أثر معرفة مساق الحديث في الإعلال (1)

روى غيرُ واحدٍ عن ضَمْرَة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «نضر الله امرأً سمع مقالتي، فوعاها، وبلَّغها غيرَه، فرُبَّ حامل فقهٍ غير فقيه، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى مَن هو أفقَهُ منه. ثلاثٌ لا يغِل عليهنَّ قلبُ امرئٍ مسلم: النصيحةُ لله ولرسوله، ولكتابه، ولعامَّة المسلمين».

وهذا الإسناد ضعيف، لعدم تبيُّن وقت سماع ابن شوذب من سعيد بن أبي عروبة -إن كان قبل الاختلاط أو بعده-، ولعدم تبيُّن سماع سعيد بن أبي عروبة، من أبي نضرة، وسعيد كثير التدليس، بل روى عن عدَّةٍ لم يسمع منهم(1).

ولهذا الحديث علة دقيقة تتعلَّق بأصل سياقته وموضعها، إذ إنه رواه هكذا مقتطعًا مفردًا غيرُ واحدٍ عن ضمرة، لكن جاء بأول لفظٍ لأبي عمير ابن النحاس عن ضمرة: «خطبنا رسول الله ﷺ، فما ترك شيئًا دون الساعة إلا أنبأ به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، ثم قال:…»، فذكره، واختصره.
وجاء بأول لفظ الحسن بن واقع عن ضمرة: «خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، فقال:…»، فذكره.

وكذلك جاء أن متنَ الحديث جزءٌ من خطبةٍ للنبي ﷺ في حجَّته في رواياتٍ أخرى له عن بعض الصحابة(2)، وهو معروفٌ عند أهل المغازي(3).

إذا ثبت ذلك، فحديث خطبة النبي ﷺ بمِنى معروفٌ عن أبي نضرة، لكن بإسنادٍ ولفظٍ مختلفَين، حيث رواه سعيد الجريري، عن أبي نضرة، قال: حدثني مَن سمع خطبة رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق، فقال: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجمي، ولا لعجميٍّ على عربي، ولا أحمرَ على أسود، ولا أسودَ على أحمر، إلا بالتقوى. أبلّغت؟». قالوا: بلّغ رسول الله. ثم قال: «أي يوم هذا؟». قالوا: يوم حرام. ثم قال: «أي شهر هذا؟». قالوا: شهر حرام. ثم قال: «أي بلد هذا؟». قالوا: بلد حرام. قال: «فإن الله قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم -قال: ولا أدري قال: وأعراضكم، أم لا- كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. أبلغت؟». قالوا: بلغ رسول الله. قال: «ليُبلغ الشاهد الغائب»(4).

وهذا الإسناد صحيحٌ عن الجريري(5)، رواه عنه مَن سمع منه قبل اختلاطه(6).

فروايةُ الجريري ليس فيها أن أبا نضرة يرويه عن أبي سعيد الخدري، ولا فيها اللفظُ المشهورُ لحديث: «نضر الله امرأً…»، والجريريُّ معروفٌ بالرواية عن أبي نضرة، وروايته عنه مخرَّجةٌ في الصحيح، فلا شك أن روايته عنه أصحُّ من رواية سعيد بن أبي عروبة، التي سبق بيان ما فيها من العلل.

والوهم في هذا يحتمل أن يكون من سعيد بن أبي عروبة -إن كان ابن شوذب سمعه منه بعد الاختلاط-، وأن يكون من الواسطة التي أسقطها ابن أبي عروبة بينه وبين أبي نضرة، وأن يكون من ضمرة بن ربيعة، والله أعلم.


(1) انظر: معرفة الرجال، لابن محرز (2/184)، تاريخ الدوري عن ابن معين (4/93، 99، 153، 161، 201)، العلل ومعرفة الرجال، لأحمد، برواية عبدالله (2/331، 416، 3/185-187، 198)، وبرواية المروذي (ص243)، مسائل صالح (2/431)، المعرفة والتاريخ (2/123، 661)، مسند البزار (1/112، 2/227)، المراسيل، لابن أبي حاتم (ص77-79)، تهذيب الكمال (11/10)، وغيرها.

(2) منها: حديث أبي بكرة: أخرجه البخاري (1741، 7078)، وفيه لفظ: «فليُبلغ الشاهدُ الغائب، فإنه رُبَّ مبلغ يبلغه لمن هو أوعى له» فحسب. وحديث محمد بن جبير بن مطعم، على اختلافٍ عنه: أخرجه أحمد (17010، 17026)، والدارمي (248)، وابن ماجه (231، 3056)، والطبراني (1541-1544)، والحاكم (1/87)، وغيرهم، وانظر: علل الدارقطني (7/418). وحديث عمير بن قتادة الليثي: أخرجه الطبراني (17/49).

(3) مغازي الواقدي (3/1103).

(4) أخرجه ابن المبارك في مسنده (239)، وأحمد (23972)، والمحاملي في أماليه (257/رواية ابن مهدي)، من طريق إسماعيل بن علية، والحارث (51/بغية الباحث)، وابن حكيم في جزء ذكر قول النبي ﷺ: «نضر الله امرأ» (16)، من طريق عبدالوهاب بن عطاء الخفاف، ثلاثتهم (ابن المبارك، وابن علية، وعبدالوهاب) عن الجريري، به، بنحوه، مطوَّلًا ومختصرًا. واللفظ لأحمد.

(5) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (1/412): «رويناه بإسنادٍ صحيحٍ من حديث سعيد الجريري…».

(6) وهو ابن علية. انظر: تهذيب التهذيب (2/7)، الكواكب النيرات (ص183).



أضف تعليق