نقل ابن طولون (ت 953هـ) عن خط العلامة برهان الدين ابن جماعة (ت 790هـ) في «تذكرته»، نصًّا مطوَّلًا رآه ابنُ جماعة بخط الحافظ المحدِّث إسماعيل بن عبدالله ابن الأنماطي (ت 619هـ) على ظهر المجلد الأول من «تاريخ دمشق» للحافظ ابن عساكر (ت 571هـ)، وهو من أجمل النصوص وأغزرها فائدةً في قضايا تتعلَّق بجانبين:
الأول: تصنيف ابن عساكر لتاريخه: أصل فكرته، ومراحل تسويده وتبييضه، ومقابلته وقراءته، وتنوُّع مادَّته، ووِزَان أحاديثه بالنظر إلى جملة ما عند مؤلفه، واستحضار مؤلفه العجيب لما أودعه فيه.
الثاني: تبييض القاسم ولد ابن عساكر لتاريخ أبيه: ابتداؤه بذلك، وأحواله، وسماعه للكتاب وإسماعه.
وهذه الأخبار التي دوَّنها ابنُ الأنماطي صحيحةُ الأسانيد، جيدةُ المآخذ، مفيدةٌ فوائدَ جمةً في تاريخ التراث الإسلامي، ومناهج تصنيفه، وعاداتِ تلك الأزمان في ابتداء «المشاريع العلمية الكبرى»، وإثرائها على المدى الطويل، وإبرازها للعموم بعد الضبط والمقابلة.
وفي هذه الأخبار -كذلك- لمحاتٌ نادراتٌ في سيرة ابن عساكر وشخصيته، وفي علاقة ابنه به.
وأدناه نصُّ تلك الأخبار منسوخًا مصحَّحًا، مع التعليق على ما قد يُشكل منه -وهو شيء يسير-.
والله ولي التوفيق.
قال برهان الدين ابن جماعة:
ونقلت من خط الحافظ إسماعيل ابن الأنماطي على ظهر المجلد الأول من «تاريخ دمشق» للحافظ أبي القاسم ابن عساكر:
1- سمعت أبا البركات الحسن بن محمد بن الحسن الشافعي يقول: سمعت [مَن][1] يقول لِعَمِّي -مؤلفِ هذا التاريخ-: أين تاريخك هذا من تاريخ الخطيب؟ فقال له عمي: الخطيب شيخ هذه الصناعة، وأستاذ مشايخنا، ولكن وددتُ لو كان حيًّا ووقف على هذا الكتاب، وسألتَه عنه، فكنتَ تسمع الجوابَ منه.
2- وسمعت أبا جعفر أحمد بن علي القرطبي، سمعت الحافظ أبا القاسم يقول: أودعتُ هذا الكتابَ من حديثي ما إذا ذهب حديثي كلُّه وبقي لي هذا استغنيتُ به.
3- وسمعت أبا الوحش عبدالرحمن بن أبي منصور بن نسيم المقدسي: سمعت رجلًا يقول لشيخنا الحافظ أبي القاسم: قد استوعب هذا التاريخُ حديثَك الجيدَ كلَّه. فقال: لا والله، ولا رُبعَه، ولا خُمسَه، ولا سُدسَه.
4- وسمعت أبا نصر محمد بن هبة الله ابن الشيرازي، سمعت الحافظ أبا القاسم يقول: كتابي هذا مثل دكان العطار، يوجد فيه الورد المربى بجوار الحنظل، والسكر بجانب الصبر.
5- وسمعت الحافظ أبا محمد القاسم بن علي[2] يقول: دخل عمي الصائن أبو الحسين هبة الله بن الحسن إلى بغداد للتفقُّه وطلب الحديث، فأقام بها مدة، ودخل إلى دمشق[3]، فقال عمي: قد عزمتُ على جمع تاريخ دمشق، فإني قد حصَّلتُ «تاريخ بغداد» للخطيب، ولو جُمع لدمشق تاريخٌ كان يكون أحسنَ من تاريخ بغداد، لكثرة من دخلها من الأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء. فوقع هذا الكلام في قلب أبي، وشرع فيه للوقت، ولم يزل ملازمًا لجَمعِه، يفترُ تارةً ويعود أخرى، إلى أن كمَّله في المسودة، وعجز عن تبييضه لكبر سنه، وضعفه عن كتابته.
وكان له صديق اسمه يغمر بن البصار[4]، وقد ذكره في حرف الياء من هذا الكتاب، وكان يحثه على تبييضه، وكلما رأى فتوره عنه يلهف[5] عليه، حتى عزم أن يجمع أصحاب الحديث، ويطلب من السلطان نور الدين ابن زنكي إلزامَ الحافظ بتبييض هذا الكتاب. فبلغ أبي ذلك، فقال له: إن فعلتَ ذلك لا أُخرجه أبدًا، لأني إنما صنَّفتُه لله، فلا أُخرجه بقول أحد، ولا لأجل أحدٍ غيرِ الله.
