أوهام في محمد بن حسان الأموي

أخرج الدارقطني عن محمد بن سليمان الباهلي، عن محمد بن حسان الأموي، عن عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، حديثَ ابتلاع الأرض ما يخرج من الأنبياء.

وقد ترجم ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (7/238) لمحمد بن حسان بن مصعب الكوفي الخزاز، وذكر أنه سكن الري، وأنه روى عن عبدالسلام بن حرب، وأبي بكر بن عياش، وعبدالله بن نمير، ثم نقل عن أبيه قوله فيه: «صنف كتاب المعراج، وكان كذابًا»، ثم نقل عن الحافظ محمد بن عبدالله بن نمير قوله: «ترك الناس كلَّهم وجاء يكذب على أبي؟!».

وهذا هو ذاتُ الرجل المنسوب أمويًّا في إسناد الدارقطني، فسيأتي أن ابن شاهين أخرج عن محمد بن سليمان الباهلي -شيخ الدارقطني-، عن محمد بن حسان الأموي، عن أبي بكر بن عياش، فساق حديثًا، فهو نفسُه الراوي عن أبي بكر بن عياش.

وهذا ما ذهب إليه ابن الجوزي، فأورد قولَ أبي حاتم في تعليقه على الحديث المذكور أولًا⁽¹⁾.

ويؤكد أنه هو: أن ابن شاهين روى عن محمد بن سليمان الباهلي، عنه، حديثين:

الحديث الأول: عن أبي بكر بن عياش، عن عبيد بن اصطفى، عن أبي الزناد، عن زيد بن الحسين، عن أبان بن عثمان، عن عثمان⁽²⁾.
وهذا الحديث إنما يُعرف من رواية عمرو بن شمر الجعفي، عن عبيد بن اصطفى⁽³⁾، بل قال الحافظ عبدالغني الأزدي في ترجمة عبيد: «يروي حديثَه عمرُو بن شمر»⁽⁴⁾، وقال ابن ماكولا: «إنما يروي عن عبيد بن اصطفى: عمرو بنُ شمر أبو عبدالله الجعفي»⁽⁵⁾. وعمرو متروكٌ متَّهم، يروي الموضوعات⁽⁶⁾.

الحديث الثاني: عن سعيد بن زكريا، عن عنبسة -هو ابن عبدالرحمن-، عن إسحاق بن مرة، عن أنس⁽⁷⁾.
وهذا الحديث إنما يُعرف من حديث داود بن المحبر، عن الهياج بن بسطام، عن إسحاق بن مرة⁽⁸⁾.

فمن الظاهر أن محمد بن حسان سرق هذين الحديثين، وركَّب لهما إسنادَين، وأمره في أوَّلهما أشد، فإنه ركَّب حديثَ متروكٍ متَّهمٍ على أبي بكر بن عياش الثقة.

ثم إن حديثه المذكور أولًا في ابتلاع الأرض ما يخرج من الأنبياء هو كذلك معروفٌ لحسين بن علوان، عن هشام بن عروة، به، وحسين كذاب وضَّاع، فبالغ محمد بن حسان في سرقته وكذبه، فركَّب هذا الموضوعَ على عبدة بن سليمان الثقة الثبت.

وكل هذا يؤيد أنه هو الكذاب الذي نسبه ابن أبي حاتم كوفيًّا، ونقل تكذيبَه عن أبيه وابن نمير.

وللحافظ الذهبي -رحمه الله- بشأن هذا الرجل ثلاثةُ أمور، كلها في «ميزان الاعتدال»:
1- أنه فرق بين محمد بن حسان الأموي، ومحمد بن حسان الكوفي الخزاز. والصواب ما سبق من اتّحادهما.
2- أنه فسَّر تكذيبَ أبي حاتم الرازي بالكذب في حديث الناس، قال ابن حجر: «ولم يذكر مستنده فيما قال»⁽⁹⁾، وما سبق يوضّح أنه يكذب في رواية الحديث النبوي.
3- أنه نسب تكذيبَ محمد بن حسان الأموي إلى ابن الجوزي، مع أن ابن الجوزي إنما نقله عن أبي حاتم الرازي. ولعله لو حرَّر هذا النقل لاتَّضح له اتّحاد الرجلين.

وأما الحافظ أبو الخطاب ابن دحية، فقال في كلامه على الحديث المشار إليه أولًا: «محمد بن حسان بغداديٌّ ثقةٌ صالح»⁽¹⁰⁾.

والمعروف في البغداديين ممن يسمى محمد بن حسان، ويقارب هذه الطبقة، اثنان: الضبي السمتي -وهو صدوق لين الحديث-، والشيباني الأزرق -وهو ثقة-، وكلا الرجلين معروفُ النسب: ضبي، وشيباني، وليسا أمويَّين، فلا يصلح أيٌّ منهما أن يكون راويَ هذا الحديث.

ومحمد بن حسان الكوفي الخزاز المذكور أولًا لم يُنسَب إلى قبيلة، فلا تعارُض بين أمويَّته وكوفيَّته.

وإذن فلم يُصِب ابن دحية فيما ذكر، بل قولُه ببغدادية الرجل، وثقته، وقولُه في حديثه المذكور: «هذا سندٌ ثابت»، ومثله قول السيوطي: «هذا الطريق أقوى طرق الحديث»⁽¹¹⁾، مِن أبعد ما يكون القولُ عن الصواب.


(1) العلل المتناهية (1/183).
(2) الترغيب في فضائل الأعمال (369).
(3) أخرجه أبو الفتح الأزدي في الثالث من كتابٍ فيه مواعظ وحكمة [192أ].
(4) المؤتلف والمختلف (1/391).
(5) تهذيب مستمر الأوهام (ص253).
(6) انظر: لسان الميزان (6/210).
(7) الترغيب في فضائل الأعمال (522).
(8) أخرجه ابن الأعرابي في معجمه (1935)، والقضاعي في مسند الشهاب (425).
(9) تهذيب التهذيب (3/539).
(10) الخصائص الكبرى، للسيوطي (1/176).
(11) السابق.



أضف تعليق