ذلك ذهنيًّا على الأقل، دون الجمود على هيئة المصوَّرات التي اقتضت طبيعةُ إعدادها أن تتضمَّن اللقطةُ منها ظهرَ ورقةٍ ووجهَ أخرى[1]، مع هذا كله إلا أن الخطأَ ما زال يتكرَّر، حتى رأيتُه مقرَّرًا في بعض الضوابط التي يُلزَم بها المحققون في بعض الجهات العلمية.

إلا أن الذي لم أظنَّ أن يبلغَه أثرُ هذا الإشكال: ألَّا يُحسِن المحققُ ترتيبَ الكتاب، فيقدِّمَ ويؤخرَ بناءً على سوء فهمه لحال أوراق المخطوط وُجوهًا وأظهُرًا، حتى وقفتُ على ذلك واقعًا في كتابٍ صدر حديثًا، وهو كتاب (الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب من أحاديث الشيخ أبي الفرج حمد[2] بن الحسن الكسائي الدينوري)، بتخريج الحافظ الخطيب البغدادي، الذي حققه الشيخ عادل بن محمد العتيق عن أصلٍ خطيٍّ مجزَّأ إلى عشرة أجزاء حديثية، وسقط منها الجزء الأول.

ولم يضع المحققُ نماذجَ من المصوَّرة التي اعتمد عليها، ولا بيَّن في وصف النسخة الخطية -وهو وصفٌ شديدُ الاقتضاب لم يجاوز 7 أسطر[3]– أن النسخةَ في أصلها ناقصةُ الأول مشوَّشَتُه، حيث بدأتْ بالورقة الأولى من الجزء الثاني من الكتاب، ثم بما بقي من الجزأين التاسع والعاشر، ثم ببقية الجزء الثاني، إلى أن انتهت بآخر الثامن.

ولم يُتقن المحققُ التعاملَ مع هذا الاضطراب، فبدأ الكتابَ (ص49) بنقلِ عنوان الجزء الثاني من أول النسخة، ثم لم يفطن إلى أن ظهرَ هذا العنوان [1ب] -ويقع يمين اللقطة التالية- هو الذي يتلو العنوانَ مباشرةً، ويتضمَّن بداية الجزء الثاني، بل قفز إلى ما رمز له بالورقة [22ب]، وصوابه [22أ]، وهو أول الورقة الثانية من الجزء الثاني -كما كُتب بأعلاها: «الثاني من الثاني»-، وجَعَلَه هو مطلعَ هذا الجزء.

وإذن فلم تقع بدايةُ الجزء الثاني (ظهر عنوانه) في موضعها من أول الكتاب، وذهب وَهَلُ المحقق إلى أنها تابعةٌ للجزء التاسع، لوقوعها في المصوَّرة مجاورةً يمينًا للوجه الأيسر الذي كُتب عليه: «الثاني من التاسع»، ولذا فقد أقحمها في مبدأ الجزء التاسع من الكتاب (ص375)، ورمز لها برمز [2أ]، وصوابه [1ب].

وبهذا اختلَّ ترتيبُ الكتاب أولًا، ثم توهَّم المحققُ اكتمالَ الجزء التاسع، والواقع أن الورقةَ الأولى منه مفقودةٌ من النسخة[4]، فضلًا عن فقدان الجزء الأول الذي قصَّر المحقق في بيانه في وصفها.

وكان ينبغي للمحقق أن يتساءل:

لو كان الوجه الأيسر في اللقطة متمِّمًا دائمًا للوجه الأيمن، فكيف وقعت نهاية الجزء العاشر وبداية الجزء الثاني في لقطةٍ واحدة؟

ثم أليس المفترض أن تكون الجهة اليمنى (آخر العاشر) تابعةً للجهة اليسرى (أول الثاني)، كما كانت الجهة اليمنى في أول الكتاب تابعةً للجهة اليسرى (أول الجزء التاسع)؟

وتبيَّن بما سبق أن خللًا في فهم واقعِ المخطوط وترتيبِ أوراقه وأوجُهِها أدى إلى خللٍ أكبر في إعادة ترتيب الكتاب وضبط تسلسل مادَّته العلمية، وذلك ما يشير إلى أن الدقَّة البالغة من ضرورات البحث التراثي، وأن التساهلَ في قضايا تُظَنُّ شكليَّةً قد يجرُّ إلى إشكالاتٍ جوهرية.

والله الموفق والمستعان.


[1] حاول الأستاذ إبراهيم بن عبدالعزيز اليحيى قبل سنواتٍ تقريب الأمر بتصوير مقطعٍ مرئيٍّ لتوضيح الطريقة الصحيحة للترقيم، مع الإشارة إلى الاستفادة من (التعقيبة) -إن وُجدت- لتمييز الوجه من الظهر، والغريب أنه وُوجِهَ بمعارضةٍ ومناقضة.

[2] ضبطه المحقق بفتح الميم، وصوابه بإسكانها، كما هو المعروف في ضبط هذا الاسم عند القدماء، وكما ضُبِط في مواضعَ من النسخةِ المحقَّقةِ نفسِها.

[3] وفيه -مع ذلك، أو: لذلك- قصورٌ وخطأ.

[4] أدرج المحقق صيغة عنوان الجزء التاسع قياسًا على عنوانات الأجزاء الأخرى، لكنه بقي ظانًّا أن أولَه هو أولُ المخطوط -كما مرَّ-.


اللقطة الثانية من المخطوط، وفيها على اليمين الوجه [1ب]، وهو أول الجزء الثاني، وعلى اليسار الوجه [2أ]، وهو وجه الورقة الثانية من الجزء التاسع (الورقة الأولى منه مفقودة)
اللقطة الثانية والعشرين من المخطوط، وفيها على اليمين الوجه [21ب]، وهو آخر الجزء العاشر، وعلى اليسار الوجه [22أ]، وهو وجه الورقة الثانية من الجزء الثاني -تتمة الوجه [1ب]-


أضف تعليق