خطوط الحافظ الذهبي زمانًا ومكانًا

كان الحافظ الذهبي (673 – 748هـ)، رحمه الله، سيَّال القلم، واسع النظر والاطلاع، كثير التعليق والتقييد، والنقل والتلخيص، ولذا جاءت خطوطه في أوعية التراث المخطوط وفيرةً جدًّا، متنوعةً بين أصولٍ من مؤلفاته كتبها بخطه، ونُسَخٍ لأجزاء وكتب من تأليف غيره، وتلاخيص ومنتقيات، وقيودِ سماعاتٍ وإجازاتٍ، ومطالعاتٍ وعنوانات، وحواشٍ وتعليقات، ولستُ أشك أن ما لم يصل إلينا منه مثلُ ما وصل، أو أكثرُ مما وصل، وذلك كلُّه يَحتَمِل أن تخصَّص له الدراسات الجادَّة المستقصية، تكميلًا للدراسات الجادَّة المعقودة في سيرته وآثاره.

وإن من ألطف مُتناوَلات هذا الجانب من الاشتغال والعطاء العلميَّيْن للحافظ الذهبي: ما يتعلق بأزمان كتاباته ومواضعها، وفي هذا الصدد أشرتُ في غير هذا الموضع قديمًا إلى آخر ما وقفنا عليه من خطوطه، وهما نموذجان كتبهما بعدما أضرَّ في آخر سنيَّات عمره، ومن شأن هذا يضيف إضافةً ملموسةً إلى سيرة الذهبي، فيبين -بالوثائق الشاهدة- شدَّة نهمته في بذل العلم، واتصاله بأسبابه وأدواته إلى قبيل وفاته.

ومع ذلك، فيظهر أن خطوطَ الذهبي القديمةَ أبلغُ دلالةً على تفاصيل نشأته العلمية، وإقباله على الطلب والسماع، كما يشير اختلافُ مواضعها إلى أوقات رحلاته وجهاتها. ولعل هذه القضايا أحوجُ إلى الدليل الموثَّق من قضية استمرار عطائه العلمي الذي بلغ في الثبوت مبلغَ القطع.

وقد كان للخط في نشأة الحافظ الذهبي أثرٌ بالغ، إذ نجده يصف معلمَه الأولَ في الكتاتيب بأنه “كان من أحسن الناس خطًّا”، ثم ينقل الكلمة الشهيرة التي يعترف أنها أثَّرت في نفسه وفي اتجاهِه العلمي، وهي قول البرزالي -رفيقه الكبير- له: “خطك يشبه خط المحدثين”.

ثم إن لخطوط الذهبي القديمة أثرًا بالغًا في إضاءة جوانب جديدة من نشأته العلمية، وزيادة توضيح جوانب أخرى، وسأعرض في هذه العجالة إلى ثلاث قضايا من ذلك:

1- أقدم خطوط الحافظ الذهبي:

لم أقف فيما اطلعت عليه من خطوط الذهبي -وهو اطلاع قاصر في هذه وفي غيرها دون شك- على أقدمَ من سماعٍ له على كتاب “الفصيح” لثعلب، أحد أشهر كتب التصويب اللغوي، وهو متن ذائع، كان المتعلمون يتحفَّظونه ويضبطونه في مطالع أعمارهم، وهذا ما يشير إليه قِدَمُ هذا السماع، وكونه في السنة التي عُرف من سيرة الذهبي أنها ابتداءُ توجُّهه إلى الطلب، وإقباله على العلم، وهي سنة 691هـ، في شهر رمضان المبارك منها تحديدًا.

ويُلحظ هنا أن الذهبيَّ قابل هذه النسخة بأصلٍ صحيح، ثم انتصب إلى تقييد السماع بدقةٍ متناهية، ومعرفةٍ بطرائق إثبات السماع، وضبط النصوص، مؤكدًا بذلك على حدَّة ذكائه وإدراكه، وبكور نبوغه، مع كونه كان في مراحل العلم الأولى.

ثم نقف بعد ذلك على سماعٍ بخطه في السنة التالية، 692هـ، لأحد الأجزاء الحديثية، وفي هذا إشارة إلى تزاحم جدوله العلمي، وعدم انصرافه عن الحديث إلى غيره، كما قد يُفهم من بعض الإطلاقات التي تفيد أنه عُني بالقراءات القرآنية في أول عُمره.

