في أسباب أخطاء الرواة: الاختصار والرواية بالمعنى، والحمل

روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة -وهو ثقة متقن-، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «بادروا الصبح بالوتر».

ورواه يحيى -كذلك- عن عاصم الأحول، عن عبدالله بن شقيق، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، مثله.

وقد تفرد ابن أبي زائدة بالإسنادين جميعًا، حكم بذلك الإمام أحمد، والدارقطني، وغيرهما، وأخرج مسلم ثانيَهما في صحيحه، وصحَّح الترمذيُّ أوَّلهما عقب تخريجه له، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان بتخريجه في صحيحيهما.

إلا أن غرابتَهما جعلت بعضَ الأئمة يتلمَّس سببَ انفراد ابن أبي زائدة بهما، فتبيَّن أنه رواهما بالمعنى، واختصرهما من حديثين مشهورَين عن ابن عمر، هما قوله ﷺ: «إذا خِفتَ الصبحَ فأوتر بواحدة»، وقوله: «واجعل آخرَ صلاتك وترًا»، وبعض الرواة يضمُّهما في حديثٍ واحد، وكلاهما مرويٌّ بإسنادَي حديثَي ابن أبي زائدة نفسَيهما.

قال الحافظ ابن رجب:
«وخرَّج مسلم من طرقٍ عن عبدالله بن شقيق، عن ابن عمر، أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ: كيف صلاة الليل؟ قال: «مثنى مثنى، فإذا خشيتَ الصبح فصلِّ ركعة، واجعل آخرَ صلاتك وترًا»(1).

وخرَّجه من طريق ابن أبي زائدة، عن عاصم الأحول، عن عبدالله بن شقيق، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: «بادروا الصبحَ بالوتر».
وهذا لعله رواه بالمعنى من الحديث الذي قبله.

وخرَّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، من حديث ابن أبي زائدة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: «بادروا الصبح بالوتر». وصحَّحه الترمذي.

وقد ذكر الدارقطنيُّ وغيرُه أن ابن أبي زائدة تفرَّد بهذا الحديث بالإسنادين.

وذكر الأثرم أنه ذكر لأبي عبدالله -يعني: أحمد بن حنبل- حديثَ ابن أبي زائدة هذا من الوجهين، فقال في الإسناد الأول: «عاصمٌ لم يروِ عن عبدالله بن شقيق شيئًا، ولم يروِه إلا ابن أبي زائدة، وما أدري».

فذكر له الإسنادَ الثاني، فقال أحمد: «هذا أراه اختصره من حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة»(2)، وهو بمعناه».

قال: فقلت له: روى هذين أحدٌ غيره؟ قال: «لا».

قلت -ابن رجب-: والظاهر أنه اختصر حديثَ عبدالله بن شقيق، عن ابن عمر، أيضًا، كما اختصر حديثَ عبيدالله، عن نافع، عنه. والله أعلم»(3).

انتهى كلام ابن رجب.

وقد وقفتُ على ما يظهر أنه سببٌ إضافيٌّ في إشكال حديث عبدالله بن شقيق خاصةً، حيث رواه محمد بن فضيل -وهو صدوق عارف-، عن عاصم الأحول -شيخ ابن أبي زائدة-، عن عبدالله بن شقيق، عن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فسأله عن الوتر، وأنا بينهما، فقال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا كان من آخر الليل فأوتر بركعة، ثم صلِّ ركعتين قبل الفجر».
قال عاصم: وقال لاحقُ بن حميد مثلَ هذا الحديث، إلا أنه قال: «بادروا الصبح بركعة»(4).

فيحتمل أن ابنَ أبي زائدة حمل لفظ عاصم، عن عبدالله بن شقيق، على لفظ حديثه عن لاحق بن حميد، الذي ساقه في آخر الحديث، ثم رواه من حديث ابن شقيق فقط، فوقع الإشكال.

وقد وقع هذا الإشكال لليث بن أبي سليم -وهو ضعيف-، حيث رواه عن عاصم، عن عبدالله بن شقيق، بلفظ: سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ عن صلاة الليل، وأنا بينهما، فقال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فبادر الصبح بركعة…»(5). وسبق أن هذا اللفظَ الأخيرَ لعاصم عن لاحق بن حميد، لا عن عبدالله بن شقيق.

وقد رواه ثابت بن يزيد -وهو «ثقة ثبت»(6)-، عن عاصم، عن عبدالله بن شقيق، به، فساق لفظه قريبًا من سياقة ابن فضيل، غير أنه لم يذكر حديث لاحق(7).

وحديث لاحق بن حميد -وهو أبو مجلز-، عن ابن عمر، معروف(8)، إلا أنه لم يقع فيه لفظ المبادرة -كما رواه ابن فضيل، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز-. وقد رواه عبدالواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز، فلم يذكر فيه لفظ المبادرة أيضًا(9)، إلا أن تفصيلَ ابن فضيل أضبط، وروايةُ ليثٍ تؤكد وجود لفظ المبادرة في حديث عاصم، وإنْ أخطأ ليثٌ بجعله في حديث عاصم، عن عبدالله بن شقيق.


(1) صحيح مسلم (749)، واجتمع لي تسعة رواة له عن عبدالله بن شقيق، به، بنحوه، مختصرًا ومطوَّلًا.

(2) أخرجه البخاري (472، 998)، ومسلم (751)، واجتمع لي تسعة رواة له عن عبيدالله بن عمر، به، بنحوه، مختصرًا ومطوَّلًا.

(3) فتح الباري (9/148).

(4) أخرجه أبو عوانة (2376)، والبيهقي (3/22)، وابن عساكر في معجمه (591)، من طريق ابن فضيل.

(5) أخرجه أحمد (5499) من طريق ليث.

(6) تقريب التهذيب (834).

(7) أخرجه أبو يعلى (5635) من طريق ثابت.

(8) أخرجه مسلم (752، 753) وغيره من طريق قتادة وأبي التياح، عن أبي مجلز.

(9) أخرجه ابن ماجه (1175)، والبزار (6155)، من طريق عبدالواحد.



أضف تعليق