قال القاسم[6]: فلما مات يغمر هذا سنة ثمان وخمسين وخمسمائة حضرتُ جنازته، وذكرتُ ما كان عنده من التلهف على ظهورِ هذا الكتاب وخروجِه، وانتفاعِ الناس به، وقلت: والله إني أحق بهذا الاهتمام لهذا التاريخ، فصرفتُ همَّتي إليه، وشرعتُ في نقله عن المسودة في أوائل سنة خمس وستين، وكنتُ أكتبه أولًا أولًا.
6- وسمعت الحافظ أبا محمد القاسم يقول: غضب عليَّ والدي مرة، وتمادى غضبُه مدةً طويلةً تصرم فيها كثير من العمر، وكانت فيه حِدَّة، وحلف ألَّا يكلمني، فلما طال ذلك عليَّ تشفَّعتُ إليه بكل أحد، فأبى حتى أكتب التاريخ، وكان قد صنَّفه، وهو عنده مسودة، قد عجز عن كتابته، وضعف عن نقله، فأجبتُه إلى ذلك، فسيَّر إليَّ بعضَه، فكتبتُه على النحو الذي أمرني به، وسيَّرتُه إليه، فأسمعه للجماعة، ودمتُ كذلك إلى أن كتبتُ قطعةً صالحةً من الكتاب، وكلما كتبتُ شيئًا سيَّرتُه إليه، فيُقابل به، ويَسمعه منه الجماعة، وأنا لا أسمع ولا أحضر إليه امتثالًا لأمره، فلما كان ليلةَ منتصف شعبان خطر ببالي أمضي إليه وأترضَّاه، فإن قَبِلَني ورضي عني، وإلا تركتُ الكتابة، وقلتُ لنفسي: إلى متى أتعب لغيري؟ وأكتب ويسمع سواي؟ فجئت إلى منزله وحدي، فدققتُ الباب، فقال: من؟ فقلت: القاسم. فقال: أنا والله جالسٌ الساعةَ تخطر ببالي، وأنا أقول في نفسي: إن أراد الله بالقاسم خيرًا فإنه يأتي إليَّ في هذه الليلة، ويسألني حتى أرضى عنه. قال: قلت: فإن الله قد فعل ذلك. وقبَّلتُ رجلَيه، ورضي عني، وكمَّلتُ بقيةَ التاريخ، وكتبتُه كاملًا مرَّتَين، وسمعتُه منه وأَسمعتُه مرَّتَين.
- قال ابن الأنماطي: وشرع في الثالثة، فوصل إلى أثنائه، ومات.
7- وسمعت الحافظ أبا محمد القاسم يقول: كان على ذُكْرِ أبي جميعُ ما أورده في هذا التاريخ، وكان الرجل يسأله عن الرجل هل ذَكَرَه أم لا؟ فيجيبه في الحال، فإن كان قد ذكره أخرجه له من الكتاب بعد ذلك، وإلا اكتفى بقوله له: إنه ما أخرجه.
وكان يُقرأ عليه الجزءُ من الحديث، فيمرُّ الحديثُ أو الحكاية، فيقول: يصلح أن يكون هذا في ترجمة فلان، ولم أخرجه. فيأخذ الجزءَ الذي يصلح أن يكون فيه من «التاريخ»، فيكتبه في حاشيةٍ أو في وُرَيْقة، ويُعَلِّم عليه بالإلحاق.
ويمرُّ الحديثُ من طريق، فيقول: أخرجتُ هذا الحديثَ في ترجمة فلانٍ من طريق فلان، ولم أخرجه من هذه الطريق. ثم يأخذ الجزءَ فيُخرجه كما ذكر، ويكتب الطريقَ الأخرى. ومن رأى الملحقاتِ في الكتاب استدلَّ على ذلك وعَلِمَ صَحَّتَه.
انتهى.
.
[1] ليس في الأصل.
[2] هو ابنُ ابنِ عساكر.
[3] كان خروجه من بغداد سنة 514هـ، وكان لأخيه -مؤلف التاريخ- يومئذٍ 15 سنة.
[4] الذي في ملاحق «تاريخ دمشق» (74/202) و«مختصره» لابن منظور (28/62) و«تاريخ الإسلام» للذهبي (12/155): «يغمر بن ألب سارخ».
[5] كذا، وله وجه.
[6] كذا، وفي «تاريخ دمشق» نحوُ بعضِه من كلام والده، فلينظر.




أضف تعليق