روى سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، وجاء متن الحديث عن سفيان على أربعة أضرُب:
الضرب الأول: إدراج قوله ﷺ: «إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» في الحديث.
وهي رواية العباس بن يزيد البحراني عن سفيان.
الضرب الثاني: سياق قصة الأعرابي، دون قوله: «إنما بعثتم ميسرين».
وهي رواية الشافعي، والحميدي، وأحمد بن حنبل، وعبدالجبار بن العلاء(1)، وإبراهيم بن بشار الرمادي.
الضرب الثالث: عدم سياق متن حديث أنس كليةً، والإحالة فيه على حديثٍ آخرَ في قصة الأعرابي نفسِها، جاء في متنه قولُه ﷺ: «إنما بعثتم ميسرين»، وهو حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة(2).
وهذه رواية سعيد بن عبدالرحمن المخزومي، وعبدالله بن محمد الزهري، ويحيى بن الربيع المكي. ولفظ الإحالة في رواية المخزومي والزهري: «نحو هذا»، وفي رواية يحيى بن الربيع: «مثله».
الضرب الرابع: سياق قوله: «إنما بعثتم ميسرين» فقط، دون قصة الأعرابي.
وهو لفظ محمد بن عبدالله بن يزيد المقرئ.
ومن الملاحظ أن كبار الأئمة، كالشافعي، وأحمد بن حنبل، والحميدي، قد رووه عن ابن عيينة، فذكروا فيه قصة الأعرابي فقط، وقد قال أبو حاتم الرازي: «أثبت الناس في ابن عيينة: الحميدي، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة».
إلا أنه اتفق ثلاثةٌ من الرواة، هم سعيد بن عبدالرحمن المخزومي، وعبدالله بن محمد الزهري -وهما ثقتان-، ويحيى بن الربيع -وهو صدوق-، فرووه عن سفيان بتفصيل، حيث رووه أولًا عنه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وفيه لفظ: «إنما بعثتم ميسرين»، ثم بيَّنوا أن ابنَ عيينة نفسَه عطف عليه حديث أنس، فقال: «وحدثني يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، نحو هذا»، هكذا قال المخزومي، والزهري، وأما يحيى بن الربيع، فساقهُ حديثًا مُعاقِبًا، وقال: «مثله».
واتفاق هؤلاء الرواة يُثبِت أن ابن عيينة حدَّث به تارةً هكذا، بعدم سياق متن حديثِ أنس، وإحالتِه إلى متن حديث أبي هريرة، كما أن اتفاقَ الأئمة المذكورين آنفًا يُثبِت أن ابنَ عيينة حدَّث تارةً أخرى بمتن حديث أنس مستقلًّا تامًّا، وليس فيه لفظ التيسير.
والذي يظهر أن هذا الاختصار، مع استعمال لفظ: «نحو هذا» -بل لفظ: «مثله»، إن لم يكن استعماله تصرُّفًا من يحيى بن الربيع-، قد أدَّى إلى أنْ روى العباس بن يزيد البحراني حديثَ أنس بمتنٍ نحوِ متن حديث أبي هريرة(3)، فتأوَّل البحرانيُّ إحالةَ ابن عيينة على حديث أبي هريرة، وجعل متنَه متنًا لحديث أنس، مع تصرفٍ فيه أيضًا.
وقد وقع في الحديث إشكالٌ آخرُ أكبر، حيث جاءت رواية محمد بن عبدالله بن يزيد المقرئ، عن ابن عيينة، بالاقتصار على لفظ: «إنما بعثتم ميسرين» في حديث أنس، وحذفِ قصة الأعرابي. والذي يغلب على الظن أن سببَ هذا الاقتصار تصرُّفُ ابن عيينة نفسُه، وإحالتُه على حديث أبي هريرة، حيث تأوَّله ابن المقرئ، أو مَن دونه، فروى المتنَ مفردًا من حديث أنس، فتركَّب بذلك حديثٌ جديدٌ بإسنادٍ ظاهرُه الصحة.
والذي يصحُّ عن ابن عيينة من كل ذلك: فصل الحديثين، ورواية متن: «إنما بعثتم ميسرين» في حديث أبي هريرة، ورواية حديث أنس بلفظه المختصر الذي اتفق عليه الأئمة الحفاظ عنه. وهذا المتن المختصر هو المحفوظ عن يحيى بن سعيد-شيخ ابن عيينة-، عن أنس، حيث رواه عنه سبعة عشر راويًا، منهم كبار الحفاظ، كمالك -وإن أرسله-، وابن المبارك، ويزيد بن هارون، وعبدالله بن نمير، وغيرهم، فلم يذكروا فيه إلا قصة الأعرابي، وهذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس.
(1) زاد عبدالجبار بن العلاء في متنه زيادةً بيَّن الدارقطني وهمَهُ فيها، وأنها دخلت عليه من حديثٍ آخر مرسلٍ لابن عيينة. انظر: التحقيق (1/78)، العلل المتناهية (1/334).
(2) هذا الحديث محفوظ عن سفيان، وقد رواه جمعٌ من أصحابه عنه، فأخرجه الحميدي (967)، وأحمد (7375)، وأبو داود (380) عن أحمد بن عمرو بن السرح، وابن عبدة، والترمذي (147) عن ابن أبي عمر، وهو (147)، وابن خزيمة (298)، عن سعيد بن عبدالرحمن المخزومي، وابن الجارود (141) عن محمود بن آدم، وابن خزيمة (298) عن عبدالجبار بن العلاء، والطوسي في مستخرجه على الترمذي (131) عن الزبير بن أبي بكر، و(132) عن عبدالله بن محمد الزهري، والمخلدي في الفوائد المنتخبة من مسموعاته [259ب] من طريق يحيى بن الربيع المكي، والبيهقي (2/428) من طريق علي بن المديني، جميعهم عن سفيان بن عيينة، به.
(3) المقارنة بين المتنين تُبيّن تقاربهما، ومن أوضح مواضعه لفظ: «فأسرع الناس إليه»، فإنه ظاهرٌ مشهورٌ في حديث أبي هريرة، بخلاف حديث أنس، فهو فيه محذوف أو بمعناه، لكنَّ البحرانيَّ جعله عن ابن عيينة في حديث أنس.
أضف تعليق