روى المسيب بن واضح، عن يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله ﷺ: «مداراة الناس صدقة».
وهذا الحديث وإن صححه ابن حبان، فقد أنكره غيرُ واحدٍ من الأئمة، وتفاوتت كلماتُهم في سبب النكارة وعهدتها:
1- فقال أبو حاتم الرازي: «هذا حديث باطلٌ لا أصل له، ويوسف بن أسباط دفن كتبه»(1)، وعبارته الأخيرة تفيد ميلَه إلى تحميل يوسف بن أسباط عهدته، وأنه خلَّط فيه بسبب دفن كتبه.
وكذلك أورده ابن عدي في ترجمة يوسف بن أسباط، وحكم بتفرُّده به، وذكر في آخر ترجمته أن يوسف «لما عدم كتبه كان يحمل على حفظه، فيغلط، ويشبَّه عليه»، فكأنه بذلك يجعل هذا الحديثَ من مناكيره. ولم يورده في ترجمة المسيب بن واضح، مع أنه نصَّ على أن الحديث يُعرف به.
وحكم الخليليُّ بتفرُّد يوسف بن أسباط به، قال: «وهو زاهد، إلا أنه لم يُرضَ حفظه، وقيل: اشتبه عليه، وإنما هو: سفيان، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة، أن النبي ﷺ قال: «كل معروفٍ صدقة»»(2)، فأفاد أن يوسفَ هو الغالطُ في الحديث، وأن سببَ غلطه اشتباهه عليه بحديث: «كل معروف صدقة»، وهو عند الثوري بإسنادٍ آخر.
2- وأما أبو زرعة الدمشقي، فأخرج رواية المسيب بن واضح، وقال: «ليس هذا المحفوظ، وهو معضلٌ غليظ»، ثم قال: حدثنا محمد بن حازم الرملي -قال أبو زرعة: ثقةٌ حافظ، معروفٌ ببلده-، حدثنا يوسف بن أسباط، عن رجل، عن محمد بن المنكدر، يرفعه، قال: «مداراة الناس صدقة».
قال أبو زرعة: «القلبُ إلى هذا أَسْكَن»(3).
فبيَّن أبو زرعة الدمشقي أن المسيب خولف فيه عن يوسف بن أسباط، وأن ثقةً حافظًا -هو محمد بن حازم الرملي(4)– رواه عن يوسف، عن رجل، عن ابن المنكدر، مرسلًا، ومال أبو زرعة إلى رُجحان هذا الوجه عن يوسف.
والذي يظهر أنه ما دام خولف المسيبُ فيه -وقد تفرَّد به-، وأنه حُفِظَ عن يوسف بن أسباط على خلاف ما رواه المسيب، فإن يوسفَ يبرأ من نكارته، وتُعَصَّب بالمسيب.
وفي المسيب اختلافٌ وكلامٌ كثيرٌ متفاوتٌ في شدة الجرح وخفَّته، والأظهر أنه ضعيف جدًّا.
وقد سبق في كلام الخليلي أن الحديث كان عند الثوري، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة، بلفظ: «كل معروفٍ صدقة»(5)، بل صحَّ الحديث بهذا اللفظ عن محمد بن المنكدر، عن جابر -كإسناد رواية المسيب-، صحَّحه البخاريُّ وغيرُه، وله طرق عن ابن المنكدر.
والظاهر أن هذه الأحاديثَ وغيرَها تداخلت على المسيب بن واضح، فروى حديث المداراة بالإسناد المنكر المذكور.
وبذلك يتَّضح أن تصحيحَ ابن حبان للحديث من طريق المسيب فيه تساهلٌ بيّن.
(1) علل ابن أبي حاتم (2359).
(2) الإرشاد (1/311).
(3) الفوائد المعللة (ص152، 153).
(4) ذكره ابن حبان في الثقات (9/128)، ووصفه أبو زرعة الدمشقي بالثقة الحافظ هنا، فهو مما استُفيد من جزء الفوائد المعللة.
(5) أخرجه أحمد (23850)، والبخاري في الأدب المفرد (233)، وأبو داود (4947)، وغيرهم، من طرقٍ عن الثوري.
أضف تعليق