ولا بأس هنا بالخروج عن خط الحافظ الذهبي، لإيراد سماع جزءٍ حديثي آخر في السنة نفسها، ولا بأس أن نجد الذهبيَّ فيه في آخر قائمة السامعين، مجرَّدًا عن ألقاب الإمامة والحفظ، إذ لم يكن يومئذٍ إلا شابًّا يدرج في التاسعة عشرة من عمره.


2- الذهبي “المقرئ”:

لا شك أنه كانت للذهبي عنايةٌ ظاهرةٌ بالقراءات القرآنية في أول عُمره، وإن كانت لم تطغَ على تنوُّع طلبه -كما مر التنبيه عليه-.

وقد وقفتُ على نموذجين كتبهما الذهبي في الربيعين من سنة 693هـ، أي بعد إتمامه عشرين سنة من عمره، ووصف فيهما نفسَه بالمقرئ، وهما من ضرب النماذج التوثيقية التي لا توردها كتب التراجم، ولا تكفي فيها المدوَّنات القديمة.

وقد جاء هذا الوصف وقتما تولَّى الذهبيُّ إحدى حلق الإقراء بالجامع الأموي، خلفًا لشيخه المقرئ المجود أبي عبدالله الدمياطي، الذي توفي قبل كتابة الذهبي أولَ النموذجين بأيام، وكان تنازل له عن الحلقة قبل ذلك بقليل.

وأما خطوط الذهبي بعد ذلك، أي في سنة 693هـ فما بعد، فهي متوافرة متكاثرة، إلا أن الذي يبرز منها بشكل ظاهر: ما كتبه في غير دمشق الشام، في أثناء رحلاته العلمية.


3- خطوط الذهبي في الرحلة:

كانت للحافظ الذهبي رحلة مبكرة إلى البلدان الشامية، ثم إلى البلدان المصرية، وإن كانت محدودة الزمن في كلٍّ منها، نزولًا عند رغبة والده واستجابةً لأمره، ثم رحل للحج لاحقًا بعد وفاة أبيه، ورحل رحلاتٍ أخرى قليلة.

وخبر هذه الرحلات مبثوث في تراجم الذهبي لمشايخه، وحديثه فيها عن طلبه وسماعه، إلا أن القيود الموثِّقة لهذه الرحلات أجودُ في الدلالة، وأضبطُ في التأريخ.

ومما وقفتُ عليه من خطوطه في الرحلة، ومنها ما قد ينفرد بتحديد وقت رحلته:

  • في بعلبك، ثالث ورابع المحرم، سنة 694هـ:
  • في القاهرة، سادس شعبان، سنة 695هـ:
  • في حلب، حادي عشر ربيع الآخر، سنة 705هـ:
  • في طرابلس، ثاني صفر، سنة 707هـ:

*       *       *

هذا، وقد امتدَّ أثر خط الذهبي، بما فيه من تفرُّدٍ وامتياز، ليُحدث تأثيرًا فيمن بعده، إذ تشتهر كلمة الحافظ ابن حجر العسقلاني في صاحبه الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842هـ)، في أنه “جوَّد الخط ‌على ‌طريقة ‌الذهبي”، ثم نجد أنه سار على طريقتهما الحافظ قطب الدين الخيضري (ت 894هـ)، وربما كان لغيرهما تأثُّر به -أيضًا-.

وأما اعتماد الأئمة على خط الذهبي، ونقلهم عنه، واحتجاجهم به في معتركات المسائل، فأمر أشهر من أن ينمذج له في هذه النبذة المختصرة.

وأعود على بدءٍ لأؤكد أن هذا الجانب الذي وضع أثره في حياة الحافظ الذهبي، مقتَبَلِها ومكتَمَلِها، ثم وضع أثره بعد وفاته مددًا طويلة، لحقيقٌ بالتتبع والدراسة والإبراز.

  • سأضيف ما أستفيده من قراء المقالة الكرام من خطوط الحافظ الذهبي التي تسبق أو تقارب ما أوردتُه فيها زمنًا، أو خطوطِه التي كتبها في رحلاته العلمية، كل ذلك منسوبًا إلى مفيده، مجدَّدًا له الشكر والدعاء.

والله الموفق وحده.



أضف تعليق