الاختلاط والتلقين، والإدراج

كان عند أبي إسحاق السبيعي حديثان:

أحدهما: حديث خلع النبي ﷺ نعليه في الصلاة، وخلع الناس نعالَهم لذلك.

الثاني: قصة ابن مسعود مع أبي موسى الأشعري، وفيها أن أبا موسى أمَّهم فخلع نعليه، فأنكر عليه ابن مسعود، وقال: رأيت النبي ﷺ يصلي في الخُفَّين والنَّعلَين.

وقد روى الحديثَ الأولَ عن أبي إسحاق: محمدُ بنُ جابر، وإسرائيل، واتفقا على جعل مَخْرَجِه: علقمة، عن ابن مسعود، إلا أن محمد بن جابر زاد فيه إبراهيمَ النخعيَّ بين أبي إسحاق وعلقمة، وأخطأ في ذلك، لمخالفته -على ضعفه- أصحابَ أبي إسحاق الذين لم يذكر واحدٌ منهم -على اختلافهم- النخعيَّ في إسناده.

وإنما يُعرف الحديثُ عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، من حديث ميمون أبي حمزة الأعور، قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يُروى من حديث إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله، إلا من حديث أبي حمزة عنه»، فأفاد أن الحديث بهذا الإسناد ليس معروفًا من حديث أبي إسحاق، وإنما هو حديث أبي حمزة، وأبو حمزة ضعيف. وأما أبو إسحاق فيرويه عن علقمة مباشرة -كما مرّ-، ولم يسمع منه، فهو منقطع.

وأما الحديث الثاني، وهو قصة ابن مسعود مع أبي موسى الأشعري، فاختُلف فيه عن أبي إسحاق:

* فرواه زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن ابن مسعود، بالقصة الموقوفة مع القدر المرفوع: «رأيت النبي ﷺ يصلي في الخُفَّين والنَّعلَين» -واقتصر بعض أصحاب زهير على المرفوع دون القصة-.

* ورواه شريك، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، موقوفًا فحسب، بقصة إنكار ابن مسعود على أبي موسى خلعَ نعليه في الصلاة، دون ذكر القدر المرفوع من الحديث.

وأبو إسحاق اختلط بأخرة، وزهيرٌ ثقةٌ ثبت، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق متأخر، وأما شريك، فقد ذكر الإمام أحمد أنه سمع من أبي إسحاق قديمًا، وقدَّمه هو وابنُ معين على إسرائيل في أبي إسحاق خاصة، هذا مع أن إسرائيل من أتقن الرواة عن جدِّه أبي إسحاق.

وعلى هذا فرواية شريكٍ وإسرائيلَ أثبتُ وأصح.

ويحتمل أن أبا إسحاق تداخل عليه الحديثان بعد اختلاطه، فروى قصةَ ابن مسعود مع أبي موسى الأشعري، جاعلًا مَخْرَجَها: علقمة عن ابن مسعود، ومُدرِجًا فيها صلاةَ النبي ﷺ في نعليه، وهذان الأمران إنما هما عند أبي إسحاق في الحديث الأول.

ويؤيد ذلك: أن في سياق بعض الرواة عن زهير، عن أبي إسحاق: قال زهير: «وسأله رجلٌ عن حديث علقمة»، فربما كان هذا تلقينًا لأبي إسحاق، فإنه حدَّثهم بعد ذلك مُقِرًّا السائلَ على أن الحديث لعلقمة -وعلى هذا جاءت عامة الروايات عن زهير-، والواقع أنه لأبي الأحوص.



أضف تعليق