اشتغل محب الدين محمد بن أبي بكر بن أحمد الكناني العسقلاني الطوخي ثم القاهري بالنساخة، وكان يرتزق منها غالبًا، وإن لم يكن خطُّه بالطائل -كما قال السخاوي في ترجمته من “الضوء اللامع” (7/156)-.
ومن منسوخاته: نسخة تقع في 8 ورقات من رسالة: “حفظ الصيام عن فوت التمام“، للعلامة تقي الدين السبكي (ت 756هـ)، التي ألَّفها عقب محاورةٍ علميةٍ مع بعض أهل العلم حول انتقاص الصوم بما يقارفه الصائم من معاصٍ كشتمٍ وغيبة، وأثر توبته منها في رفع ذلك النقص.

وهذه الرسالة مدرجةٌ ضمن مجموع “فتاوى السبكي” (1/230-242) -وهو مجموعٌ جُمع بعد حياته بقليلٍ نقلًا عن خطه، حفظًا لفتاويه ورسائله الصغار من الضياع-، وكان ألَّف هذه الرسالةَ في ثالث عشر المحرم، سنة 755هـ، أي قبل وفاته بسنةٍ ويسير.
وألطف ما في نسخةِ الطوخي المذكورةِ آنفًا: أنه أرَّخ كتابته لها بيوم الخميس، تاسع شعبان، سنة 867هـ، ثم ذكر أنه كتبها “لصاحبنا الفاضل الكامل العلامة عمدة الأفاضل جلال الدين عبدالرحمن ابن الشيخ العلامة كمال الدين الأسيوطي الشافعي -نفع الله تعالى به ورحم سلفه الكريم-“.

وهذا يعني أن السيوطيَّ استنسخ هذه الرسالة بعد تمامه 18 عامًا من عُمره بشهرٍ وأيام فقط، وهو الوقتُ الذي ألَّف فيه كتابًا صغيرًا من أوائل مؤلفاته، بعنوان: “الغيث المغدق في تحريم المنطق”[1].
وإذْ كانت رسالة السبكي “حفظ الصيام” من مصادر السيوطي في ذلك الكتاب، فيبدو أنه استنسخها أثناء عمله في تأليفه، بهدف النقل عنها فيه، كما يحتمل أن السيوطيَّ كان يتدارس مسائل الصيام في شهر شعبان -كعادة أهل العلم-، فاحتاج إلى مطالعة هذه الرسالة ومراجعتها، فطلب إلى الطوخي نسخَها له.
وعلى أيٍّ، فقد كان الطوخيُّ يكبُر السيوطيَّ بسنوات، وحلَّاه -مع ذلك- بأوصافٍ رفيعةٍ، تؤكد بروزَه العلميَّ منذ أيام شبابه الأولى.
مات الطوخيُّ بعد ذلك بنحو عشر سنوات في جدَّة، ودُفن في مقبرة المعلَّاة بمكة المكرمة، وعاش السيوطيُّ بعده أربعًا وثلاثين سنة، كان فيها نحوًا مما وصفه رفيقُه: فاضلًا، كاملًا، علامةً، عمدةً للأفاضل.
رحم الله الجميع، وتقبل منا ومنهم صالح القول والعمل.
[1] راجع مقالة حافلة نافعة حول هذا الكتاب لفضيلة د. عبدالحكيم الأنيس:
https://www.alukah.net/culture/0/148918
أضف تعليق