حديث منكر، واضطراب غير اصطلاحي

روى شُعَيب(1) بن أبي الأشعث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال: «المِرَاءُ في القرآن كُفر».

وشعيب هذا ضعيف، قال فيه أبو حاتم الرازي: «مجهول»، وقال الأزدي: «ليس بشيء»، وقال ابن حبان: «يعتبر بحديثه إذا لم يكن في إسناده ضعيف، ولا بقية بن الوليد»(2).

ويظهر أن حاله خَفِيَت على أبي حاتم، وتبيَّنت للأزدي، أو أن مراد أبي حاتم بالجهالة: قلة حديثه، وعدم معرفته بالرواية، وقلة الرواة عنه.
وأما قول ابن حبان، فقد تعقَّبه قاسم بن قطلوبغا بقوله: «ليس هذا الكلام بشيءٍ في التحقيق»(3)، ولم يتبيَّن لي مراده بذلك. ودرجة الاعتبار تدلُّ على ضعفِ الراوي في الجملة، لأن المراد بها: النظر في متابعاته، وعدم قبول روايته بدونها.

وقد وقفتُ لشعيب على حديثين رواهما عن هشام بن عروة، فخالف فيهما أصحاب هشام الثقات(4)، مما يدل على نزول ضبطه عن هشام بعينه على أقل الأحوال.

ولذلك، ولتفرده عن هشام -وهو حافظ مكثر، يُجمع حديثه، ويَروي عنه كبارُ المحدّثين-، فحديثه هذا منكر.

وقد قال أبو حاتم الرازي مجيبًا عن سؤال ابنه عن هذه الرواية: «هذا حديثٌ مضطرب، ليس هو صحيحَ الإسناد، “عروة، عن أبي سلمة” لا يكون، وشعيب مجهول»(5).

وقول أبي حاتم: «مضطرب»، لا يريد به الاضطراب الاصطلاحي، الذي هو تقارُب أوجه الحديث بحيث لا يمكن الترجيح بينها، إذ لا توجد أوجهٌ مختلفة في هذا الإسناد، وإنما يتبيَّن من سياق كلامه أن مراده بالاضطراب: عدم الاستقرار والاستقامة، والإتيان بوجهٍ يتعارض مع الواقع المنضبط من سبر مرويات الرواة، وسلاسل الأسانيد، ومخارج الأحاديث. ولأبي حاتم إطلاقاتٌ من هذا المعنى(6)، وهي جاريةٌ على الأصل اللغوي في تسمية كل اختلال اضطرابًا.


(1) ترجمهُ الدارقطني في المؤتلف والمختلف (3/1357) بالثاء المعجمة في آخره: «شعيث»، وقال: «يُختلف في اسمه، فيقال: شعيب، بالباء». وقال عبدالغني الأزدي في المؤتلف والمختلف (2/467): «سمعته بالثاء، معجمةً بثلاث، مِن غير واحد»، ثم نقل عن الدارقطني أنه بالباء -خلاف ما في كتاب الدارقطني-. وقد كان ابن أبي حاتم ذكرهُ في الجرح والتعديل (4/341) تحت باب «من رُوي عنه العلم ممن يسمى شعيب»، بالباء، ولعله يَأثُرُ ذلك عن أبيه أيضًا، فقد نقل عنه قوله بجهالته. وهذا هو الواقع في كثير من كتب الرواية والتراجم، وهو المعتمد. والله أعلم.

(2) الجرح والتعديل (4/341)، علل ابن أبي حاتم (1714)، لسان الميزان (4/248).

(3) الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (5/246).

(4) انظر: علل ابن أبي حاتم (1866)، المعجم الكبير (24/81 ح213) -يقارن بما في البخاري (86، 184، 1053، 1054، 2519، 2520، 7287)، ومسلم (905)-.

(5) علل ابن أبي حاتم (1714).

(6) انظر: المصدر نفسه (79، 839).



أضف تعليق