من أوهام ابن جُميع الصيداوي في البغداديين

روى الدارقطني حديثًا غريبًا نظيف الإسناد عن شيخه أبي بكر أحمد بن محمد بن عمار القطان -من أصل كتابه-، ثم قال: «ولم نكتبه إلا عن شيخنا هذا، وكان من الثقات».

وقد ترجم الخطيب البغدادي لشيخ الدارقطني هذا، فنَسَبَه: «أحمد بن محمد بن عمار بن عيسى بن حيان، أبو بكر، القطان»، وذكر أنه كان «يعرف بسبنك، وإليه ينسب عمر بن محمد بن إبراهيم البجلي، المعروف بابن سبنك، لأنه كان جدَّه أبا أمه»(1).

وترجم ابنُ جميع الصيداوي في باب المحمدين من معجم شيوخه لرجلٍ سماه: «محمد بن أحمد بن محمد بن عيسى بن عمار العطار»، وذكر أنه سمع منه ببغداد(2)، ثم أسند هذا الحديثَ عينَه عنه.

ولم أجد للشيخ الذي روى عنه ابن جميع ترجمةً ولا ذِكرًا في موضعٍ آخر، ومع حرص الخطيب البغدادي على استيعاب بغداديِّي تلك الطبقة في تاريخه، واستفادته من معجم ابن جميع، حتى إنه ربما لم يُتَرجِم الرجلَ إلا بما ذكره ابن جميع(3)، فإنه لم يذكر ذلك الشيخَ في التاريخ.

وابنُ جميع محدِّثٌ شاميٌّ رحَّالٌ في طلب الحديث، وهو من أقران الدارقطني، وقد وُلِدا في وقتٍ متقاربٍ جدًّا، إذ قيل -كما وقع للدارقطني-: إن ابن جميع ولد سنة 306هـ، وقيل: سنة 305هـ(4).

وقد دخل ابنُ جميع بغدادَ وكتب بها في السنة التي توفي فيها شيخُ الدارقطني المذكور (سنة 328هـ)(5).

ويغلب على الظنِّ أن الحديثَ لو كان عند شيخٍ بغداديٍّ في تلك الطبقة لم يَفُت الدارقطنيَّ أن يكتبه عنه، لغرابته، مع نظافة ظاهر إسناده، ولَمَا اكتفى بكتابته عن شيخه المذكور.

ومن خلال جميع ذلك يظهر -والله أعلم- أن الشيخَ الذي روى عنه ابنُ جميع هو شيخُ الدارقطني نفسُه، لكنَّ ابنَ جميعٍ لم يضبط اسمه، فقدَّم فيه وأخَّر في موضعين، وأهل بغداد أعرَفُ بشيوخهم(6).

هذا، وقد وقع أنْ لقَّب ابنُ جميع شيخًا آخر بالصيرفي، ولقَّبه الدارقطنيُّ بالزيات، فترجم لهما الخطيب البغدادي (6/192)، وقال في شيخ ابن جميع: «وأخشى أن يكون هذا وشيخُ الدارقطني واحدًا».

كما روى ابن جميع عن حامد بن محمد بن داود المروزي الزيدي، فقال ابن عساكر في تاريخ دمشق (12/7): «كذا رواه، قال في نسبه: داود، ولا أراه محفوظًا»، ذلك أن المعروف عند البغاددة وغيرهم في نسبه: حامد بن أحمد بن محمد بن أحمد، وقد ترجمه كذلك الخطيب في تاريخ بغداد (9/41).


(1) تاريخ بغداد (6/240).

(2) معجم الشيوخ (ص63).

(3) انظر: تاريخ بغداد (2/110، 142، 518، 6/343، 13/187، 188، 219، 15/367).

(4) انظر: تاريخ الإسلام (8/577، 9/47).

(5) انظر: معجم الشيوخ (ص255)، تاريخ بغداد (16/477).

(6) وأما لقب «العطار»، فيظهر أنه تحريفٌ في نسخة المعجم عن «القطان»، وقد راجعت النسخة الخطية [3أ] للتثبت من وقوع اللقب كما هو في المطبوع، وهي نسخة وحيدة، لا تظهر على خطها أمارات الإتقان. ومن المعجم قطعةٌ لم يعتمدها المحقق في المكتبة الأزهرية، ولكنها -بعد المراجعة- لا تتضمَّن الموضعَ الذي ورد فيه هذا الحديث.



أضف تعليق