أوهام الرواة، وجهالة العين

قد تؤدي أوهام الرواة إلى إنشاء رجال لم يكونوا أصلًا، فتقع أعيانهم مجهولةً للناظر، وفي أمثالهم يقول الحافظ ابن حجر: «لا وجود له في الخارج».

ومن هؤلاء (أبو بكر بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري)، فإني لم أجد له ذكرًا إلا في ثلاثة أحاديث:

أحدها: حديث «إن هذه الأمة أمة مرحومة…». أخرجه أبو عوانة (12105)، والدارقطني في الأفراد (518/ترتيب الهيثمي)، والبيهقي في البعث والنشور (651)، من طريق عمر بن عبدالله بن رزين السلمي النيسابوري، عن أبي الأشهب جعفر بن الحارث النخعي، عن عروة بن عبدالله بن قشير، عن أبي بكر بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري.

وقد استغربه الدارقطني، وحكم بتفرد ابن رزين وأبي الأشهب وعروة به، وعقَّبه بذكر رواية إسماعيل بن عياش، عن أبي الأشهب جعفر بن الحارث، عن عروة بن عبدالله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: «ولم يذكر في الإسناد أبا بكر بن أبي بردة»، وهي عند الطبراني في الأوسط (2257)، والإسماعيلي في معجم أسامي شيوخه (166).

وإسماعيل صدوقٌ في روايته عن أهل بلده، مخلّطٌ في غيرهم، وشيخُه في هذا الإسناد -جعفر بن الحارث- وإن كان يُنسَب واسطيًّا، إلا أن تحمُّلَ إسماعيل عنه كان بالشام، قال الحاكم: «ولد ببلخ، ونشأ بواسط، ثم سكن نيسابور، ودخل الشام، فأكثرَ عنه ابنُ عياش وغيرُه من الشاميين، ولهم عنه أفراد…»[1].

فالظاهر أن هذه روايةٌ مستقيمةٌ لإسماعيل، وهو فيها أحسن حالًا من ابن رزين -وهو صدوق له غرائب-.

على أنه يحتمل أن الخطأ من شيخهما أبي الأشهب، وهو صدوق كثير الخطأ.

ورواية ابن رزين معدودةٌ في أفراد النيسابوريين عن أبي الأشهب، وقد قال الحاكم في ترجمته: «وأكثرُ الأفراد عنه لأهل نيسابور»[2]، فلعله حين نزل نيسابور ازداد خطؤه، واختلف حديثه، فكثرت أفراد النيسابوريين عنه.

الحديث الثاني: حديث: «الطيرة تجري بقدر وكان يعجبه الفأل الحسن». أخرجه ابن المقرئ في معجمه (868) من طريق حميد بن مسعدة، عن حسان بن إبراهيم، عن سعيد بن مسروق، عن أبي بكر بن أبي بردة، عن عائشة.

والحديث محفوظٌ من طرقٍ عن حميد، وطرقٍ عن حسان، بجعله لسعيد، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة، أخرجه كذلك من طريق حميد: البزار (2161/كشف الأستار)، وابن عدي (5410)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (796)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (1/457)، ومن طريق حسان: أحمد (25622)، وحرب الكرماني في مسائله (1673/آخر الكتاب)، والحارث (748/بغية الباحث)، وابن أبي عاصم في السنة (261)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (1845)، وابن حبان (5824)، وابن عدي (5408، 5409)، والحاكم (1/32)، والخطيب في المتفق والمفترق (943)، وغيرهم.

الحديث الثالث: حديث: «من سمع الأذان فارغًا صحيحًا، ثم لم يجب، فلا صلاة له». أخرجه البيهقي (3/174) من طريق زيد بن الحباب، عن زائدة بن قدامة، عن أبي حصين، عن أبي بكر بن أبي بردة، عن أبي موسى.

قال البيهقي: «كذا قال: عن أبي بكر بن أبي بردة. ولا أراه إلا وهمًا».

والحديث رواه جماعةٌ عن أبي حصين، عن أبي بردة، عن أبي موسى، على اختلافهم في رفعه ووقفه، أخرجه ابن أبي شيبة (3500)، وصالح بن أحمد في مسائله عن أبيه (576)، وحرب الكرماني في مسائله (1191/الطهارة والصلاة)، والبزار (3157)، وابن المنذر في الأوسط (1889)، وابن الأعرابي في معجمه (1056)، والحاكم (1/246)، والبيهقي (3/174)، وغيرهم.

هذا، ومما يؤكد ما سبق مِن وهم كل مَن ذكر أبا بكر بن أبي بردة: أني لم أجد مِن أبناء أبي بردة مَن يُكنى هذه الكنية، أو يُسمى بهذا الاسم -إن كان اسمًا-، وإنما ذكروا له أربعةَ أبناء: سعيدًا، وبلالًا، وعبدالله، ويوسف[3].


[1] إكمال تهذيب الكمال، لمغلطاي (3/210).

[2] السابق.

[3] انظر: تاريخ ابن أبي خيثمة (2/962-السفر الثاني)، جمهرة أنساب العرب، لابن حزم (ص398).



أضف تعليق