روى يحيى بن عبَّاد -وهو صدوق-، عن همام، عن قتادة، عن أنس -أو: عن سعيد بن المسيّب-، أن النبي ﷺ كان يصلي على الخُمرة.
وخالفه محمدُ بن كثير العبدي -وهو ثقة-، فرواه عن همام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مرسلًا. وهذا أصح من الأول، وقد رجَّحه الدارقطني في الخلاف عن همام، فقال: «وهو أشبهها بالصواب»⁽¹⁾.
وكذلك رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، قال: «الصلاة على الخمرة سُنَّة»، وقد رجَّح العلماء في قول التابعي: «من السنة» أنه حديثٌ موقوف، حيث يحتمل إرادةَ سنة الخلفاء الراشدين، أو سنة أهل البلد، لكنهم استثنوا سعيد بن المسيّب من ذلك، فجعلوا قوله: «سنة» مرسلًا، بإرادة سنة النبي ﷺ⁽²⁾.
وعليه فسعيد بن أبي عروبة يتابع الراجح عن همام في جعل الحديث لسعيد بن المسيب مرسلًا.
وقد جاء الحديث بإسناد ضعيف عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس بن مالك.
ومع ضعف رواة هذا الوجه دون هشام، فإن سلوك الجادة فيه يزيده علَّةً، ثم إن هشامًا من أثبَتِ أصحاب قتادة، فالأصل أنه يوافقهم، ولا يُقبل إسنادٌ بهذا القدر من اللِين يؤدي به إلى مخالفة سعيد وهمام عنه.
هذا، وقد روى المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: «كان النبي ﷺ يزور أمَّ سليم أحيانًا، فتدركه الصلاة، فيصلي على بساطٍ لنا، وهو حصير ننضحه بالماء».
قال البزار: «وهذا الحديث لا نحفظه يُروى عن قتادة، عن أنس، إلا من حديث المثنى»، والمثنى ثقة، وقد احتج مسلمٌ بروايته عن قتادة، وحديث صلاة النبي ﷺ على بساطٍ في بيت أنس -وهو بيت أمه أم سليم-، محفوظٌ عن أنس، مخرَّجٌ في الصحيحين عنه. فالظاهر أن حديث المثنى صحيحٌ محفوظٌ عن قتادة.
وكما تبيَّن، فليس في حديث المثنى لفظُ الخمرة، وإنما فيه لفظ البساط، والحصير، وهو كالخمرة إذا كان كبيرًا، قال أبو عبيد: «الخُمرة: شيءٌ منسوجٌ يُعمل من سعف النخل، ويُرَمَّل بالخيوط، وهو صغيرٌ على قدر ما يَسجُد عليه المصلي، أو فُوَيق ذلك. فإنْ عَظُمَ حتى يكفي الرجلَ لجسدِه كلِّه في صلاةٍ، أو مُضطَجَع، أو أكثرَ من ذلك، فحينئذٍ حصيرٌ، وليس بخُمرة»⁽³⁾.
والذي يظهر أن حديثَ الحصير هو الذي دخل على مَن روى حديثَ الخمرة عن قتادة عن أنس، أو شكَّ في جعله لأنس، فإن المحفوظ عن قتادة بهذا الإسناد حديث الحصير، وأما حديث الخمرة فالراجح أن قتادة يرويه عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وهو ما اتفق عليه سعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى -في المحفوظ عنه-، عن قتادة.
(1) العلل (6/156).
(2) انظر: فتح المغيث (1/222).
(3) غريب الحديث (3/247). وقد أورد ابن الأثير في النهاية (2/78) حديثًا فيه: «الخمرة التي كان قاعدًا عليها»، قال: «وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها»، لكنَّ هذا قد يكون إطلاقًا على قِلَّة، ولا يُحكَم له. ورُبَّما فُسِّرت الخُمرة بالحصير لتوضيح جنسها، ولا يلزم منه تطابقُهما في جميع الصفات.
أضف تعليق